عُمان في خطاب الملك تشارلز: ما وراء الكلمات؟
ما وراء الحدثعُمان في خطاب الملك تشارلز: ما وراء الكلمات؟٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ | 12:52 مساءًالملك تشارلز الثالث - ملك المملكة المتحدةأثير- د. زاهر بن بدر الغسينيأكاديمي متخصص في التفاعل الثقافي والدراسات الأندلسية تمتد العلاقات العُمانية البريطانية عبر قرون من التواصل البحري والتجاري والسياسي، وشهدت محطات بارزة أسهمت في ترسيخ الصداقة بين البلدين. وعلى امتداد هذا التاريخ، كانت عُمان فضاءً حضاريًا فاعلًا في شبكات التجارة البحرية، ومجالًا للتفاعل بين الثقافات وبناء العلاقات مع قوى إقليمية ودولية متعددة. وتتجدد هذه العلاقة في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، بالتزامن مع الزيارة الرسمية التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة المتحدة، بما تحمله من دلالات سياسية ودبلوماسية. وفي خطابه بقلعة وندسور، جمع الملك تشارلز الثالث بين استحضار التاريخ البحري لعُمان، والإشارة إلى موروثها الديني والأخلاقي من خلال الحديث النبوي الشريف، والاستشهاد بشعرائها، والإشادة بنهجها الدبلوماسي القائم على الحياد البنّاء.إن أول ما يستوقف المتأمل في خطاب الملك استحضاره التاريخ البحري العُماني، وما أدّاه البحّارة العُمانيون من دور في تنشيط التجارة عبر المحيطات قبل قرون من تشكّل المملكة المتحدة بصورتها السياسية الحديثة. وتكتسب هذه الإشارة دلالتها من تقديم عُمان بوصفها طرفًا فاعلًا في شبكات التواصل والتبادل بين المجتمعات، لا مجرد موقع جغرافي على طرق الملاحة؛ إذ أتاح موقعها البحري وصل موانئها بسواحل شرق أفريقيا والهند ومناطق واسعة من المحيط الهندي، وأسهم في تكوين خبرة تاريخية في التعامل مع ثقافات ومجتمعات متعددة.ولا يقتصر استحضار هذا الإرث في خطاب ملكي بريطاني رسمي على استعادة ماضٍ بحري عريق، بل يضع التاريخ العُماني ضمن سياق العلاقة الممتدة بين البلدين، ويستحضر أحد الأبعاد التي تشكّلت من خلالها صلة عُمان بالعالم. وتكتسب هذه الإشارة راهنيتها في ظل الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية في استقرار التجارة الدولية؛ إذ يفسّر الموقع الجغرافي جانبًا من أهمية عُمان، بينما يكشف تاريخها البحري عن طبيعة الصلات التي ربطتها بمحيطها الأوسع.ويحظى استشهاد الملك تشارلز بالحديث النبوي الشريف في وصف أهل عُمان: ”لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبّوك ولا ضربوك“، بأهمية خاصة في سياق الخطاب الملكي؛ إذ يستحضر نصًا من التراث الإسلامي ارتبط بذكر أهل عُمان، ويحمل دلالة أخلاقية تتصل بحسن المعاملة وصون الآخر من الأذى. وتتجاوز أهمية هذا الاستشهاد مضمون الحديث إلى الصورة التي يتيح تقديمها عن المجتمع العُماني؛ فاختيار هذه المرجعية يضع الأخلاق في صدارة الصفات التي يُستحضر بها أهل عُمان، ويقدّمهم من خلال معاني السلم وحسن المعاملة والابتعاد عن الأذى.لذا، فإن الحديث يؤدي وظيفة تتجاوز الإحالة الدينية، إذ يصبح شاهدًا يُستند إليه في بناء صورة لعُمان أساسها القيم الإنسانية التي يعبّر عنها النص الديني، ويمنح هذه الصورة عمقًا مستمدًا من مرجعية راسخة في الوجدان الإسلامي. كما أن استحضار الوصف النبوي في خطاب ملكي بريطاني رسمي يمنح هذه الدلالة حضورًا في سياق دولي رسمي؛ فالصورة التي يتيح الخطاب تقديمها عن عُمان لا ترتكز على المصالح المشتركة وحدها، بل تتصل أيضًا بالمعاني الأخلاقية التي اختير إبرازها عند الحديث عن أهلها، بما يجعل القيم مدخلًا أساسيًا في الطريقة التي عُرضت بها عُمان في الخطاب الملكي.ويتصل بهذا البعد استشهاد الملك تشارلز ببيت للشاعر العُماني أبي مسلم البهلاني من قصيدة ”معاهد تذكاري سقتك الغمائم“، وذلك في انتقال من المرجعية الدينية إلى التعبير الأدبي، بوصف الشعر أحد تجليات الذاكرة الثقافية العُمانية ووسائط التعبير عن وجدانها وقيمها. ويتمثل الشاهد الشعري في قوله:ولا بَرِحَتْ تلكَ الرِّياضُ نَواضِرًااتُضَمِّخُها طِيبَ السَّلامِ النَّسائِمُوتتجاوز دلالة هذا الاستشهاد القيمة الأدبية للنص؛ إذ يتيح الشعر تقديم عُمان من خلال صور تنتمي إلى وجدانها الثقافي، وتستحضر المكان والجمال والسلام، وهي معانٍ تسهم في نقل ملامح من الحساسية الثقافية التي تشكّلت في الذاكرة العُمانية. كما أن اختيار نص لشاعر عُماني يمنح الثقافة المحلية حضورًا مباشرًا في خطاب رسمي دولي، إذ تحضر عُمان من خلال صوت أدبي ينتمي إلى تجربتها الحضارية، ويعبّر بلغته وصوره عن جانب من رؤيتها للعالم.وهنا تبرز وظيفة الأدب في الدبلوماسية الثقافية؛ إذ يتيح بناء مساحة للتواصل تتجاوز اللغة السياسية المباشرة، ويقدّم البلد عبر قيمه الجمالية، بما يجعل الثقافة عنصرًا فاعلًا في تشكيل صورته لدى الآخر. وتكتسب هذه الدلالة أهمية إضافية حين يرد الاستشهاد بالشعر في مقام ملكي رسمي؛ إذ ينتقل النص من نطاقه الأدبي إلى فضاء أوسع من التداول الرمزي، ويصبح اختياره جزءًا من الطريقة التي تُقدَّم بها عُمان، ومن الرسالة الثقافية التي يحملها الخطاب إلى جمهوره الدولي.وفي امتداد هذا الحضور الأدبي، استشهد الملك تشارلز أيضًا ببيت للشاعر العُماني محمد بن شيخان السالمي، المعروف بـ”شيخ البيان”:عشْ في كمالٍ مستمدًّا نعمةًمن ربِّكَ الوهّابِ لا متناهيةويكتسب اختيار الملك تشارلز الثالث لهذا البيت دلالة تتجاوز قيمته الأدبية؛ إذ يأتي في سياق الدعاء للسلطان هيثم بن طارق بدوام النعمة والتوفيق، ويجعل من الشعر وسيلة للتعبير عن التقدير لمقام السلطان بلغة تنتمي إلى الأدب العُماني. ويشي اختيار البيت كذلك باطلاع الملك على جانب من النتاج الأدبي العُماني، وبإدراك ما يتيحه الشعر من إمكانات للتعبير عن التقدير من خلال مرجعيات البلد الثقافية.ولا تقتصر دلالة هذا الاختيار على توظيف بيت شعري في مناسبة رسمية، بل تتصل باختيار نص من الأدب العُماني لأداء معنى يرتبط بالمناسبة ومقام السلطان؛ وبذلك يحضر الشعر بوصفه وسيطًا ثقافيًا للتقدير، تتلاقى فيه دلالة الدعاء مع خصوصية النص الأدبي ومكانة قائله في الثقافة العُمانية.أما إشادة الملك تشارلز الثالث بالحياد البنّاء العُماني، فتتجاوز الثناء على خيار في السياسة الخارجية إلى إبراز دلالته في تحديد ملامح الحضور العُماني دوليًا؛ فالحياد يُستحضر في الخطاب الملكي البريطاني بوصفه جزءًا من نهج عُمان في إدارة علاقاتها السياسية والتعامل مع محيطها الإقليمي والدولي.وتنبع أهمية خطاب وندسور من وضع هذا النهج ضمن سياق أوسع يجمع بين التاريخ البحري العُماني، والحديث النبوي الشريف، والشعر العُماني، والممارسة الدبلوماسية المعاصرة؛ بما يصل بين شواهد من الذاكرة التاريخية والمرجعية الثقافية وتجربة الدولة في علاقاتها الدولية. وتكتسب هذه الاختيارات دلالتها من طبيعة المقام الذي جاءت فيه؛ ذلك أن الخطاب الرسمي لا يكتفي بنقل المعلومات، بل يمنح بعض جوانب تاريخ الطرف الآخر وثقافته وتجربته المعاصرة مساحة من الظهور، ويسهم بذلك في تحديد الملامح التي تُقدَّم من خلالها الدولة إلى المتلقي.وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن أهمية خطاب وندسور تكمن في الطريقة التي انتظمت بها هذه الإشارات ضمن صورة تصل ماضي عُمان البحري بثرائها الثقافي ونهجها الدبلوماسي. وهذا الترابط يمنح تقديم سلطنة عُمان عمقًا يتجاوز التعريف بموقعها ومصالحها، ويتيح النظر إلى حضورها الدولي في ضوء تاريخها ومرجعياتها وخياراتها السياسية.ولا يُقاس إسهام خطاب وندسور في تشكيل الصورة الذهنية عن عُمان بمقدار الثناء الذي تضمّنه، بقدر ما يُقرأ في طبيعة المعاني التي اختار إبرازها، وفي الدلالات التي أتاح اجتماعها في سياق واحد. فمن خلال استحضار التاريخ العُماني ومرجعياته الثقافية والإشادة بنهجه الدبلوماسي، يرسم الخطاب الملكي ملامح سردية عن عُمان، لتبرز بوصفها دولة ذات تجربة تاريخية وخصوصية ثقافية وسياسية. مما يجعل دلالة الخطاب تتجاوز إبراز مكانة عُمان في مناسبة رسمية، لتطال الإسهام في صياغة السردية التي تُقدَّم من خلالها عُمان إلى المتلقي البريطاني والعالمي؛ ذلك أن الصورة الذهنية لا تتشكل من وقائع تاريخ الدول وأدوارها فحسب، بل تتأثر أيضًا بكيفية انتقاء هذه الوقائع، وتأويل دلالاتها، وربطها ضمن خطاب يمنحها معنى متماسكًا.واستنادًا إلى هذا التصور، يتيح خطاب وندسور استقراء عُمان بوصفها تجربة تتفاعل فيها الذاكرة التاريخية والخصوصية الثقافية والدبلوماسية، بما يسهم في تأطير فهم المتلقي لعُمان، وفي رسم الملامح التي تحضر بها في وعيه ومخياله السياسي والثقافي.الأولىشارك هذا الخبر
المصدر: أثر