بغداد تراجع حدودها مع إيران وسط ضغوط أميركية واطارية متصاعدة!
متابعة/المدى
أعاد إغلاق منفذ الشيب الحدودي بين العراق وإيران، حتى إشعار آخر، ملف المعابر المشتركة إلى واجهة الجدل السياسي والأمني، وسط روايات متباينة بشأن دوافع القرار، بين تأكيدات رسمية بأنه إجراء مؤقت لمراجعة التدابير الأمنية وتركيب أجهزة كشف جديدة، ومعلومات سياسية تتحدث عن ضغوط أميركية على بغداد لتقييد التجارة البرية مع طهران.
وفيما كشف قيادي في الإطار التنسيقي عن رفض طلب أميركي بإغلاق المنافذ مع إيران، قللت أطراف سياسية أخرى من تداعيات إغلاق الشيب، وعدّته إجراءً احترازياً يدخل ضمن صلاحيات الحكومة، في حين ربط باحثون التطورات بسياسة الضغط الاقتصادي التي تتبعها واشنطن ضد طهران.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تضارب التصريحات الإيرانية بشأن حركة المعابر، واستمرار الاتصالات لإعادة فتح «جذابة»، الاسم المستخدم إيرانياً لمنفذ الشيب، فضلاً عن خلاف بشأن نتائج الاجتماع الأمني العراقي–الإيراني المتعلق بوجود الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة داخل إقليم كردستان.
إجراءات أمنية «غير كافية»
نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في هيئة المنافذ الحدودية العراقية قوله إن السلطات أغلقت منفذ الشيب لمراجعة الإجراءات الأمنية وتركيب أجهزة كشف حديثة لمنع تهريب المواد المحظورة.
وبحسب المسؤول، فإن الإجراءات الأمنية المعمول بها في المنفذ «ضعيفة وغير كافية»، الأمر الذي دفع السلطات إلى تعليق حركة العبور لحين استكمال المراجعة وتعزيز قدرات التفتيش والكشف.
وأكد مصدران آخران للوكالة أن القرار يشمل المسافرين والمركبات والشاحنات التجارية، وأن المنفذ سيبقى مغلقاً حتى إشعار آخر، من دون تحديد موعد رسمي لإعادة تشغيله.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن معالجة الثغرات لا تتوقف على تجهيز المنفذ بالمعدات، بل تتطلب توحيد الإجراءات بين المؤسسات المسؤولة عن الحدود، وتحديد صلاحيات الجهات المنتشرة بالقرب من المعابر، ولا سيما في المناطق التي تشهد تعدداً في التشكيلات الأمنية والجهات المسلحة.
ولم تعلن الحكومة العراقية حتى الآن جدولاً زمنياً لإعادة افتتاح الشيب، كما لم تكشف عن خطة رسمية لإغلاق منافذ أخرى، فيما أكدت استمرار حركة التبادل التجاري مع إيران عبر بقية المعابر.
حديث عن طلب أميركي
في المقابل، كشف عضو المكتب السياسي لحركة عصائب أهل الحق حسين الشيحاني عن طرح رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أمام قادة الإطار التنسيقي مطلباً أميركياً يقضي بإغلاق المنافذ الحدودية مع إيران.
وقال الشيحاني، في حديث تابعته (المدى)، إن قادة الإطار رفضوا الطلب «رفضاً قاطعاً»، مؤكداً أن موقفهم لا يرتبط بمصلحة إيران وحدها، وإنما بما وصفه بالمصلحة العراقية.
وأضاف أن العراق غير مستعد لقطع علاقاته التجارية والاجتماعية والدينية مع إيران، بالنظر إلى حجم المصالح المشتركة والارتباطات القائمة بين البلدين.
وأوضح الشيحاني أن هذه الاعتبارات دفعت قادة الإطار التنسيقي إلى رفض المطالب الأميركية المتعلقة بإغلاق الحدود، معرباً عن اعتقاده بأن رئيس الوزراء يمتلك «الحنكة السياسية» التي تمكّنه من اتخاذ قرار عراقي يراعي طبيعة المرحلة وتداعيات أي خطوات محتملة.
ولم تؤكد الحكومة العراقية، في بياناتها الرسمية المنشورة، عرض طلب أميركي مماثل على الإطار التنسيقي، كما لم تعلن وزارة الخزانة الأميركية توجيه مطالبة رسمية إلى بغداد بإغلاق جميع المعابر مع إيران.
تقارير عن إغلاق شامل
وجاء حديث الشيحاني بعد تقارير إعلامية أفادت بأن العراق يعتزم إغلاق المعابر الحدودية مع إيران ضمن خطة أميركية لتشديد الضغوط الاقتصادية على طهران.
وذكرت قناة «الحدث» أن إغلاق منفذ الشيب جاء ضمن خطوات قد تشمل منافذ مشتركة أخرى، في إطار مساعٍ لعزل إيران اقتصادياً والحد من قدرتها على الاستفادة من التجارة البرية.
غير أن هذه المعلومات بقيت في نطاق التقارير الإعلامية، إذ لم تصدر الحكومة العراقية قراراً معلناً بإغلاق جميع المنافذ، ولم تحدد وجود خطة زمنية لشمول معابر أخرى بالإجراءات ذاتها.
وبينما تحدثت تقارير عراقية عن احتمال اتخاذ خطوات مماثلة في منافذ إضافية، أكدت الحكومة أن المعابر الأخرى ما تزال تعمل، وأن التبادل التجاري مع الجانب الإيراني مستمر.
«إجراء احترازي»
من جهته، قال المتحدث باسم ائتلاف النصر عقيل الرديني إن إغلاق المنافذ الحدودية أو إعادة فتحها يدخل ضمن صلاحيات الحكومة، التي قد تتخذ تدابير احترازية استناداً إلى معلومات أمنية أو لمنع وقوع خروقات.
وأضاف الرديني، في حديث تابعته (المدى)، أن إغلاق أحد المنافذ قد يرتبط بالحاجة إلى مراجعة الإجراءات الأمنية أو التعامل مع معلومات وصلت إلى الجهات المختصة.
ورأى أن تعليق العمل في منفذ واحد لا يمثل مشكلة كبيرة، في ظل وجود عدد من المعابر الأخرى التي ما تزال مفتوحة أمام حركة المسافرين والتجارة.
وأكد أن الحكومة تسعى إلى الحفاظ على السلم المجتمعي ومنع جر العراق إلى المحاور المتصارعة، بهدف حماية أمن البلاد واستقرارها.
ورجح الرديني أن تمتلك الحكومة أسباباً ومعلومات تقف وراء قرار الإغلاق، متوقعاً إمكان إعادة فتح المنفذ بعد استكمال الإجراءات المطلوبة والإحاطة بالمعطيات التي أدت إلى تعليق العمل فيه.
طهران تنتظر إعادة فتح «جذابة»
وبالتزامن مع القرار العراقي، أعلنت السلطات الإيرانية إغلاق معبر «جذابة» المقابل لمنفذ الشيب حتى إشعار آخر، موضحة أن الخطوة جاءت استناداً إلى قرار اتخذته بغداد.
ونقلت وكالة أنباء العمال الإيرانية عن مسؤول أمني في إقليم خوزستان قوله إن المعبر سيظل مغلقاً لحين صدور قرار جديد، مؤكداً استمرار المشاورات بين وزارة الداخلية الإيرانية والسلطات المحلية العراقية لاستئناف العمل.
ودعا المسؤول الإيراني المسافرين وأصحاب الشاحنات إلى استخدام منفذ الشلامجة في خوزستان، الذي سبق أن أغلقته السلطات العراقية بصورة مؤقتة خلال أيلول الماضي.
وفي تصريح آخر، قال رئيس مجلس إدارة جمعية شركات النقل الدولي الإيرانية إحسان ملك زاده إن المعابر مع العراق مفتوحة أمام حركة المسافرين، لكنها تشهد ازدحاماً وتأخيراً محدوداً في مرور الشاحنات.
وأظهرت هذه التصريحات تبايناً في الرواية الإيرانية بشأن الوضع الدقيق للمعابر، إذ تؤكد السلطات المحلية إغلاق «جذابة»، بينما تتحدث جهات النقل عن استمرار العمل في بقية المنافذ مع العراق.
حدود تحت الضغط الاقتصادي
ويرى الباحث السياسي عقيل عباس أن التطورات المرتبطة بالمنافذ العراقية–الإيرانية لا يمكن فصلها عن سياسة الضغط الاقتصادي الأميركية على طهران، في ظل القيود المفروضة على حركة التجارة الجوية والبحرية.
وقال عباس، في حديث تابعته (المدى)، إن المعلومات المتداولة بشأن الإجراءات الحدودية تعتمد بدرجة كبيرة على تقارير «رويترز» ووسائل إعلام غربية، بينما ما تزال طبيعة بعض التحركات غير واضحة بصورة كاملة.
وأضاف أن الولايات المتحدة قد تتجه إلى تشديد القيود على تجارة إيران البرية مع الدول المحيطة بها، ومن بينها العراق، بهدف تقليص موارد طهران المالية.
وأشار إلى أن قيمة البضائع التي تصدرها إيران إلى العراق تتراوح بين تسعة وعشرة مليارات دولار سنوياً، معتبراً أن واشنطن تسعى إلى الحد من استفادة طهران من هذه الإيرادات ضمن سياسة الضغط الاقتصادي.
العراق «الحلقة الأضعف»
وعدّ عباس العراق إحدى «أضعف الحلقات» في محيط إيران من حيث القدرة على ضبط المنافذ، بسبب التحديات الرقابية وتعدد الجهات المسؤولة عن الحدود، الأمر الذي قد يتيح استغلال المعابر في عمليات التجارة غير النظامية أو التهريب.
ولم يستبعد وجود احتمالات لتهريب أسلحة أو معدات من الجانب الإيراني إلى الأراضي العراقية، لكنه أكد أن المعلومات المتاحة لا تسمح بالجزم بشأن طبيعة المواد التي قد تمر عبر الحدود أو تحديد الجهات المتورطة فيها.
