نقمة الجغرافيا
أستراليا جزيرة كبيرة بكثافة سكانية ضعيفة وقوة اقتصادية كبيرة، لكنها لم تسلم من اعتداء اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية. ورغم ذلك نستطيع القول إنها تنعم بجغرافيا ممتازة تمنح السلم والهدوء والأمان من كوارث الهجرة وغيرها. وقد رأيت بعض المغاربة يتخيلون بلادهم جزيرة مفصولة عن الجزائر، بعيدا حتى عن إفريقيا، عن طريق الذكاء الاصطناعي، كل ذلك من عدم ارتياحهم لهذا “الحظ الجغرافي” الذي جعل بلدا عدوانيا يقف على حدودهم. كان أحسن لو شابه المغرب أستراليا.
أما حين تكون جزءً من الشرق الأوسط، أينما كنت، في مصر أو العراق وما بينهما وما تحتهما، فإنك بالتأكيد غير محظوظ جغرافيا. ليس لكون المنطقة غنية بالبترول الذي يحرك الأطماع وإرادات الهيمنة من الكبار والصغار وإنما بسبب الزلازل الدينية التي حركتها أمواج الديانات السماوية منذ مئات السنين قبل ميلاد المسيح.
التقنيات الجديدة للحروب، خاصة المسيرات والصواريخ الباليستية الرخيصة غيرت الكثير من موازين القوى، وجعلت عصابة من قطاع الطرق تحيّر القوة العسكرية رقم 25 في العالم، أي المملكة العربية السعودية. وجعلت أقوى جيش في العالم، جيش الولايات المتحدة الأمريكية يعجز عن الانتصار في حرب الخنادق والثكنات تحت أرضية أو تحت جبلية.
لن تحسد أي شعب يعيش في هذا الشرق الأوسط على جغرافيته، عبر التاريخ الحديث، انطلاقا من الانتدابين البريطاني والفرنسي ومرورا بنكسة 1967 وانتهاء بقصف الحوثيين للسعودية. تغبط اللبنانيين على حروبهم الدينية أم على تخريب إيران لبلدهم؟ أم تغبط العراقيين على ثلاث حروب مجانية؟ أم تغبط اليمنيين على حروبهم الإيديولوجية حتى معركة الوحدة السياسية دون المذهبية؟ تغبط دول الخليج على الجوار السيئ الذي جعل أكثر الأنظمة عدوانية يحاديهم؟ تغبط سوريا على كمشة من الشيعيين الذين حكموا البلاد بالدم والنار؟ حتى الأردن الهادئ الذي لا يمتلك بترولا ولا سلاحا لم يسلم من نقمة الجغرافيا بسبب وجوده في طريق المسيرات والصواريخ وخبث الانتقام الإيراني.
توجد اليوم سبع قواعد عسكرية أمريكية في الدول العربية، ولا أدري هل نبتت هناك لحماية هذه الدول أم لحماية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، لكن المؤكد أن نقمة الجغرافيا هي التي أوجدتها. كانت عندنا في المغرب قاعدة جوية أمريكية قامت في القنيطرة بسبب صراع الحرب الباردة، لكن الحسن الثاني أيقن بعد المحاولتين الانقلابيتين ان المغرب لا يحميه سوى أبنائه. وكذا بلدان شمال إفريقيا، الجزائر وتونس وليبيا ومصر، لم تنبت على أرضها أي قاعدة، أمريكية أم سوفييتية، لأن هذه الدول لا تحتاج لمن يحميها.
قد يبدو الجوار الجزائري نقمة، لأنه شغلنا خمسين سنة من الاعتداء العسكري غير المباشر ومن المحن الاقتصادية، وقد ضيعنا ملايير الدولارات في حماية صحرائنا من حقد وخبث وعدوانية هذا الجار اللئيم. وقد يبدو الجوار الإسباني نقمة بسبب احتلاله للأراضي المغربية ولكونه مرتعا للأحزاب والجمعيات المعادية لمصالح بلدنا، لكن، لا يوجد على حدودنا حوثيون يضربون الرباط أو الدار البيضاء أو مطار محمد الخامس أو ميناء طنجة الأطلسي بالصواريخ والمسيرات ثم يختبئون في الجبال أو بين المدنيين.
في نهاية العملية الحسابية، نحمد الله على آلاف الكيلومترات التي تفصلنا عن جهنم الشرق الأوسط، لأن نعمة الجغرافيا لا يحس بها سوى المُكْتوي بنقمتها.
The post نقمة الجغرافيا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس