شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

يدعو الفيلم الإيراني «قليل من النور»، الذي ينافس على جوائز مهرجان «الجونة السينمائي» ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، إلى التمسّك بالأمل، عبر مرافقة بطله الواقف على حافة الانتحار بعدما تكالبت عليه الأزمات. وفيما يُرتِّب لتوديع الحياة، تتراكم تفاصيل صغيرة في داخله، قبل أن تعيده الروابط الأسرية، في النهاية، إلى التمسّك بها. وقبل عرض الفيلم في المهرجان، عبّر المخرج علي أصغري عن أسفه لعدم تمكّنه من الحضور، وقال في مقطع مصوّر مخاطباً الجمهور: «كنت أحب أن أكون معكم اليوم أثناء عرض الفيلم، ولكن لم أتمكّن، بالطبع، لأسباب سياسية. وهذا ما تفعله السياسة طوال الوقت: تفرّق بين الناس. لذلك، تكمن أهمية ما نفعله نحن صنّاع الأفلام في بناء جسور بين الناس وربطهم بعضهم ببعض». وأضاف أنه لا يريد أن تكون كلمته حزينة، مؤكداً سعادته بمشاركة فيلمه في مهرجان الجونة، لا سيما أن المشاهدين المصريين سيجدون فيه كثيراً من العناصر التي تعجبهم. وتابع: «نحن نملك ثقافة متشابهة، وهناك كثير من المشاعر التي تجمعنا»، لافتاً إلى أنه صنع هذا الفيلم في ظروف خاصة وصعبة جداً، إذ تعيش بلاده حالة من الحزن العميق والاكتئاب. واستدرك قائلاً إنه كان من المهم بالنسبة إليه أن يتحدّث عن الأمل والمستقبل، وعن أهمية أن نكون معاً، متمنياً أن يشعر المشاهدون بلحظة من السعادة والأمل، وبشيء من بريق الضوء في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها. وكان فيلم «قليل من النور» قد شهد عرضه العالمي الأول في الدورة الماضية من مهرجان «فينيسيا»، ضمن أفلام المسابقة الرسمية. وهو إنتاج مشترك بين إيران وسويسرا وإيطاليا وكندا وتركيا. ينطلق الفيلم من قرار حكومي بإغلاق عيادة الطبيب الإيراني «أراش» وسحب ترخيص مزاولته المهنة بسبب علاجه بعض المتظاهرين. يفقد الطبيب ثقته بالمستقبل الذي ينتظره، ويقرّر إنهاء حياته، مستغلاً يومه الأخير في ترتيب بعض الأمور قبل الرحيل. قد يبدو موضوع الفيلم قاتماً منذ البداية، لكنه، رغم ذلك، لا ينغمس تماماً في الميلودراما؛ إذ يلتقط مخرجه الشقوق التي تتخلّل واقعاً عنيداً، ويتحرّك في مساحات بين اليأس والكوميديا السوداء. ورغم تصويره في فترة ترقّب إيران للحرب الأميركية، فإنه لا يضع الحرب في بؤرة الأحداث، بل يحضر شبحها عفوياً عبر أحاديث متفرّقة عن الاحتياطات الواجب اتخاذها قبل الهجوم، مثل وضع شريط لاصق على زجاج النوافذ للحدّ من تناثر شظاياه إذا تحطّم. لكن أحد الإيرانيين يعلّق ضاحكاً في الفيلم: «ليت القصف يطال بيتي ويهدمه؛ فقد أردت أن أبنيه من جديد، لكن تكلفة هدمه أكبر من تكلفة بنائه». على امتداد يوم واحد، يعود الطبيب إلى عيادته المغلقة استجابة لتوسّلات ابنة مريض طلبت منه ختم شهادة لوالدها. وتحذّره الشرطة من مغبّة ذلك، لكنه لا يعبأ، فهو على موعد مع الموت. كما يتابع الحالة الصحية لأحد المتظاهرين الذين تتولّى أسرهم علاجهم في المنزل خوفاً من القبض عليهم، ويوصي شقيقه بالعناية بقطّته التي تركها لديه، ثم يحمل النباتات التي كانت تزيّن بيته إلى بيوت شقيقاته، ويبلغ أفراد أسرته بقراره الانتحار، فيُصدمون ويحاولون إقناعه بالعدول عنه. تتوالى الأحداث التي تثقل نفسه شيئاً فشيئاً، لكن لقاءه الأخير بأسرته في منزل والدته يبدو أنه يغيّر قراره. ووفقاً للناقد رامي عبد الرازق، نجح الفيلم إلى حدّ كبير في اصطحابنا عبر محطات مكثّفة تكشف أسباب قرار البطل المعلن بالانتحار، والذي يعكس رفضه للواقع وعجزه عن تغييره. ويؤكد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن السؤال الأول للفيلم وجودي، وأن فكرة الانتحار تُعدّ «فرضية درامية قوية وصدامية» في مجتمع محافظ. كما يقدّم الفيلم قراءة مجتمعية لطبيعة اللحظة التي كانت تعيشها إيران قبل الحرب بوقت قصير. ويلفت عبد الرازق إلى أن الفيلم صُوّر بشكل غير رسمي، مستدلاً بظهور الممثلات بشعرهن المكشوف، وهو أمر غير مسموح به في إيران، وبالاعتماد على المشاهد الداخلية والتصوير داخل السيارات، مع مشاهد محدودة في الشوارع. ويشير إلى أن محدودية الميزانية واضحة على المستوى الإنتاجي، لكن المخرج استطاع تقديم صورة واقعية من دون مبالغات أو صور أرشيفية. ويتوقّف عبد الرازق عند المشهد الختامي الذي تغنّي فيه والدة الطبيب وأشقاؤه ويرقصون، متسائلاً: «هل تُحلّ أزمة الطبيب الوجودية العنيفة، وشعوره بالانسحاق الإنساني أمام النفوذ السلطوي، بمجرّد رقصة؟». لكن الناقدة صفاء الليثي ترى أن مشهد النهاية، الذي يرقص فيه أفراد الأسرة وينضم إليهم «أراش» بعد عشاء دافئ جمعهم، يؤكد للبطل أهمية وجوده بينهم، وحاجتهم إليه مثلما يحتاج إليهم، بما يشير إلى تراجعه عن فكرة الانتحار وتمسّكه بالنور القليل الذي يقوده إلى الأمل. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «إنه فيلم بسيط مليء بالجمال، وعمل رائع يستحق أكثر من جائزة». ونجح علي أصغري في ترسيخ مكانته في السينما العالمية مخرجاً وكاتب سيناريو ومنتجاً إيرانياً؛ إذ حصدت أفلامه نحو مائتي جائزة دولية، وعُرف بتناوله المؤثر للصمود الإنساني في مواجهة الضغوط السياسية والاجتماعية. وقد عُرض فيلمه الأول «اختفاء» (2017) في مهرجان «كان» السينمائي. ورغم الحظر الإبداعي الذي فرضته عليه السلطات الإيرانية، واصل مسيرته الإخراجية بين الأفلام الطويلة والقصيرة، واختير عضواً في إحدى لجان تحكيم مسابقات الأوسكار.

المصدر: الشرق الأوسط