حكايات عن السجن والحرب.. الحلقة 18: توالي ارتقاء الشهداء
أفضت الممارسات التي انتهجتها مصلحة السجون «الإسرائيلية» في السجون، منذ بدء الحرب، وبتوجيه مباشر من الوزير الفاشي بن غفير، إلى استشهاد ما يناهز المئة شهيد أفضت الممارسات التي انتهجتها مصلحة السجون «الإسرائيلية» في السجون، منذ بدء الحرب، وبتوجيه مباشر من الوزير الفاشي بن غفير، إلى استشهاد ما يناهز المئة شهيد، إما بسبب الضرب الوحشي، أو الجوع، أو الأمراض الجلدية، أو الإهمال الطبي. ففي الأسابيع والأشهر الأولى للحرب، كانت لدينا بعض أجهزة المذياع التي نتابع من خلالها آخر الأخبار، وكنا نسمع عن ارتقاء شهداء في السجون. سمعنا عن استشهاد الشيخ عمر دراغمة في سجن مجدو، وعن استشهاد الأسير ثائر أبو عصبة، الذي جرى الاعتداء عليه بصورة وحشية، فقط لأنه سأل أحد السجانين عن إمكانية توقُّف الحرب. ثم توالت الأخبار عن ارتقاء أعداد من أسرى قطاع غزة بسبب الضرب الوحشي والتعذيب والتنكيل في سجن النقب. لكن سادية المحتل وصلت إلى ذروتها، المعبِّرة عن انحطاط الدولة، باستهداف الأسرى المرضى وإهمالهم، والتوقف عن توفير العلاج اللازم لهم، مما أدى إلى استشهاد عدد منهم، وبالأخص الشهيد القائد وليد دقة والشهيد خالد الشاويش. لقد كان لخبر استشهاد الصديق والرفيق وليد دقة وقعٌ كبير علينا. فقد أمضى 38 عامًا في الأسر، ولم يتبقَّ له سوى عام واحد على تحرره. كان وليد معروفًا في ساحات الأسرى، ومن بين الأسرى الذين كان لهم باع طويل في العمل التنظيمي والثقافي والأكاديمي. وكانت لقصته الإنسانية، المتمثلة في إنجاب طفلته الوحيدة ميلاد، قبل استشهاده بأعوام، دلالةٌ على الإرادة والتحدي. وكان ينتظر بزوغ فجر حريته ليعانقها. لكن مرضه وبقاءه في المشفى خلال العامين الأخيرين من حياته جعلاه يسابق الزمن لتحقيق حلمه، غير أن إدارة السجون، بحقدها على وليد، أهملته وأهملت علاجه، وهو ما يعني قتله بصورة أو بأخرى. كان خبر استشهاده صادمًا لكافة أصدقائه ومحبيه ورفاقه، وكنا نعرف أنه جرت عملية تصفية وليد عن سبق إصرار وتعمد. وقد مرَّت عليَّ حالتان من حالات الشهادة، كنت شاهدًا على ملابسات استشهاد صاحبيهما، وهما الشهيدان مصطفى أبو عرّة ومحمد غوادرة. وكانا أسيرين جديدين جرى اعتقالهما أثناء الحرب، ومحكومًا عليهما إداريًّا، وكلاهما تجاوز الستين من العمر، وكانا مريضين. ففي عام 2024، كنا في القسم الثامن في سجن ريمون، في شهر تموز، عندما داهمت قوة كبيرة من شرطة السجون الغرفة التي كان يقطنها الأسير الشيخ مصطفى أبو عرّة، واعتدت على الجميع بالضرب المبرح. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الشيخ مصطفى يتناول الطعام أو يتحرك من فراشه. كنا نرى إخوته الأسرى في الغرفة وهم يطلبون من إدارة السجن معاينته أو نقله إلى العيادة أو المشفى، لأن حالته الجسدية والنفسية كانت تتدهور مع كل ساعة؛ غير أن إدارة السجن لم تكن تكترث بذلك. وبقي أبو عرّة على هذه الحالة عدة أيام، وعندما لم يعد بمقدوره الحركة، قامت الإدارة بنقله إلى المشفى. وفي اليوم التالي، سمعنا خبر استشهاده. أما الشهيد محمد غوادرة، والد الأسير المحرر شادي غوادرة، فقد كنت أعيش معه في غرفة واحدة. وكان مصابًا بمرض السكري، ويحتاج إلى رعاية يومية، وهو ما كانت تقدمه الإدارة؛ لكنها كانت تستهدف مرضى السكري في هذه الغرفة بالاعتداءات شبه اليومية، ومن بينهم الأسير الشهيد غوادرة. وفوق إصابته بالسكري، أُصيب الشهيد غوادرة بمرض الجرب، الذي كان ينهشه أمام أعيننا ليلًا ونهارًا. كان غوادرة يعاني كل يوم، وعندما تفاقمت حالته، جرى نقله من طرفنا إلى غرفة المصابين بالجرب. وقبل أيام قليلة من تحررنا من الأسر، في 13-10-2025، التقيت أبا شادي في الحمامات العامة، وكانت أحواله الصحية متدهورة. لقد رأيت أمامي جثةً متحركة، وعندما سألته عن حاله، أجابني بصوت واهن بأنه «ليس على ما يرام». فأدركت أن الرجل سيموت في ظل سياسة الإهمال الطبي التي تنتهجها الإدارة، وهي بمثابة إعدام للأسرى المرضى. وبعد نحو أسبوعين من تحررنا، وفي بدايات تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وصلنا خبر استشهاد الأسير أبي شادي غوادرة. هذا غيضٌ من فيض إزاء سياسة الإعدام البطيء في السجون الصهيونية. ثمة حكايات أخرى وشهادات حيّة عن الشهداء الذين ارتقوا في السجون أثناء الحرب، لكنها تحتاج إلى تحقيق شامل في ظروف وملابسات استشهاد كل حالة. لكن القادم هو الأخطر، إذا ما استمرت هذه السياسات في سجون «الاحتلال» الفاشي؛ فقد مرّت ثلاثة أعوام، ولا يزال ارتقاء الشهداء متواصلًا. وإذا لم تتوقف هذه السياسات، فسنشهد المزيد من الشهداء، لأن أجسادهم لم تعد تحتمل الجوع والبرد والأمراض. وإذا كان قانون الإعدام الذي جرى إقراره قبل بضعة أشهر لا ينطبق على الأسرى المحكومين، فإن استمرار هذه السياسات يمثّل حكمًا بالإعدام الجماعي على هؤلاء الأسرى، وهو ما يستدعي تحركًا وضغطًا كبيرين على المستويات كافة، لإرغام الاحتلال الفاشي على وقف سياساته الإجرامية بحق الأسرى في سجونه. عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
المصدر: وكالة القدس