شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

د. بسام الخديوي يكتب: العاصمة الجديدة فرصة لبناء بيئة قانونية حديثة للمال والأعمال.. حين يصنع التشريع قيمة اقتصادية للمكان

د. بسام الخديوي يكتب: العاصمة الجديدة فرصة لبناء بيئة قانونية حديثة للمال والأعمال.. حين يصنع التشريع قيمة اقتصادية للمكان

عندما ننظر إلى العاصمة الجديدة من زاوية قانونية فإن أهم ما يميزها ليس فقط أنها مدينة حديثة ذات بنية تحتية متطورة، وإنما لأنها تتيح شيئًا يصعب تحقيقه بالدرجة نفسها داخل المدن القائمة وهو إمكانية تصميم نطاق اقتصادي وقانوني متخصص من البداية. وهذه الميزة تكتسب أهمية خاصة إذا كان الهدف هو إنشاء مدينة للمال والأعمال أو مركز مالي يستهدف جذب المؤسسات والاستثمارات والمعاملات ذات الطابع الإقليمي والدولي، فالموقع بالنسبة لمثل هذه المشروعات ليس مجرد قطعة أرض تقام عليها الأبراج والمقار الإدارية، ولكن الموقع يؤدي وظيفة قانونية مهمة لأنه يحدد النطاق الذي يمكن أن تسري داخله قواعد خاصة ويتيح تحديد الأشخاص والأنشطة الخاضعة لها والجهات المختصة بإدارتها وتنظيمها وعلاقة هذه القواعد بالقانون العام للدولة. ومن هنا تبدو منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الجديدة موقعًا يستحق النظر إليه من زاوية تتجاوز قيمته العمرانية فالمنطقة قائمة بالفعل داخل مدينة مخططة حديثًا ومخصصة بطبيعتها للأعمال والأنشطة الاقتصادية، وهذا التحديد المكاني والوظيفي يوفر نقطة انطلاق مناسبة إذا اتجهت الدولة إلى إنشاء نطاق مالي يخضع إلى تنظيم قانوني متخصص. وتكمن أهمية ذلك في أن تطبيق نظام قانوني خاص داخل نطاق جديد ومحدد جغرافيًا قد يكون أكثر وضوحًا من محاولة إدخاله وسط بيئة عمرانية واقتصادية قائمة تشابكت داخلها على مدى عقود جهات الاختصاص والقواعد التنظيمية وأنماط استخدام الأراضي والأنشطة المختلفة. وهذه ليست مسألة عمرانية وإنما مسألة في التصميم القانوني، فالمشرع عندما ينشئ نظامًا اقتصاديًا خاصًا يحتاج أولًا إلى تحديد نطاق تطبيقه. أين تبدأ حدود النظام الخاص وأين تنتهي؟ من يخضع له؟ ما الأنشطة التي يشملها؟ وما القواعد العامة التي تظل واجبة التطبيق داخله؟. كلما كان النطاق الجغرافي والاقتصادي واضحًا منذ البداية، أصبح من الممكن صياغة إجابات أكثر دقة عن هذه الأسئلة. والفكرة ليست غريبة عن النظام القانوني المصري، فقد عرف المشرع المصري بالفعل أنظمة ترتبط بنطاقات جغرافية واقتصادية محددة، ومن أبرزها المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة وأخضع المشروعات المقامة داخلها لنظام قانوني وتنظيمي خاص في المسائل التي حددها القانون. لكن إنشاء بيئة للمال والأعمال يتطلب خطوة أكثر تخصصًا، فالهدف هنا لا يقتصر على جذب مشروع صناعي أو تجاري إلى منطقة تتمتع بحوافز معينة، وإنما يتعلق بإمكانية استضافة مؤسسات مالية وإدارة أصول وصناديق واستثمارات وتمويلات ومعاملات قد تمتد أطرافها وآثارها إلى أكثر من دولة. ومن ثم فإن قيمة العاصمة الجديدة لا تكمن فقط في توفير مكان لهذا المشروع، وإنما في إمكانية تحويل هذا المكان إلى نطاق قانوني واضح يستطيع المشرع أن يبني داخله منظومة متكاملة للمال والأعمال. أول ما يحتاج إليه هذا النموذج هو تحديد البناء المؤسسي الذي يديره، فإذا كان المشروع يستهدف المنافسة على جذب المؤسسات المالية الدولية، فإن وضوح الجهة المسؤولة عنه واختصاصاتها ودرجة استقلالها الإداري والتنظيمي يصبح جزءًا من البيئة الاستثمارية نفسها. ويجب أن يعرف المستثمر منذ البداية الجهة التي يتعامل معها وما السلطات التي تملكها وكيف تصدر