خُبراء في الانْتظارِ!
للسِّياسة غرائبٌ لا تخطر على بَالٍ، وللعمل البرلماني عند بعض نُوّابنا مواهبٌ لا تدرّسها الجامعات ولا تستوعبها كتب العلوم السياسية. فقد كنت أعتقد، حتى وقت قريب، أن المواطن ينتخب نائبًا ليتحَدّث باسمه، ويحاسب الحكومة نيابة عنه، ويطارد الوعود التي تطلقها حتى يرى أثرها في حياته اليومية.
غير أن بعض نواب الأمة تفضلوا بتصحيح معلوماتي المتواضعة، حين سمِعْتهم يُعلنون، بمنتهى الجِدّية والوَقار، أنهم “ينتظرون ترجمة وعود الحكومة إلى واقع”! عندها اكتشفت أنني أسأت فهم الوظيفة البرلمانية طوال هذه السنوات، وأننا أمام مدرسة سياسية جديدة لا تؤمن بإزعاج الحكومة بالأسئلة المحرجة، ولا بإرهاق المسؤولين بالمحاسبة، وإنما تُفضِّل الجلوس بهدوء في محطة الانتظار، ترقبًا لوصول قطار الإنجازات الذي لا أحد يعرف موعد انطلاقه، ولا المحطة التي سيصل إليها، ولا حتى إن كانت الحكومة قد وضعت له سكّة أصلًا!
نُواب الأمة أم نواب الانتظار؟!
والحق أن هذا التصريح يكشف عن موهبة سياسية نادرة: أن ينتخبكَ المواطن كي تراقب الحكومة، فتعود إليه لتُخبره أنك تنتظرها مثله! يا لها من خدمة برلمانية عظيمة! المواطن ينتظر انخفاض الأسعار، والنائب ينتظر معه. المواطن ينتظر إصلاح المستشفيات، والنائب يشاركه التّرقب. المواطن ينتظر فرص الشغل، والنائب يواسيه بالصبر. المواطن ينتظر تحسُّن التعليم، والنائب يرفع عينيه إلى الأفق بحثًا عن بشائر الإصلاح. وأكثر ما يثير دهشتي تلك الطمأنينة التي ترافق بعض هذه التصريحات.
يتحدث النائب عن انتظاره كما لو أنه يقدم حصيلة نضالية حافلة بالتضحيات، فيختار كلماته بعناية، ويعقد حاجبيه بجدية، ويؤكد ضرورة انتقال الوعود من الأقوال إلى الأفعال، ثم ينهي حديثه بنبرة المسؤول الذي أدَّى ما عليه، تاركًا للحكومة مهمة القيام بما عليها.
والأغرب أن بعض النواب يتعاملون مع الحكومة كما يتعامل الفلاح مع السّماء في موسم الجفاف؛ يراقب الغيوم، ويتأمل حركة الرّياح، ويدعو الله أن تهطل أمطار الإنجازات. فإذا مرّت الشّهور دون أن تمطر الحكومة إصلاحات، أعلن أن المؤشرات تبشر بانفراج قريب، وأن الغيوم تحمل آمالًا واعدة، وأن المرحلة تقتضي المزيد من الصَّبر.
غير أن الفلاح لا يملك سلطة مساءلة السماء، أما النائب فيملك أدوات دستورية ورقابية لمحاسبة الحُكومة. وهنا تكمن المفارقة التي تجعلُ الضَّحك مؤلمًا: أن يتصرف صاحب سُلطة المراقبة كما لو أنه لا يملك سوى الدّعاء بحُسْن الطقس السّياسي!
برلمان على أريكة الانتظار!
ولعل بعض السّادة النواب يحتاجون إلى تذكير بسيط بأن البرلمان ليس صالة استقبال للوعود الحكومية، وأن المقعد البرلماني ليس كرسيًا مريحًا في محطة الحافلات، وأن التفويض الشعبي لا يمنح صاحبه امتياز مشاهدة الأحداث من الصفوف الأمامية. فالرقابة البرلمانية ليست تعليقًا صحفيًا على ما تفعله الحكومة، والمساءلة ليست التعبير عن الأمل في أن تتحسن الأمور، والتمثيل السياسي ليس إعادة صياغة شكوى المواطن بلغة أكثر أناقة.
إن المواطن يستطيع أن يشتكي دون مساعدة، ويستطيع أن ينتظر دون وساطة، ويستطيع أن يقول إن الحكومة لم تحقق وعودها دون أن يَدرس القانون الدستوري. أما النائب فيفترض أن يضيف إلى هذه المعرفة فعلًا وموقفًا ومبادرة ومتابعة، وإلا فما الفرق بينه وبين مواطن يتابع نشرة الأخبار من أريكته ويعلق على أداء الحكومة بين فنجان قهوة وآخر؟
وإذا استمر هذا الإبداع السياسي، فربما نحتاج إلى تعديل القاموس البرلماني نفسه. فبدل السؤال عن حصيلة العمل التشريعي والرقابي، سنسأل عن حصيلة الانتظار. وبدل تقييم المبادرات والمواقف، سنُقيِّم قدرة النائب على الصّمود أمام التّأجيل. وبدل أن يشرح النائب لنا كيف حاصر الحكومة بالأسئلة، سيشرح كيف قاوم إغراء الاستعجال، وكيف نجح في الحفاظ على هدوئه طوال الولاية التشريعية.
ولا يعني هذا الكلام أن النائب يستطيع أن يحلّ محلَّ الحُكومة أو أن ينفذ بنفسه المشاريع والسّياسات العُمومية. فلِكُلِّ مؤسسة اختصاصاتها ومسؤولياتها، والحكومة تتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام وتنفيذ التزاماتها. غير أن النائب الذي يكتفي بإعلان الانتظار يتخلى طوعًا عن جوهر مهمته الرقابية، ويختزل دوره في وصف المشكلة بدل مواجهتها بالأدوات التي يمنحه إياها موقعه.
وبين نائب يطالب الحكومة بحساب واضح عن وعودها، ونائب يخبرنا أنه ينتظر تحقيقها، تمتد المسافة نفسها التي تفصل الفعل عن الفرجة، والمسؤولية عن التعليق، والعمل السياسي عن جلسات المقاهي التي يناقش فيها المواطنون أحوال البلاد دون أن يدعوا امتلاك سلطة محاسبة الحكومة.
الانتظار باسم الأمة!
وفي نهاية هذه المسرحية السياسية لا يسعني إلا أن أتساءل عن المعنى الحقيقي للتَّمثيل البرلماني عند بعض مُمثلي الأمة. فالحُكومة تعِدُ المواطن بمستقبل أفضل، والمواطن ينتظر أن يلمس شيئًا من ذلك المستقبل، ثم يظهرُ النّائب ليُعلن أنَّه ينتظر بدوره! وهكذا تكتمل الدائرة: حكومة تتفنَّن في الوُعود، ونُواب يتخَصَّصون في الانتظار، ومُواطن يتحمَّل فاتورة الاثنين، ثم يجدُ نفسه مُطالبًا بمزيد من الثِّقة والصَّبر والتفاؤل!
أيها السَّادة النواب، حين يقول المواطن إنه ينتظر، فإنه يصف معاناته. وحين تقول الحكومة إنها ستنجز، فإنها تعلن التزامها. أما حين يعلن النائب أنه ينتظر، فإنه يطرح، من حيث لا يدري، سؤالًا محرجًا عن جدوى وجوده في المؤسسة التي انتخبه المواطن ليمارس داخلها الرقابة والمساءلة.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
The post خُبراء في الانْتظارِ! appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس