شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل تنقذ القرارات الأخيرة الموقف المأزوم للضائقة المعيشية

هل تنقذ القرارات الأخيرة الموقف المأزوم للضائقة المعيشية

قرارات رئيس مجلس السيادة بإلغاء القرارات الصادرة عن وزارة التجارة بشأن حظر استيراد عدد من السلع، وإعفاء الدقيق والأرز والبقوليات والفول والعدس وزيوت الطعام من الرسوم الجمركية، وإعفاء الخضروات والفواكه من الرسوم الجمركية، وفتح باب استيرادها أمام جميع التجار والمستوردين. هل ستنقذ هذه القرارات الموقف المأزوم للضائقة المعيشية للمواطن، أو ستخفف من آثارها؟ أقول: قرار الحظر الذي اتخذته وزارة الصناعة والتجارة وقته غير مدروس ومعيب شكلاً ومضموناً وتوقيتاً! لماذا؟ حتى إنني شككت بأن الوزارة بمهنية وقدرات وكفاءة موظفيها العالية بأنهم لم يشاركوا أو يستشاروا في ذلك القرار! فإذا كانت أهداف الحكومة ممثلة في وزارة التجارة والصناعة التي أصدرت الحظر في 12 مايو 2026، إن لم تخني الذاكرة، الحجة الرسمية وقتها: وقف تدهور الجنيه – الجنيه كان وقته 4100 جنيه للدولار يوم اتخاذ ذلك القرار واليوم لامس حاجز ال 10000 جنيه تقريباً. توفير النقد الأجنبي لاستيراد السلع الاستراتيجية (قمح، وقود، دواء إلخ). حماية المنتج المحلي – وقالوا الفواكه والخضار والأرز والبسكويت والشوكولاتة دي “كماليات غير ضرورية” وموجود بديل إنتاج محلي ليها. تقليل عجز الميزان التجاري جراء الحرب العبثية اللعينة، مع توقف المصانع وتهريب الذهب، ولكن مع عودة 4.6 مليون نازح للخرطوم زاد الطلب على استيراد السلع الاستهلاكية. فهل قرار الحظر حقق الأهداف المعلنة أعلاه؟ لماذا أقول بأن قرار حظر السلع معيب شكلاً وموضوعاً وتوقيتاً: معيب شكلاً: لأن سعادة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس يوم 9 أبريل كون فريق عمل برئاسة وزير المالية وكل وزراء القطاع الاقتصادي وبنك السودان والجمارك لدراسة حلول لترشيد الاستيراد. يقال إن الفريق اجتمع يوم 14 و20 أبريل، وقيل إن الغرفة التجارية قدمت مذكرة بالأرقام. وكانت المفاجأة أن رئيس الوزراء أصدر القرار رقم 74 لسنة 2026 يوم 12 أبريل، يعني قبل ما الفريق يكمل دراسته إن صحت الروايات المتداولة وقته! وأن السيد الصادق جلال الدين رئيس الغرفة التجارية كما رشح في وسائل الإعلام قال إن هنالك “قرار يطبخ بليل” ولم يتم التحقيق معه في كلامه أو يُساءل وهو رئيس غرفة المستوردين. معيب موضوعاً: خاصة أن السلع المحظورة (46 سلعة، ولو فككتها إلى أجزاء ستحصل قرابة 500 سلعة وفق النظام الجمركي المنسق Harmonized system، ثم خفضت إلى 34 سلعة ممكن تحصل 300 سلعة برضه بالنظام الجمركي المنسق). والأهم من ذلك كله هذه السلع المحظورة لا تمثل سوى 4.96% تقريباً من فاتورة الاستيراد الكلية للبلد (العجز في الميزان التجاري: متوسط واردات 9 مليار دولار – صادرات 3.5 مليار، يعني العجز بالمتوسط في حدود 5.5 مليار دولار تقريباً). مثال: الأرز يمثل 1%، منتجات ألبان 1.34%، ملابس 1.37%، بينما الوقود لوحده يمثل 25.2% والقمح 9.6% والسكر 5.84%. يعني أنت بتحظر القليل من السلع وتارك الكبير الكثير، وبذلك تكون هزمت القرار بنفسك من حيث الأهداف. إذن كان من الأسلم ألا تحظر، والحظر في حد ذاته له قوانين واتفاقيات تجارية إقليمية ودولية تحكمه، أمثلة كثيرة منظمة التجارة العالمية WTO السودان عضو مراقب فيها في مرحلة