مسلسل The Final Problem... استنساخ باهت ونهاية صادمة للمشاهدين
لطالما شكلت أعمال الجريمة والغموض نقطة جذبٍ قوية لعشاق الدراما، وهو ما راهنت عليه منصة "نتفليكس" عند إطلاقها المسلسل الإسباني القصير "المشكلة النهائية" (The Final Problem). العمل المؤلف من أربع حلقات، والمقتبس عن الرواية الشهيرة للكاتب أرتورو بيريز ريفيرتي الصادرة عام 2023، حظي بحملة ترويجية ضخمة وعدت المشاهدين بوجبة بوليسية دسمة. ومع ذلك، تأتي النتيجة على الشاشة مخيبة للتطلعات، إذ استعار العمل عناصر كلاسيكية من دون أن يفلح في صياغتها من ضمن حبكة درامية متماسكة ومقنعة.
تدور عجلة الأحداث في ربيع عام 1959، عندما تضرب عاصفة عاتية جزيرة "سانتا أغيدا" قبالة سواحل مايوركا الإسبانية، لتحتجز ثلاثة عشر ضيفاً داخل فندق معزول تماماً عن العالم الخارجي. وفي ظل انقطاع سبل الاتصال، تتوالى الجرائم الغامضة، ليبرز الممثل المتقاعد "بنجامين باسل" – الذي طالما عُرف بتجسيده شخصية المحقق "شيرلوك هولمز" على الشاشة – متولياً مهمة كشف طلاسم هذا اللغز المعقد.
استعارة المكان وغياب الروح السيكولوجية
على الورق، تبدو الفكرة شديدة الجاذبية والذكاء، لكن تشريح العمل يكشف وقوعه في فخ الاستنساخ المفرط. فقد تحول المسلسل إلى مزيج غير متجانس يجمع بين أجواء رائعة أغاثا كريستي الخالدة "ثم لم يبقَ أحد"، والقوالب البوليسية لآرثر كونان دويل، مع محاولات يائسة لإقحام أبعاد ماورائية (ميتا-سردية) افتقرت إلى العمق الحقيقي.
تكمن الخطيئة الجوهرية للعمل في اعتماده الكلي على "الجسد" المكاني لعوالم أغاثا كريستي، مع إخفاقٍ تام في التقاط "الروح" السيكولوجية التي ميزتها. ففي روايات كريستي، ينبع الرعب من انعدام الثقة، بحيث يصبح كل شخص ضحية وقاتلاً محتملاً في آنٍ واحد. أما في مسلسل The Final Problem، فقد أدى وجود محقق يمتلك هالة استنتاجية مطلقة – حتى وإن كان مجرد ممثل – إلى قتل حالة "البارانويا" والشك المتبادل التي كان يُفترض أن تخلقها أجواء العزلة الخانقة.
.jpg)
ضياع الفرصة في استكشاف الهوية المزدوجة
يستمدّ العمل عنوانه من قصة "المشكلة النهائية" لكونان دويل الصادرة عام 1893، والتي شهدت المواجهة الملحمية بين هولمز وموريارتي عند شلالات رايشنباخ. كان من المفترض أن يفتح هذا الخط الدرامي الباب أمام استكشاف نقدي لصناعة السينما، أو سبر أغوار أزمة الهوية حين يطغى الدور الخيالي على كيان الممثل. لكن للأسف، تعامل السيناريو مع هذه الفكرة بجدية مفرطة؛ فبدلاً من إبراز التناقض بين بريق السينما ووحشية الواقع، غرق "باسل" في إلقاء خطب استنتاجية مطولة، ومردداً بصلف العبارات البديهية، لتتحول مشاهده إلى ما يشبه المحاكاة الساخرة (Parody) غير المقصودة.
نهاية مفككة تهدم الميثاق الكلاسيكي
تبلغ الفوضى السردية ذروتها في الحلقة الرابعة والأخيرة، التي انحرفت عن البناء الكلاسيكي نحو ميتا-سينما مربكة. لتبيان حجم هذا الخلل، تكفي المقارنة بنهاية الرواية الأصلية. في نص "بيريز ريفيرتي"، يلتقي باسل القاتلة بعد ثلاثة أشهر في منطقة بحيرة غاردا الإيطالية. وفي مواجهة هادئة، يشرح لها كيف فكّك اللغز، متخذاً قراراً وجودياً وأخلاقياً بعدم تسليمها للشرطة، مُدركاً أنه مجرد ممثل اعتاد تلاوة نصوص مكتوبة، وليس رجل قانون يحق له معاقبة البشر؛ وهي نهاية تحترم بشدة قواعد الغموض الكلاسيكي.
أما صناع مسلسل "نتفليكس"، فقد اختاروا تدمير هذا المنطق الأنيق، بانحرافٍ مفاجئ نحو موقع تصوير تُعاد فيه الجرائم كأنها فيلم سينمائي. هذا التحول العبثي بدّد كل التوتر الدرامي المتراكم، ليظل مسلسل The Final Problem لغزاً لم ينجح في حل مشكلته الأهم: كيف يمكن بناء التشويق الكلاسيكي من دون فقدان الهوية والتماسك السردي؟
.jpg)
المصدر: النهار