فيكَ الخِصامُ.. ترامب في شعر المتنبي
تروي كتب الأدب أن المتنبي أنشد ميميته الشهيرة عاتباً على سيف الدولة الحمداني، الأمير الذي أحبه ومدحه سنوات، ثم وجد نفسه في بلاطه بين حسّاد يدّعون الولاء. وكانت القصيدة عتاباً ممزوجاً بالحب والكبرياء، وتلويحاً بالرحيل. واليوم، وعلى بعد أسبوعين من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، تبدو تلك القصيدة قابلة للإسقاط على علاقة أخرى مأزومة؛ علاقة دونالد ترامب بحزبه وبالقاعدة التي حملته إلى البيت الأبيض مرتين.والميمية هنا لا تُقرأ قالباً تتطابق فيه الشخصيات بيتاً ببيت، وإنما قاموساً للعتاب السياسي؛ مرةً يبدو جمهور ترامب في صورة المحب الجريح، ومرةً يلعب الحزب دور الأمير الذي أساء تقدير أنصاره، ومرةً يصبح ترامب نفسه الخصم والحكم.يفتتح المتنبي قصيدته بصرخة:واحرّ قلباه ممّن قلبُه شَبِمُومَن بجسمي وحالي عنده سَقَمُحرارة محبّ يكتوي، وبرود ممدوح لا يرى سقمه. وهي صرخة تشبه حال جانب من الناخبين الذين منحوا ترامب نصر 2024. فقد فاز بولايته الثانية إلى حد كبير لأنه نجح في دفع كتلة واسعة من الناخبين غير المنتظمين إلى صناديق الاقتراع، كثير منهم شبان من غير البيض ومن غير حملة الشهادات الجامعية. لكن مؤشرات متزايدة تدل على أن جانباً من هذا الائتلاف لم يعد راضياً عن الصفقة كما تصورها في 2024.ولعدم الرضا أسبابه؛ فالرئيس الذي وعد بخفض الأسعار يحكم اليوم بلداً ارتفعت فيه أسعار البنزين بنحو 50% والديزل بالثلثين منذ اندلاع الحرب على إيران في فبراير. ولا يتجاوز تأييده في ملف الاقتصاد 27%، وفي التضخم 23%، فيما يرى ثلثا الأمريكيين، بينهم نحو ثلث الجمهوريين، أن سياساته جعلت الأوضاع الاقتصادية أسوأ. وفي المقابل، يُظهر ترامب ازدراءً متزايداً لبعض الجمهوريين في الكونغرس، بما يهدد وحدة الحزب. فالقلب الذي يكتوي في جهة، يقابله قلب «شَبِم» في الجهة الأخرى.خصم وحكمثم يبلغ العتاب ذروته في أشهر أبيات القصيدة:يا أعدلَ الناسِ إلّا في مُعاملتيفيكَ الخِصامُ وأنتَ الخَصمُ والحَكَمُوالشطر الثاني يختصر عقداً كاملاً من السياسة الأمريكية: فيك الخصام. فمنذ عام 2016، صارت الانتخابات الأمريكية استفتاءات متعاقبة على رجل واحد. ففي ذلك العام، بلغ الإقبال نحو 60%، وتمكن ترامب من إعادة ترتيب الائتلاف الجمهوري، ولا سيما بتعزيز حضوره بين البيض من غير حملة الشهادات الجامعية والناخبين الناقمين على المؤسسة السياسية. وفي 2018، انتزع الديمقراطيون مجلس النواب بعد أن كسبوا 41 مقعداً، وتقدموا في التصويت الشعبي بنحو 8.4 نقاط، في انتخابات سجلت رقماً قياسياً حديثاً للإقبال على الانتخابات النصفية بلغ 50.1%. ثم خسر ترامب الرئاسة عام 2020 في انتخابات سجلت بدورها رقماً قياسياً حديثاً بلغ 66.8%. ويخلص تحليل نشرته مؤسسة «إنسايد إلكشنز» إلى أن ترامب يستحق معظم الفضل في هذين الرقمين، فقد كان محرك الإقبال للحزبين معاً، وإن دفع كل طرف إلى التصويت لأسباب متناقضة.ويدرك ترامب أنه «الخصام» نفسه؛ ففي تجمع انتخابي بدالاس، دعا أنصاره صراحة إلى أن يتصرفوا كأنه مرشح في هذه الانتخابات، في محاولة لتحويلها إلى استفتاء على شخصه. وهي دعوة سيلبّيها خصومه بالقدر نفسه. فمتوسط تأييده لا يتجاوز 36.9%، وقد سجّل في استطلاع «سي إن إن» الأخير رقماً قياسياً في التدني بلغ 32%، أي أقل بسبع نقاط مما كان عليه قبيل انتخابات 2018، ولا يتجاوز تأييده بين المستقلين 23%. ويلخص أستاذ العلوم السياسية في كلية بوسطن ديفيد هوبكنز الموقف بأن شعبية ترامب باتت العامل الرئيسي الذي يساعد الديمقراطيين ويجرّ الجمهوريين إلى الأسفل، رغم غيابه عن الورقة.حبّ "ماغا"كان أشد ما يؤلم المتنبي أن يرى حبه الصادق يضيع وسط زحام المدّعين:ما لي أُكتّمُ حبّاً قد برى جسديوتدّعي حبَّ سيفِ الدولةِ الأُمَمُإن كان يجمعنا حبٌّ لغُرّتِهفليتَ أنّا بقدرِ الحبِّ نقتسمُوفي الحزب الجمهوري اليوم «أمم» تدّعي حب ترامب؛ فكل مرشح تقريباً يرفع راية «ماغا» في حملته، ويؤكد البيت الأبيض أنه لا مسافة بين الرئيس ومرشحي حزبه. لكن الادعاء يخفي تمزقاً عميقاً. فتأييد ترامب يبلغ 95% بين الجمهوريين الذين يعرّفون أنفسهم بتيار «ماغا»، مقابل 47% فقط بين غيرهم. ويريد 37% من الجمهوريين والمستقلين الميالين إليهم أن يأخذ قادة الحزب الحزب في اتجاه مختلف عن ترامب، في أعلى نسبة مسجلة.ولهذا يمشي مرشحون جمهوريون على حبل مشدود، يعلنون الولاء في التجمعات، ويضعون المسافة في السياسات. فمايك روجرز كان من أوائل الجمهوريين الذين طالبوا بإنهاء حرب إيران، وانتقد بشدة حرب ترامب التجارية مع كندا، فيما وضعت آشلي هينسون مسافة بينها وبين الرئيس في ملف الحرب. أما القاعدة التي «برى جسدها» الحب والغلاء معاً، فتتساءل عن نصيبها من القسمة.سباقات مضمونةويحذّر المتنبي أميره من خطأ في قراءة المؤشرات:أُعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةًأن تحسبَ الشحمَ فيمن شحمُه وَرَمُوهو خطأ وقع فيه الحزب الجمهوري أكثر من مرة؛ ففي دورة 2022، دعم ترامب أكثر من 230 مرشحاً، وفاز منهم أكثر من 200، بنسبة نجاح تتجاوز 90%. وبدت النسبة «شحماً» يدل على قوة، لكنها كانت أقرب إلى «الورم»، فمعظم هؤلاء خاضوا سباقات مضمونة، فيما تعثر مرشحوه في المعارك الحاسمة، كمحمد أوز في بنسلفانيا ودون بولدوك في نيوهامبشير. وانحسرت الموجة الحمراء التي بشّرت بها توقعات واسعة، بفعل اجتماع ثلاثة عوامل: رد الفعل على قرار المحكمة العليا إلغاء الحق الدستوري في الإجهاض، وضعف عدد من المرشحين الجمهوريين، وقدرة ترامب على تعبئة خصومه حتى وهو خارج البيت الأبيض. ويلاحظ تحليل لمجلة «ناشونال ريفيو» المحافظة أن الولايات الحاسمة شهدت يومها إقبالاً بمستوى 2018، دفعه الناخبون المناهضون لتيار «ماغا».ومن «الورم» أيضاً قراءة حماس الحشود في التجمعات قوةً انتخابية دائمة. فترامب، بحسب تحليل لصحيفة «ذا هيل»، يُخرج إلى الصناديق فئتين متقابلتين: ناخبين من الطبقة العاملة البيضاء يحبونه، وسكان ضواحٍ من حملة الشهادات الجامعية يكرهونه أشد الكره. ويميل ائتلاف الضواحي الأعلى تعليماً إلى انتظام أكبر في المشاركة، بينما تضم قاعدة ترامب شريحة مهمة من الناخبين منخفضي الميل إلى التصويت، الذين يصعب نقل حماسهم إلى انتخابات لا يظهر فيها اسمه. وقد عانى الجمهوريون تاريخياً في حشد قاعدته حين لا يكون مرشحاً.من يرث العتاب؟والميمية قصيدة علاقة بين طرفين، لا ذكر فيها لمن يقف خارج المجلس. لكن خارج مجلس ترامب يقف طرف ثالث يجني ثمار هذا العتاب. فالائتلاف الديمقراطي، الذي يضم الضواحي والمتعلمين والشباب والأقليات، يملك اليوم ما يفتقر إليه ائتلاف ترامب؛ وهو القدرة على نقل غضبه من الرئيس إلى مرشحي حزبه جميعاً، حتى إن ولايات ودوائر جمهورية تقليدياً باتت منفتحة على انتخاب ديمقراطيين. وحتى 16 أكتوبر، كانت سوق «كالشي» للتنبؤات تسعّر احتمال فوز الديمقراطيين بمجلس النواب عند 90%، وبمجلس الشيوخ عند 63%.وهكذا يكتمل وجه الظاهرة الآخر: ترامب الذي منح حزبه النصر حين ترشح عام 2024، قد يمنح خصومه النصر وهو يحكم. غير أن مكاسب الديمقراطيين مستعارة من أزمة خصومهم. فالحزب لا يزال غير محبوب رغم تقدمه في الاستطلاعات، والشباب الذين يرفضون ترامب بشدة لا يحملون رأياً إيجابياً في قيادة الحزب الديمقراطي. فائتلافهم يتوحد على رفض رجل، أكثر مما يتوحد حول برنامج.ما بعد ترامبختم المتنبي عتابه بالتلويح بالرحيل، في بيت صار من أشهر ما قيل في الفراق:إذا ترحّلتَ عن قومٍ وقد قدرواألّا تُفارقهم فالراحلونَ هُمُوالسؤال الذي يطرحه هذا البيت على السياسة الأمريكية هو سؤال ما بعد ترامب. فالدستور يمنعه من الترشح لولاية ثالثة عام 2028، وحركته تواجه اختبار البقاء دون مؤسسها. والقاعدة التي أحبته قد «ترحل» قبل ذلك، لا بالتصويت للديمقراطيين، وإنما بالبقاء في بيوتها يوم الاقتراع، كما فعلت في انتخابات نصفية سابقة. وحين يحدث ذلك، فالراحل الحقيقي هو الحزب الذي ظن أن قاعدة ترامب لا تُفارقه.كانت الميمية من علامات التصدع الأخير في علاقة المتنبي بسيف الدولة، قبل أن ينتهي به الأمر إلى مغادرة حلب. كانت عتاباً لرابطة ظن طرفاها أنها لا تنفصم، حتى اكتشف كل منهما أن الآخر قادر على الرحيل. وفي الثالث من نوفمبر، سيُختبر رابط مشابه؛ فهل تصوّت قاعدة ترامب لحزبه كما تصوّت له؟ وهل يظل خصومه قادرين على الاتحاد كلما غاب اسمه وحضر ظله؟ المؤكد أن الرجل الذي أعاد تشكيل السياسة الأمريكية حول شخصه صنع للحزبين معضلة واحدة تتمثل في أن الجمهوريين لا يعرفون كيف يفوزون من دونه، فيما لم يثبت الديمقراطيون بعد أنهم يعرفون كيف يتوحدون بعده.دونالد ترامبالمتنبيالانتخابات النصفيةالحزب الجمهوريالحزب الديمقراطيالكونغرس
المصدر: البيان