القرارات التنظيمية وما علاقتها بمؤسسات الدولة والجهات الرقابية الوطنية. والاستقلال في هذا السياق لا يعني الانفصال عن الدولة أو النظام القانوني المصري وإنما يعني منح المؤسسة المسؤولة اختصاصات واضحة تمكنها من إدارة النظام بكفاءة مع تحديد علاقتها بالجهات الأخرى على نحو يمنع تضارب الاختصاص أو ازدواجه. وهنا تظهر إحدى مزايا إنشاء النظام داخل نطاق محدد، فبدلًا من توزيع المشروع بين مؤسسات وقواعد متفرقة يمكن للقانون المنشئ له أن يحدد في وثيقة تشريعية واحدة بنيته المؤسسية واختصاصاته وعلاقته بباقي أجهزة الدولة. تنظيم مالي يناسب طبيعة المشروع. المستوى الثاني هو التنظيم المالي، فمدينة المال والأعمال لا يفترض أن تستضيف نشاطًا ماليًا واحدًا لأن طبيعتها تقتضي إمكانية وجود البنوك الاستثمارية والمؤسسات المالية غير المصرفية وإدارة الأصول والصناديق والتأمين وإعادة التأمين والتكنولوجيا المالية والاستثمار المباشر ورأس المال المخاطر إلى جانب الخدمات القانونية والمحاسبية والاستشارية التي تدعم هذه الأنشطة. وهذا التنوع يطرح سؤالًا قانونيًا مهمًا، هل تظل كل مؤسسة داخل المشروع خاضعة للجهة الرقابية التي تنظم نشاطها خارجه بالطريقة ذاتها، أم ينشأ للمشروع تنظيم مالي متخصص، أم يقوم النظام على توزيع للاختصاصات والتنسيق بين الجهة الخاصة بالمشروع والجهات الوطنية القائمة؟. لا توجد إجابة واحدة تصلح بالضرورة لكل نموذج، لكن ما يحتاج إليه المستثمر هو وضوح الإجابة، فالغموض في تحديد الجهة التي تمنح الترخيص أو تراقب النشاط أو تصدر القواعد التنظيمية يتحول في ذاته إلى مخاطرة قانونية، ولذلك يجب أن يكون تحديد الاختصاص التنظيمي من المسائل التي يحسمها القانون منذ البداية وليس من المسائل التي تترك للممارسة أو للتنسيق اللاحق بين الجهات. وهنا نصل إلى ما أراه أحد أهم عناصر المشروع، فإذا كان الهدف هو استضافة مؤسسات تدير من مصر معاملات مالية واستثمارية ذات امتداد دولي، فلا يكفي تنظيم دخول هذه المؤسسات وترخيصها وإنما يجب التفكير في القواعد التي تحكم معاملاتها بعد دخولها. ما القواعد التي تحكم العقود؟ وكيف تنظم الشركات؟ وما النظام المطبق على التمويل والضمانات والأصول والإفلاس؟ وما حدود حرية الأطراف في اختيار القانون الذي يحكم معاملاتهم؟. هذه الأسئلة هي التي تنقل المشروع من مجرد "منطقة ذات حوافز" إلى "بيئة قانونية حقيقية" للمال والأعمال. ويمكن للمشرع هنا أن يختار النموذج الذي يتناسب مع النظام القانوني المصري سواء من خلال قواعد خاصة لبعض المعاملات أو منظومة أوسع للقانون المدني والتجاري والمالي داخل النطاق المحدد، لكن الأهم هو أن تكون هذه القواعد متكاملة وواضحة وقابلة للتوقع. ولا أرى أن نجاح التجارب الدولية يعني أن مصر مطالبة باستيراد نظام قانوني أجنبي أو استنساخ تجربة بعينها ولكن القيمة الحقيقية للقانون المقارن هي أن نتعلم كيف عالجت النظم الناجحة المشكلة ثم نختار الحل الذي يتفق مع البناء الدستوري والقضائي والاقتصادي المصري. ولا يكتمل بناء قانون خاص بالمعاملات دون وجود آلية قادرة على تفسيره وتطبيقه، ولهذا فإن القضاء ليس عنصرًا يأتي في نهاية المشروع وإنما جزء من تصميمه منذ البداية، فالمعاملات المالية الدولية قد تثير مسائل شديدة التخصص ويحتاج المستثمر إلى معرفة المحكمة المختصة ودرجات التقاضي والإجراءات المتبعة واللغة التي يمكن استخدامها والقواعد التي تطبقها المحكمة وكيفية تنفيذ الحكم بعد صدوره. ومصر لا تبدأ هنا من فراغ فقد أنشأت المحاكم الاقتصادية نموذجًا للتخصص القضائي في المنازعات الناشئة عن عدد كبير من التشريعات الاقتصادية والتجارية والمالية، ومن الممكن البناء على الخبرة المصرية في القضاء الاقتصادي عند التفكير في درجة أعمق من التخصص تتناسب مع طبيعة المعاملات التي يستهدفها المشروع. ويأتي التحكيم التجاري إلى جانب القضاء وليس بديلًا عنه، خاصة بالنسبة للمعاملات العابرة للحدود فوجود منظومة واضحة للتحكيم والاعتراف بالأحكام وتنفيذها يمثل جزءًا أساسيًا من الثقة القانونية التي تبحث عنها المؤسسات الدولية. المدن الجديدة ليست مجرد استثمار عقاري. وهنا تظهر دلالة أوسع للمشروع، فالمشروعات العمرانية الكبرى لا ينبغي تقييم قيمتها الاقتصادية فقط على أساس حصيلة بيع الأراضي أو الوحدات أو العائد العقاري المباشر الذي تحققه في سنوات إنشائها الأولى. المدينة الجديدة تخلق أصلًا اقتصاديًا طويل الأجل، أرضًا مخططة وبنية تحتية وشبكات اتصال ومرافق ومناطق متخصصة وقدرة على استيعاب أنشطة لم يكن من السهل استيعابها داخل المدن القائمة، والتحدي بعد إنشاء هذا الأصل هو كيفية منحه وظائف اقتصادية جديدة. وهنا يستطيع القانون أن يؤدي دورًا ربما لا يقل أهمية عن التخطيط العمراني نفسه، فمن خلال التنظيم القانوني يمكن تخصيص أجزاء من المدن الجديدة لأنشطة اقتصادية ذات طبيعة خاصة ومنحها نظمًا تنظيمية تتناسب مع الوظيفة المراد جذبها إليها. وهذا المنطق لا يقتصر بالضرورة على العاصمة الجديدة، فمدينة العلمين الجديدة على سبيل المثال تقع ضمن المدن الجديدة التي تصنفها هيئة المجتمعات العمرانية ضمن بؤر اهتمام المستثمرين لما تتمتع به من مقومات ومواقع متميزة. ويمكن النظر مستقبلًا إلى كيفية استخدام التنظيم القانوني لمنح مثل هذه المدن وظائف اقتصادية تمتد إلى ما بعد النشاط العقاري والسياحي بحسب طبيعة كل مدينة وموقعها والميزة التي يمكن أن تقدمها. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الرؤية التي قامت عليها إقامة جيل جديد من المدن المصرية بصورة أوسع. فالاستثمار في المدينة لا ينتهي عند اكتمال البناء وقد تظهر بعض أهم عوائده لاحقًا عندما تصبح البنية التي تم إنشاؤها قادرة على استضافة أنشطة اقتصادية ومؤسسات لم تكن موجودة عند بدء المشروع. وهنا يلتقي التخطيط العمراني بالتخطيط التشريعي، فكما يتم تحديد وظيفة المنطقة قبل تصميم مبانيها وشبكاتها يمكن تحديد الوظيفة الاقتصادية ثم تصميم النظام القانوني الذي يساعدها على تحقيق هذه الوظيفة. والعاصمة الجديدة تقدم فرصة واضحة لتطبيق هذه الفكرة، فهناك بالفعل منطقة أعمال مركزية وبنية تحتية حديثة ونطاق جغرافي واضح ومدينة صُممت من البداية لاستيعاب مؤسسات ووظائف جديدة. وإذا أُضيف إلى هذه العناصر نظام قانوني متخصص للمال والأعمال، فإننا لا نكون أمام استخدام جديد للمكان فقط وإنما أمام توظيف للقانون في تعظيم القيمة الاقتصادية لأصل عمراني قائم، وهذه ربما تكون أهم ميزة قانونية للموقع. فبدلًا من السؤال التقليدي: أين نقيم مدينة للمال والأعمال؟ يمكن أن يصبح السؤال: أين توجد البيئة التي تسمح لنا ببناء نظامها القانوني والمؤسسي من البداية بأقل قدر من التعقيد وأعلى قدر من الوضوح؟ ومن هذه الزاوية تبدو منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الجديدة اختيارًا يستحق الدراسة بجدية، فالموقع متاح والبنية تم تأسيسها والنطاق قابل للتحديد، وما يمكن أن يضيف القيمة التالية هو بناء الإطار المؤسسي والتنظيمي والقضائي الذي يحول هذه المقومات إلى بيئة قادرة على استضافة المال والأعمال الدولية. فالمدينة الحديثة لا تكتمل فقط بما يُبنى فوق أرضها وإنما كذلك بالقانون الذي يحدد الوظيفة الاقتصادية التي تستطيع هذه الأرض أن تؤديها.

المصدر: اليوم السابع