وتطرق عباس إلى روايات متباينة بشأن حادثة وقعت خلال الأيام الماضية، موضحاً أن إحدى الروايات تحدثت عن خلل فني، بينما أشارت روايات أخرى إلى وصول أجهزة حديثة من إيران إلى العراق استعداداً لاحتمال اندلاع مواجهة جديدة.
وأكد أن أياً من هذه الروايات لم يُحسم بمعلومات رسمية أو أدلة منشورة، ما يستوجب عدم التعامل معها بوصفها حقائق ثابتة.
ويرى عباس أن إغلاق الشيب والإجراءات المحيطة بالحدود ينبغي قراءتها ضمن سياق أوسع يجمع بين الضغوط الاقتصادية الأميركية على إيران والمخاوف الأمنية المتعلقة بحركة المواد والأشخاص بين البلدين.
خلاف على نتائج الاجتماع الأمني
وبالتوازي مع أزمة المنفذ، برز خلاف بشأن نتائج الاجتماع الأمني العراقي–الإيراني الذي استضافته بغداد، الاثنين، بمشاركة وفد من حكومة إقليم كردستان، لمراجعة تنفيذ الاتفاق الأمني الموقع بين البلدين.
وأعلن السفير الإيراني أن الاجتماع أسفر عن تفاهم يتضمن إخراج عناصر الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة من إقليم كردستان أو تسليمهم إلى طهران.
لكن الإعلان العراقي بشأن الاجتماع لم يتضمن تأكيداً مماثلاً لمسألة التسليم، وسط معلومات عن رفض بغداد إعادة أشخاص قد يتعرضون لمخاطر جسيمة عند تسليمهم إلى السلطات الإيرانية.
ويضيف هذا التباين بعداً جديداً إلى ملف الحدود، الذي لا يقتصر على حركة التجارة والتهريب، بل يشمل كذلك وجود جماعات مسلحة معارضة لطهران داخل الأراضي العراقية، وآليات تنفيذ الاتفاق الأمني بين البلدين.
ارتباط سابق بهجوم على السعودية
وسبق للسلطات العراقية أن أغلقت منفذ الشيب بصورة مؤقتة عقب هجوم بطائرات مسيّرة استهدف أنبوباً نفطياً سعودياً في 11 أيلول الماضي.
وأشارت التحقيقات المعلنة حينها إلى انطلاق الطائرات من محافظة ميسان، وسط معلومات عن ارتباط مسارها بالمناطق القريبة من المنفذ، من دون إعلان نتائج نهائية تحدد الجهة التي نفذت الهجوم.
ودفعت تلك الحادثة الحكومة إلى مراجعة الوضع الأمني في عدد من المناطق الحدودية، وتشديد عمليات التفتيش والمراقبة، في ظل مخاوف من استخدام الأراضي العراقية في استهداف دول الجوار.
ضبط أموال مزيفة
وتزامن إغلاق الشيب مع إعلان هيئة المنافذ الحدودية القبض على مسافر عراقي بحوزته مبالغ مالية مزيفة من العملتين المحلية والأجنبية، كان يعتزم إدخالها إلى البلاد.
وذكرت الهيئة، في بيان تابعته (المدى)، أن عملية الضبط نفذها منتسبوها بالتعاون مع مركز شرطة الكمارك، خلال تفتيش المسافر في صالة القدوم.
وأضافت أن الجهات المختصة نظمت محضر ضبط أصولياً وأحالت المتهم إلى مركز شرطة كمارك منفذ الشيب، تمهيداً لعرضه أمام قاضي التحقيق.
وفي عملية منفصلة، أعلنت مديرية منفذ الشلامجة ضبط متهم عراقي بحوزته مبالغ مزيفة من العملة المحلية بفئة 25 ألف دينار، كانت مخبأة ومقسمة داخل محفظته الشخصية.
وأوضحت الهيئة أن المتهم والمضبوطات أُحيلا إلى قسم مكافحة الجريمة المنظمة في شط العرب لاتخاذ الإجراءات القانونية.
بغداد بين واشنطن وطهران
يضع إغلاق منفذ الشيب الحكومة العراقية أمام معادلة معقدة تجمع بين متطلبات ضبط الحدود ومنع التهريب، والحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع إيران، والتعامل مع الضغوط الأميركية المتصاعدة على طهران.
فالعراق يعتمد على إيران في استيراد سلع ومواد متعددة، فيما ترتبط المناطق الحدودية بحركة تجارية واجتماعية واسعة، ما يجعل إغلاق المنافذ لفترات طويلة ذا تأثير مباشر في الأسواق وحركة المسافرين والشاحنات.
وفي المقابل، تواجه بغداد مطالب بتشديد الرقابة على المعابر ومنع استخدامها لتمرير الأموال والمواد المحظورة أو دعم الأنشطة التي تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات.
المصدر: وكالات
The post بغداد تراجع حدودها مع إيران وسط ضغوط أميركية واطارية متصاعدة! appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى