حين تتحدث الحكمة بلغة الكبار
محمد رامس الرواس "ليس هناك أعظم من أن ترى وطنك وسلطانك كبيرين في عيون الآخرين". لم تكن زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة، مجرد زيارة دولة تحكمها المراسم الملكية، أو مناسبة دبلوماسية تتبادل فيها الكلمات والخطابات؛ بل كانت محطة تاريخية أعادت إلى الواجهة المكانة التي تحتلها سلطنة عُمان في معادلة العلاقات الدولية، وأكدت أن الدول لا تُقاس بحجم جغرافيتها، وإنما بوزن مواقفها، ورصانة سياساتها، وصدق حضورها في ضمير العالم. لقد عكست التغطيات الصحفية البريطانية، تقديرًا لافتًا للدبلوماسية العُمانية، خاصة حين أشاد الملك تشارلز الثالث بالدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تعزيز الحوار والاستقرار الإقليمي، مؤكدًا ما تتمتع به من «حياد بنّاء»؛ وهو وصف يُترجم فلسفة سياسية عُمانية عميقة، تقوم على أن الحياد ليس انسحابًا من المسؤولية، وإنما حضور فاعل في صناعة السلام، وأن الحكمة ليست ضعفًا أمام الأزمات، لكنها قدرة على إدارة تعقيداتها دون التفريط بالمبادئ. وحين نقرأ ما كتبته الصحافة البريطانية عن هذه الزيارة التاريخية، فإننا لا نقرأ مجرد أخبار عن لقاءات ملكية أو اتفاقيات اقتصادية، بل نقرأ فصولًا جديدة من حكاية وطن اختار أن يصنع مجده بهدوء، وأن يبني مكانته بالحكمة، وأن يجعل من السلام رسالة، ومن الوفاء نهجًا، ومن الإنسان غاية لكل تنمية وتقدم. ولعل اللافت في هذه الزيارة أن بريطانيا، بما تمتلكه من إرث سياسي ودبلوماسي عريق، لم تنظر إلى عُمان بوصفها شريكًا تقليديًا فحسب، بل دولة تمتلك رصيدًا من الثقة والمصداقية، مكّنها من أن تكون جسرًا للحوار حين تضيق الجسور، وصوتًا للعقل حين ترتفع أصوات المواجهة. أمَّا الحفاوة الملكية التي أحاطت بالزيارة، فقد حملت دلالات تتجاوز بروتوكولات الاستقبال، مستحضرةً تاريخًا من العلاقات الممتدة بين البلدين، ومؤكدةً أن ما أرساه السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- من أسسٍ راسخة للتعاون والصداقة، يواصل جلالة السلطان هيثم بن طارق- أبقاه الله- تعزيزه برؤية متجددة، تجمع بين الوفاء للماضي واستشراف المستقبل. إنَّ ما يستحق التأمل في هذه الزيارة ليس حجم الاهتمام الإعلامي وحده، ولكن طبيعة الرسائل التي حملتها؛ إذ حضرت عُمان في الخطاب البريطاني دولةً يُعوَّل على حكمتها، ويُحترم اتزانها، وتُقدَّر مساهمتها في استقرار المنطقة. وهنا تتجلى قيمة النهج الذي اختارته القيادة العُمانية؛ نهج لا يبحث عن الأضواء بقدر ما يصنع الأثر، ولا يرفع صوته ليثبت حضوره، وإنما يجعل من صدق المواقف وثبات المبادئ عنوانًا لمكانته. لقد غادر جلالة السلطان هيثم إلى بريطانيا حاملًا إرث دولة عريقة، وحضر في قلعة ويندسور العريقة قائدًا لدولة تعرف طريقها إلى المستقبل، وعاد إلى وطنه وقد تجدد التأكيد على حقيقة راسخة مفادها أن عُمان حين تتحدث بالحكمة، فإنَّ العالم يُحسن الإصغاء.
المصدر: الرؤية