التفاوض تمنع الحظر، وهنالك اتفاقيات إقليمية كالكوميسا Comesa، والمنطقة العربية للتجارة الحرة GAFTA، واتفاقية التجارة لقارة أفريقيا AfCFTA إلخ. السودان عضو في هذه المنظمات التي تمنع حظر السلع وتسمح بترشيد الاستيراد وفق القوانين المنظمة لها وتمنع سياسات الاحتكار في إطار المنافسة الحرة إلخ. إذن المسألة محكومة بقوانين تجارية دولية وإقليمية، وعليه إنما يمكن أن يتم ترشيد الاستيراد وليس الحظر، وهنالك فرق كبير بين ترشيد الواردات وحظرها. فإذا لم تكن هنالك بدائل منتجة محلياً للسلع المحظورة، وتوجد مصانع مدمرة ومنهوبة ومشفشفة ومسروقة والدولة لا تدعمها حالياً ولا توفر لها حتى الوسائل البسيطة من مدخلات الإنتاج ومن الكهرباء (انظر زيارة الفريق البرهان للمنطقة الصناعية بحري في زيارة مفاجئة وجدت لا توجد كهرباء لتدوير المصانع، ناهيك عن توفير مدخلات وتكاليف الإنتاج الأخرى للمصانع واستقطاب العون والاستثمارات لإعادة إعمار وتأهيل ما دمرته الحرب في الصناعات الوطنية إلخ)، فكيف تحظر سلع تشمل حتى منتجات الألبان وبسكويت أطفال المدارس والفول المصري ولا توجد بدائل إنتاج محلية حتى تحمي تلك الصناعة الوطنية، والمواطن لسه يتحسس طريقه يريد العودة والسكن ويعمر بيته ومنزله وأساسياته؟ حتى الفول المصري صار كوجبة رئيسية (فتة بوش) لعمال الإنتاج في المزارع والمصانع والمتاجر وسندوتشات الأطفال، فكيف تحظرها؟ وأخيراً الشينة منكويرة: وزارة الزراعة أنكرت الحظر وألقت اللوم على وزارة التجارة والصناعة، والتي لم تعق هي ذاتها على تصريحات وزير الزراعة. أنا ضد مفهوم الحظر للسلع كحظر مطلق، وإنما مع مفهوم ترشيد الواردات وتشجيع وزيادة الصادرات والحماية المدروسة للصناعة الوطنية. وأعتقد بأن مفهوم ترشيد الواردات له آليات معروفة معينة يمكن اتخاذها، أظن لم تستشار فيه تلك الجهات والدليل على ذلك هيئة الجمارك نفسها المعنية بتنفيذ قرارات الحظر أصبحت تشتكى وتناشد بل تطالب بعدم حظر سلعة الفول المصري الهامة للمواطن، إذن من يتخذ القرار في هذه الدولة؟ معيب توقيتاً: حيث جاء والبلد في حالة حرب، إنتاج زراعي شبه مشلول، سلاسل إمداد مقطوعة، وملايين المواطنين راجعين الخرطوم والولايات. النتيجة: سعر كيلو الأرز طار من 3 إلى 4 ألف لـ 14 ألف، صحن الفول (البوش) بقى 5 إلى 10 ألف. النتيجة العملية: أن الغرفة التجارية كشفت إن كمية السلع المحظورة التي دخلت رسمياً في مايو-يونيو 2026 أكبر من نفس الفترة في 2025 عبر استثناءات وتسويات والباقي دخل تهريب. السوق أصبح مكتظاً بسلع محظورة لكن بسعر مضاعف والمواطن… نفس هيئة الجمارك منفذة القرار قدمت مذكرة عاجلة تطالب بفك حظر الأرز والفول المصري! والجنيه بدل ما يثبت انخفض مقابل الدولار من 4100 لـ 8900 في 5 شهور. إذن أعتقد بأن قرار الفريق البرهان بإلغاء الحظر كاعتراف ضمني إن سياسة الحظر فشلت وزادت إفقار المواطن وخزينة الدولة مع بعض. هذه القرارات توضح بأن هنالك تخبطاً إدارياً في السياسات التجارية والاقتصادية عموماً، والدليل على ما أقول كأمثلة موثقة من الوزارات: سعادة رئيس الوزراء كامل إدريس نفسه – في ملف الوقود: قال 3 مرات في 3 جولات “لا توجد أزمة وقود”، آخرها 30 سبتمبر في محطة بالخرطوم مع وزير النفط ووالي الخرطوم، من خلال حركة “ورينا المقاس” – يطلب من العامل يدخل سيخة 10 متر في بئر الطلمبة ويقول “الله أكبر الطلمبة مليانة” – والواقع: في نفس اليوم المحطة التي تمت زيارتها فيها صف الوقود تعدى الـ 2 كيلو، وناس تبيت أمام طلمبات الوقود، فمن نصدق رئيس الوزراء أو نصدق الواقع؟! حتى اليوم 21 أكتوبر هنالك محطات خرجت عن الخدمة تماماً لنفاد المخزون من الوقود. سعر الجالون رسمي من 28 ألف لـ 38.4 ألف في شهر واحد، وسوق أسود 60-70 ألفاً. وزارة الطاقة بدلاً عن معالجة مسائل التمويل تقول إن السبب تطبيق “بنكك” بطيء وباب المندب بطيء. وزارة التجارة والصناعة: حظرت 46 سلعة في أبريل، ثم خفضتها إلى 34، صنفت الأرز والفول المصري والخضار والفواكه والدقيق كـ “كماليات غير ضرورية”. النتيجة: تقارب الـ 5 تريليون جنيه بضائع عالقة في المعابر في القلابات مع إثيوبيا من شهرين، الفول المصري والأرز مهدد بالتلف، التجار أخذوا أورنيك 59 تسوية بدون تاريخ انتهاء وما قادرين يخلصوا. وزارة الزراعة في نفس الوقت وقفت شهادات عدم الممانعة لاستيراد الفول المصري، فسعر الشوال 25 كيلو ارتفع وطار من 290 لـ 350 ألف في الخرطوم. الغرفة التجارية كشفت إن هيئة الجمارك تطلب فك حظر الأرز والفول، لأن الأسواق ملأت سلعاً محظورة دخلت رسمياً عبر استثناءات أكثر من عام 2025. أمثلة أخرى: بنك السودان والمالية عملوا نظاماً: 8 شركات وقود بس مسموح لها تستورد بعد ما تودع 200 جرام ذهب ضمان عند بنك السودان لتزويدها بالدولار. بنك السودان عجز يوفر الدولار، فالوارد أقل من الاحتياج الحقيقي والطوابير استمرت أسبوعين حسب اجتماع ولاية الخرطوم. تم إصدار قرار منصة “بلدنا” إجبارية من 1 أكتوبر – ممنوع تخلص أي بضاعة إلا عبرها مع إقرار مسبق ACD قبل الشحن، بدون تدريب للتجار فزاد تكدس الموانئ. الخلاصة بالأرقام للتخبط الإداري: هدف الحظر كان مفروض يثبت الدولار عند 4100، بعد 5 شهور الدولار بقى 9800 أو قارب حاجز الـ 10000 جنيه، أي بزيادة 6000 جنيه تقريباً، والسلع المحظورة سعرها تضاعف 3 مرات والأرز من 4 آلاف لـ 14 ألفاً، وأظن هذا السبب الذي جعل الفريق البرهان يلغي قرار الحظر. السؤال الأول: عقب التخبط الذي حدث والفأس وقعت في الرأس، كم من الزمن يستغرق امتصاص آثار قرارات الحظر السالبة عقب القرارات التصحيحية التي اتخذها الفريق البرهان اليوم؟ السؤال الثاني: إلى متى تستمر سياسات التخبط من الحكومة التي اكتوى بها المواطن وهو راجع من النزوح بعد ما تحقق له الأمن والاستقرار على الأقل في الولايات والآمنة التي سيطرت عليها القوات المسلحة؟ السؤال الثالث: أين اللجنة الاقتصادية العليا في الحكومة ودورها في تخفيف أعباء المعيشة؟ أقول إن قرارات اليوم 21 أكتوبر هي قرار إنقاذي طارئ، لكن أثرها غير سحري، وأتوقع من واقع التحليل الاقتصادي بالزمن حسب وضع السودان الحالي سيكون التأثير الفوري والعاجل للقرارات (من أسبوع – 10 أيام): تأثير نفسي أكثر منه مادي: مجرد إلغاء الحظر سيوقف المضاربة. تجار كثيرون كانوا مخزنين رز وفول وعدس منتظرين الزيادة، اليوم سيبدأون في تنزيل البضاعة المخزنة خوفاً من نزول السعر. المخابز: سوف يكون لها الأثر الأسرع. 60% من مخابز الخرطوم كانت متوقفة بسبب جوال الدقيق وصل 170-195 ألفاً. مع إعفاء الدقيق من الجمارك + فتح الاستيراد، متوقع شوال الدقيق سينزل لـ 160-170 ألفاً خلال 72 ساعة، وترجع المخابز تشتغل واحتمال يختفي مشهد “العيش رغيفتين بألف”. لكن البضاعة الجديدة لم تصل بعد : البضائع العالقة في القلابات وبورتسودان والمعابر محتاجة 7-10 أيام تخليص بعد إلغاء أورنيك 59 ومنصة بلدنا. الفواكه والخضار الطازجة هتاخد 2-3 أسابيع لحد ما تصل من مصر وإثيوبيا ودول الجوار. سوف يحس المواطن بانفراجة خفيفة في الرغيف والفول خلال أسبوع، لكن باقي الأسعار هتفضل عالية مؤقتاً.