شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

برحيله اليوم.. عسير تطوي صفحة الأديب أنور بن محمد آل خليل

برحيله اليوم.. عسير تطوي صفحة الأديب أنور بن محمد آل خليل

لم يكن أنور بن محمد آل خليل أديباً فحسب، بل كان ممن أدركوا أنّ ذاكرة المكان لا تحفظها الجغرافيا وحدها، وإنما تحفظها الكتابة والصورة والوثيقة، وما يتركه المبدعون في حياة الناس. برحيل الأديب والباحث أنور بن محمد آل خليل، تطوي منطقة عسير صفحة من صفحات حضورها الثقافي، وتفقد رجلاً جمع في تجربته بين الأدب، والعناية بتاريخ المنطقة ورجالاتها، والحرص على توثيق شواهدها الحضارية والاجتماعية. ارتبط اسم آل خليل بالمشهد الثقافي في عسير منذ عام 1405هـ، حين بدأت علاقته الرسمية بنادي أبها الأدبي بانضمامه إلى عدد من لجانه العاملة. ولم يقتصر حضوره على النشاط الثقافي والإداري، بل حوّل إحدى قاعات النادي إلى متحف للمأثورات المحلية، وتولى لاحقاً عدداً من المسؤوليات، من بينها أمانة السر، وعضوية مجلس الإدارة، والمسؤولية المالية، قبل أن يُنتخب رئيساً للنادي. كما أسهم، بالتعاون مع بلدية أبها، في تأسيس متحف شدا الذي يتوسط مدينة أبها، وكانت انطلاقته عام 1407هـ. وشارك كذلك في عضوية أمانة أسبوعيات مجلس الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة عسير آنذاك. غير أنّ تجربة أنور آل خليل لم تقف عند العمل المؤسسي، فقد امتدت إلى الكتابة الصحفية والبحث في سير الأدباء والمثقفين والشخصيات التي أسهمت في تشكيل الحياة الثقافية والاجتماعية في عسير. وكان اهتمامه بتاريخ المنطقة وأعلامها مدخلاً إلى مشروع أوسع، يقوم على جمع الشواهد التي تحفظ ملامح المكان وتحولاته، وتوثيق ما قد يغيب عن كتب التاريخ والتراجم. في هذا السياق، اكتسبت الوثائق والصور والمقالات والذكريات التي جمعها أهمية خاصة، إذ لم تكن مجرد مقتنيات شخصية، بل مادة يمكن أن يستند إليها الباحثون والمهتمون بتاريخ المنطقة. وقد أشاد مثقفون وباحثون، خلال تكريمه عام 2020، بجهوده في توثيق تاريخ عسير، وبما قدمه من مساعدة للباحثين، وما احتفظ به من مواد تتصل بأدبائها ووجوهها الاجتماعية. كشفت كتابات آل خليل الصحفية عن اهتمام بالسير الإنسانية للأدباء والمثقفين، وبالتفاصيل التي لا تتسع لها التراجم التقليدية دائماً. فقد كان يقترب من الشخصيات من خلال مواقفها وعلاقاتها وتجاربها، جامعاً بين التوثيق والوفاء، وبين تسجيل الوقائع واستعادة ما تنطوي عليه من دلالات إنسانية. لعل ما يمنح تجربة أنور بن محمد آل خليل أهميتها أنه تعامل مع الذاكرة من مسارات متعددة، جمع فيها بين الكتابة والوثيقة والصورة، وبين علاقته المباشرة بأهل المنطقة وشخصياتها. وهي مسارات تلتقي عند هدف واحد: ألا تظل حياة الناس وتجاربهم وإنجازاتهم عرضة للنسيان. وكان أصدقاؤه، ممن اعتادوا مجالسته في ليالي الشتاء، وزواره من خارج المنطقة في الصيف، يحثونه على إخراج ما جمعه وكتبه في كتب. فقد كان يحتفظ بكتاباته ويهيئها للنشر، لكنه لم يمضِ إلى نشرها. وهنا تبرز إحدى المسائل المهمة التي يثيرها رحيله: مصير هذا الرصيد الذي ظل جانباً منه حبيس مكتبته، ولم يصل بعد إلى القراء. فالمقالات والوثائق والصور والمخطوطات وسائر المواد التي جمعها تمثل رصيداً ثقافياً يستحق العناية، من خلال حصره وفهرسته، ودراسة محتوياته، والعمل على نشر ما تتوافر فيه القيمة العلمية والتاريخية. وهي مسؤولية لا تتصل بتخليد اسم الراحل فحسب، بل بحفظ جانب من ذاكرة عسير وإتاحته للباحثين والأجيال الجديدة. أصدقاء الراحل نعوه في شبكات التواصل الاجتماعي، واستعادوا العديد من الذكريات معه، فقد ذكر الدكتور محمد العوين أنّه كان على تواصل معه لا ينقطع، بالتعليق حيناً، وبتنميق الصورة المضافة للمقال حيناً آخر. فيما وصفه الدكتور عبد الرحمن فصيل بأيقونة التوثيق والتاريخ في منطقة عسير. أما الدكتور فائز الشهري فقد وصفه بالنقيّ الجميل والإنسان النبيل. فيما نعاه الناشط الاجتماعي حسن بن محمد مخافة بالحبيب والصديق العزيز، ورائد الأدب وحافظ الموروث والتراث. أما صديقه القريب منه حسن آل عامر فقد وصفه بالأخ الكبير والوجه الإنساني الحاضر في الأفراح والأتراح. الوفاء لأنور بن محمد آل خليل لا يكتمل بعبارات النعي، مهما صدقت، وإنما يبدأ من العناية بما تركه، وإخراج أعماله إلى القراء، وصون ما جمعه من شواهد الذاكرة المحلية. فالأشخاص يرحلون، لكن ما يتركونه من معرفة يظل قادراً على الحياة متى وجد من يحفظه، ويعيد تقديمه، ويمنحه مكانه المستحق في الذاكرة الثقافية. رحم الله أنور بن محمد آل خليل، وألهم أهله ومحبيه وأصدقاءه الصبر والسلوان.

المصدر: عكاظ