شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

ماذا فعلوا بشوكولاتة طفولتنا؟

ماذا فعلوا بشوكولاتة طفولتنا؟

تشتري قطعة الشوكولاتة التي كنت تحبها منذ سنوات، تلك التي لها غلاف واسم وحتى شكل مألوف، وتأخذ القضمة الأولى منتظراً تلك النكهة المحفوظة في الذاكرة، لكن شيئاً ما لا يصل. الحلاوة أقوى، نكهة الكاكاو أخف، والقوام الذي كان يذوب سريعاً في الفم أصبح أكثر سماكة أو شمعية. للحظة، تبدأ في الشك بنفسك، هل تغيرت الشوكولاتة فعلاً؟ أم أن ذاكرتك جعلت طعم الطفولة أفضل مما كان عليه؟ من هذا الشعور المألوف بدأت الكاتبة رايتشل هاندلر تحقيقاً موسعاً نشرته مجلة New York Magazine، في محاولة للإجابة عن سؤال يبدو بسيطاً، لكنه قادها إلى داخل صناعة الشوكولاتة نفسها. بدأت الحكاية في السينما، عندما اشترت هاندلر علبة من حلوى Sno-Caps، التي كانت من المفضلة لديها في طفولتها، أكلت واحدة تلو الأخرى بلا تفكير، حتى وصلت إلى نحو 19 قطعة قبل أن تدرك أنها بالكاد تستطيع تذوق الشوكولاتة التي تتذكرها، فقد كان الطعم باهتاً وغريباً إلى درجة جعلتها تتساءل عما إذا كانت ذاكرتها هي المشكلة. ربما تغيرت حاسة التذوق مع العمر، وربما بالغ الحنين في تجميل مذاق الأشياء التي أحببناها صغاراً، لكن بعد فترة، ظهر خيط جديد جعل الاحتمال الآخر أكثر إثارة: ماذا لو لم يتغير المستهلك وحده؟ ماذا لو كانت الشوكولاتة نفسها قد تغيرت؟ دخل براد ريس، البالغ 71 عاماً وحفيد مبتكر Reese’s Peanut Butter Cups، إلى القصة بعدما فتح كيساً من إحدى النسخ الموسمية للحلوى ولم يعجبه مذاقها، ووجه انتقادات إلى Hershey بسبب استخدام الشوكولاتة المركبة في عدد من المنتجات، بدلاً من الشوكولاتة المعتمدة على زبدة الكاكاو، وسرعان ما وجد آخرين يشاركونه الشعور نفسه تجاه النكهة الأضعف والقوام الأكثر شمعية والمنتجات التي لا تبدو تماماً كتلك التي يتذكرونها. وهنا أخذ تحقيق هاندلر اتجاهاً جديداً، فبدلاً من السؤال عما إذا كانت قطعة معينة قد تغيرت، أصبح السؤال: ما الذي يجعل الشوكولاتة شوكولاتة أصلاً؟ وبحسب معايير إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الواردة في التحقيق، يجب أن تحتوي شوكولاتة الحليب على 10% على الأقل من سائل الشوكولاتة، و12% من إجمالي المواد الصلبة للحليب، و3.39% من دهون الحليب، بينما يتطلب نوع الشوكولاتة نصف الحلوة أو المرة ما لا يقل عن 35% من سائل الشوكولاتة. لكن سر المذاق لا يكمن في النسب وحدها، فأحد أهم العناصر هو زبدة الكاكاو، التي تمنح الشوكولاتة جزءاً أساسياً من الإحساس المميز عند تناولها، وتشرح خبيرة الأغذية والشوكولاتة بيث كيمرلي أن زبدة الكاكاو تذوب عند درجة حرارة الجسم تقريباً، وهي خاصية تجعل الشوكولاتة تبدأ بالذوبان داخل الفم وتمنحها ذلك القوام المرتبط بالنعومة والفخامة. وعندما تُستخرج زبدة الكاكاو وتُستبدل بدهون نباتية، نصل إلى ما يعرف بـ«الشوكولاتة المركبة»، ويمكن أن يبدو المنتج قريباً جداً من الشوكولاتة التقليدية، لكن اختلاف نوع الدهون يمكن أن يغير طريقة ذوبانه وقوامه والإحساس الذي يتركه في الفم. وتختلف القواعد من سوق إلى أخرى، فوفق التحقيق، تؤثر إضافة الدهون غير زبدة الكاكاو في إمكانية تسمية المنتج «شوكولاتة» في الولايات المتحدة، بينما تسمح القواعد المشار إليها في أوروبا والمملكة المتحدة باستخدام نسبة تصل إلى 5% من أنواع معينة من الدهون غير زبدة الكاكاو مع الاحتفاظ بالتسمية. لكن لماذا تغير الشركات شيئاً ناجحاً ويحبه المستهلك؟ جزء من الإجابة اقتصادي، فقد ارتفعت أسعار الكاكاو إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة، فيما تواجه الشركات أيضاً تكاليف العمالة والطاقة والإنتاج والتوزيع، كما أن هناك عامل آخر أقل وضوحاً بالنسبة للمستهلك وهو أن قطعة الشوكولاتة الحديثة يجب أن تتحمل رحلة طويلة قبل أن تصل إليه. وينقل تحقيق مجلة "نيويورك" عن مؤرخ العلامات التجارية جيسون ليبيغ أن بعض المنتجات قد تبقى في المستودعات لمدة تصل إلى 6 أشهر قبل وصولها إلى المتاجر، وهذا يعني أن المصنع يفكر أيضاً في قدرة المنتج على تحمل النقل والحرارة والتخزين والحفاظ على قوامه طوال هذه الفترة، وهنا تدخل المثبتات والمستحلبات ومكونات أخرى في المعادلة. وبالنظر إلى أغلفة "ريسيز" القديمة، رصد التحقيق تغير قوائم المكونات عبر العقود، فظهر مُحلي الدكستروز بحلول الستينيات، ثم أضيفت مكونات أخرى بحلول الثمانينيات، وبحلول عام 2006 ظهر المستحلب PGPR ضمن قائمة المكونات. قد يبدو كل تعديل من هذه التعديلات صغيراً وغير قادر بمفرده على تغيير تجربة المستهلك بالكامل. لكن صانع الشوكولاتة غاري غيتارد يطرح تفسيراً مختلفاً، ويتحدث عن نوع من «التدهور التدريجي» على مدى نحو 50 عاماً، فحين يتغير عنصر صغير ربما لا يلاحظ أحد، ثم يأتي تعديل ثانٍ وثالث ورابع، قبل أن يصبح المنتج بعد سنوات مختلفاً عما كان عليه في البداية. إنها نسخة غذائية من «مفارقة سفينة ثيسيوس» الشهيرة: إذا استُبدلت أجزاء السفينة واحداً تلو الآخر، ففي أي لحظة تتوقف عن كونها السفينة الأصلية؟ والسؤال نفسه يمكن طرحه أمام رف الشوكولاتة: إذا احتفظت قطعة الحلوى باسمها وغلافها وشعارها، بينما تغيرت بعض مكوناتها ونسبها وطريقة إنتاجها عبر العقود، ففي أي لحظة تتوقف عن كونها القطعة التي نتذكرها؟ هاندلر لم تكتف بالذكريات وشهادات المستهلكين، فقد استعانت ببيث كيمرلي، وهي خبيرة في الشوكولاتة والحلوى وعلوم الأغذية، لمحاولة اختبار الفكرة عملياً. وبالاستعانة بأغلفة قديمة ومعلومات عن الصناعة، أعاد فريق كيمرلي تصنيع نسخ مستوحاة من شوكولاتة "ريسيز" الشهيرة في فترات مختلفة، بينها نسخة تعود إلى الأربعينيات، وأخرى تحاكي الستينيات والسبعينيات، ثم قارنوها بالمنتج المتاح في 2026. النتائج كانت لافتة، فبحسب التحقيق، جاءت نسخة 2026 في المرتبة الأدنى بين النسخ المختبرة عبر مجموعة من الخصائص الحسية، بما في ذلك شدة نكهة الشوكولاتة والفول السوداني وطريقة تحرر النكهة وامتزاجها والإحساس داخل الفم، أما النسخة المستوحاة من الستينيات والسبعينيات فجاءت في المقدمة. والفارق لم يكن في مقدار السكر وحده، فقد وُصفت النسخة الحديثة بأنها تميل أكثر إلى الحلاوة، مع تأثير أقل للفول السوداني ووجود ملاحظات مرتبطة بالنكهات الصناعية، وبالنسبة إلى كيمرلي، كان «مركز ثقل» المنتج قد تحول، بعد أن كانت الشوكولاتة وزبدة الفول السوداني شريكين أكثر توازناً في النسخ القديمة. يبدو الأمر حتى هذه اللحظة دليلاً مثالياً على أن جملة «كان مذاقه أفضل في الماضي» صحيحة تماماً، ثم جاءت المفاجأة. في اليوم التالي، أعاد الفريق الاختبار بطريقة عمياء، وهنا أخطأت هاندلر نفسها، فتذوقت "ريسيز" لعام 2026 وظنته إحدى النسخ القديمة المعاد تصنيعها التي كانت قد أعجبت بها في اليوم السابق. وهذا التفصيل يغير القصة كلها، لأنه يكشف أن اتهام شركات الأغذية وحدها سيكون تبسيطاً للمسألة، فالشوكولاتة قد تتغير، لكن ذاكرتنا تتغير هي الأخرى. فنحن لا نتذكر مذاق قطعة الحلوى فقط، إنما نتذكر العمر الذي تناولناها فيه، والمكان والأشخاص واللحظة المرتبطة بها. وقد يحمل مذاق شوكولاتة الطفولة في ذاكرتنا شيئاً أكبر بكثير من مجموعة المكونات المكتوبة على غلافها. ومع ذلك، فإن الإحساس بأن المنتج مختلف ليس بالضرورة وهماً، فما نسميه «الطعم» لا يتعلق باللسان وحده، إنه مزيج من الرائحة والحلاوة والملوحة والقوام ونوع الدهون وسرعة الذوبان وطريقة امتزاج النكهات وما يبقى منها في الفم بعد انتهاء القضمة، ولذلك قد يشعر المستهلك بأن شيئاً تغير، حتى لو لم يستطع تسمية ذلك الشيء. وهذا تحديداً ما يجعل قصة الشوكولاتة مثيرة، فالتغييرات الصغيرة التي تحدث داخل المصانع قد تكون غير مرئية على الرف، فيبقى الشعار كما هو، والغلاف مألوفاً، والاسم الذي عرفناه منذ الصغر مطبوعاً أمامنا، لكن ما يوجد داخل العبوة يمكن أن يتطور مع مرور الوقت. لذلك، في المرة المقبلة التي تشتري فيها شوكولاتة أحببتها قبل 10 أو 20 أو 30 عاماً وتأخذ قضمة ثم تقول: «لم تعد كما كانت»، لا تتسرع في اتهام ذاكرتك.

المصدر: البيان