النموذج المغربي في التعامل مع الأقليات
هل يمكن للأكراد أن يُصبح لهم وطن؟ السؤال عُمره أكثر من 100 سنة. صحيح أنهم نالوا حُكماً ذاتياً وإدارة مستقلة في العراق، لكنهم في باقي الدول المحيطة، خصوصاً في سورية وتركيا وإيران، ما زالوا يخضعون للدولة المركزية الأم. الذين تناولوا تاريخ المنطقة العربية بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية يعتقدون أن اتفاقية سايكس بيكو عام 1920 مزَّقت الأكراد بين أربع دول، هي: تركيا، والعراق، وسورية، وإيران. قد يكون الأكراد أكثر المتضررين من تلك الاتفاقية، بخلاف نكبة الشعب الفلسطيني، رغم أنهم من أكبر القوميات تقريباً على مستوى العالم. أصوات متعصبة تُردِّد، بلا معنى، شعارات من شأنها إذكاء العداء والفتنة بين شعوب المنطقة، كلما وقعت مشكلة بينهم وبين الدول التي يعيشون أو يقيمون فيها كمواطنين، بأن أكراد سورية دخلاء جاؤوا من دول مجاورة، وأن أكراد العراق جاؤوا من روسيا، وأن أكراد تركيا هم أتراك الجبال! في حين أن الوقائع التاريخية تدحض كل تلك الأقاويل. أُطالع كتاب «أكراد تركيا» للدكتور إبراهيم الداقوقي، والصادر عن دار المدى، وفيه دراسة وافية وشاملة منذ أن عرفهم الآشوريون باسم «كوردو»، وأنهم سكنوا بلاد الأناضول والرافدين. يذهب الكاتب للتأكيد على أن الأكراد استطاعوا، منذ حوالي 3000 عام، الحفاظ على كيانهم القومي ولغتهم الخاصة وفلكلورهم الذي يتغنون به، رغم أنه لم تُتح لهم تأسيس دولة أو إمبراطورية باسمهم، بسبب التحالفات والاحتلالات التي عرفتها المنطقة. اليوم تفتح تركيا صفحة جديدة مع الأكراد تطوي فيها سنوات من الصراعات الدامية، كما الحال في سورية، والتوجه الجديد الذي يقوده الرئيس أحمد الشرع، بمنحهم حقوقاً متساوية، أسوة بالأقليات الأخرى، مع الحفاظ على الهوية الثقافية واللغة الخاصة بهم. التعامل مع الأقليات في الوطن العربي لم ينهِ النزعات الانفصالية التي تظهر أثناء الأزمات، والتي تغري القوى العظمى والإقليمية بالتدخل تحت حجج مختلفة، لذلك كان الحل الأقل كُلفة والأقرب للواقع هو جعل الأقليات جزءاً من الدولة، بحيث لا تتحوَّل هويتها الخاصة إلى مشروع انفصال أو استقلال. يمكن الاستدلال بالنموذج المغربي في تعامله مع الهوية الأمازيغية، فالمغرب لم يقل للأمازيغي: «تخلَّ عن هويتك لكي تكون مغربياً»، بل اتجه تدريجياً إلى إدخال الهوية الأمازيغية في تعريف الدولة نفسها. ليس المطلوب أن يتوقف الأمازيغي عن كونه أمازيغياً، أو الكردي عن كونه كردياً، بل المطلوب أن تُصبح هذه الهويات جزءاً من هوية وطنية أكبر يشعر فيها الفرد أنها تحمي هويته ولا تهددها.
المصدر: الجريدة