كم الفترة لامتصاص النتائج السالبة للحظر؟ 30 يوماً: لامتصاص صدمة الأسعار المصطنعة. سعر الرز من 14 ألفاً حيرجع لـ 5-6 آلاف، الفول المصري من 350 ألف للشوال لـ 280 ألفاً. 60-90 يوماً: لعودة التوازن الكامل للسوق، بشرط بنك السودان يوفر دولار للاستيراد. ليه؟ لأن التجار محتاجين يطلبوا شحنات جديدة، الشحن من الهند (رز) أو مصر (فول) بيأخذ 25-35 يوم بحر + 10 أيام بر. التجار نفسهم قالوا: الآثار الكارثية للحظر بتحتاج موسم استيرادي كامل (3 شهور) حتى ينسى السوق فترة الحظر والاحتكار والتهريب. التأثير اقتصادياً وتجارياً متوسط وبعيد (من 6 شهور – سنة): أتوقع الآثار الإيجابية: رجوع المنافسة بدلاً من احتكار 8 مستوردين عندهم استثناءات. زيادة إيرادات الجمارك: التهريب كان يحرم الدولة من رسوم. الاستيراد الرسمي حتى لو معفى من سلع معينة هتدخل رسوم خدمات وموانئ. تحسن ميزان العرض supply: بعودة 4.6 مليون مواطن للخرطوم قد تكون زادت الطلب demand بـ 40%، والحظر كان بيخنق العرض supply. أما التأثير السالب أقول سلبياً لو ما اتعالجت الجذور: سيكون هنالك ضغط على الدولار سيرجع يزيد. الحظر كان موفر حوالي 400 مليون دولار فقط (4.96% من الفاتورة الكلية للاستيراد)، لكن فتحه سيزود الطلب على الدولار مجدداً من 8900 لـ 9500 لو ما بنك السودان وفر دولار من حصيلة ذهب وزيادة الإنتاج. لو ما تم دعم الإنتاج المحلي (قمح الجزيرة، خضار الشمالية) سنفضل نستورد ونستنزف العملة. قرار سيادي ألغى تخبطاً في السياسات بين رئيس الوزراء ووزارة التجارة والصناعة. يحمي القدرة الشرائية مباشرة: أسرة بتستهلك رز وعدس وزيت متوقع أن توفر حوالي 35-40% من مصروفها الشهري. يقتل السوق السوداء للسلع الغذائية ويعيد الثقة للتجار. رسالة سياسية: الحكومة سمعت صرخة “حبتين رغيف بألف” في منطقة البرقيق بالولاية الشمالية. بدون دولار القرار حبر على ورق: إعفاء جمركي بدون توفير دولار للاستيراد يعني التجار هيشتروا دولار من السوق الأسود بـ 8900 ويبقى سعر السلعة غالي برضو. ضربة للمنتج المحلي لو استمر طويلاً: إغراق السوق برز هندي رخيص معفى ممكن يدمر مزارع الرز في طوكر والقمح في نهر النيل والجزيرة والشمالية لو ما اتعملت حماية موسمية. فجوة تمويلية: الدولة كانت معتمدة على رسوم الجمارك دي لتغطية المرتبات (الفصل الأول للموظفين والمعاشيين)، الإعفاء سوف يجعل عجز الموازنة يزيد 12-15% ما لم يعوض بصادر الذهب وزيادة الإنتاج. ما حل أزمة الوقود: الدقيق محتاج جازولين للنقل والطحن، والطوابير 2 كيلو قدام الطلمبة لسه موجودة، فالتكلفة سوف تفضل عالية. الخلاصة: القرار صحيح اتجاهاً لكن ناقص أدوات. محتاج معه 3 قرارات فورية: حل أزمة الوقود بإلغاء حصر الاستيراد في 8 شركات. إلزام وزارة الزراعة بفتح شهادات الاستيراد للتقاوي والأسمدة فوراً. إلزام وزارة التجارة والصناعة بعدم إجراء حظر للسلع وإنما ترشيد الاستيراد بقوانين التجارة الإقليمية والدولية مع مراعاة المصلحة الوطنية، بعيداً عن السياسة. المستشار الاقتصادى والتجارى ووكيل وزارة التجارة والصناعة الاسبق

المصدر: سودان تربيون