شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

البيانات ثروة الأردن القادمة .. فهل سنتحرر من عقلية احتكار المعلومات؟

البيانات ثروة الأردن القادمة .. فهل سنتحرر من عقلية احتكار المعلومات؟

د. م. محمد الدباس إطلعت على نشاطات مجموعة البنك الدولي التي تمت في العشرين من الشهر الحالي في العاصمة الكورية سيول (Seoul) في كوريا الجنوبية، ضمن فعاليات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي والرقمنة (Global AI & Digital Summit 2026)، والمتعلقة بإطلاق (أول) استراتيجية رقمية متكاملة، وتوقفت عند حقيقة تستحق التأمل؛ وهي أن العالم لم يعد يتنافس فقط على امتلاك التكنولوجيا، بل على امتلاك (البيانات) والقدرة على تحويلها إلى "ثروة اقتصادية وفرص عمل واستثمارات". فالبنك الدولي يربط اليوم بين الإتصال الرقمي والذكاء الاصطناعي ورفع الإنتاجية، في وقت تشير تقديراته إلى أن 1.2 مليار شاب في البلدان النامية سيبلغون سن العمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، مقابل نحو 420 مليون فرصة عمل متوقعة. وهذا يعني أن الإقتصاد الرقمي لم يعد خياراً مستقبلياً، بل ضرورة اقتصادية تفرض نفسها على الدول التي تريد حماية فرص نموها وتنافسيتها.وفي الأردن وللإنصاف؛ لم تكن هذه الرؤية غائبة عن توجيهات سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، الذي أكد خلال زيارته وزارة الإقتصاد الرقمي والرّيادة في شهر 3 من العام الماضي أهمية ربط قواعد البيانات الحكومية وتوحيدها، وضمان دقتها وتطوير آليات استخدامها. ثم جاءت توجيهاته قبل أيام خلال ترؤسه اجتماع المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، بإطلاق (مبادرة وطنية) للبيانات الرقمية، تقوم على جمع البيانات والتحقق من جودتها وانسيابها، وتعزيز الإستخدام المسؤول لها، ووضع مؤشرات أداء لقياس التقدم في تنفيذها، وإشراك القطاعين العام والخاص. وهي توجيهات تنقل ملف البيانات من إطار التطوير الإداري إلى صلب الأولويات الإقتصادية والتنموية للمملكة.لكن السؤال الذي يتوجب أن نطرحه اليوم: لماذا لا تزال البيانات في كثير من مؤسساتنا أسيرة الأنظمة الإدارية المنفصلة، وكأنها ملكية خاصة للوزارة أو للمؤسسة، وليست مورداً وطنياً يجب توظيفه لخدمة الإقتصاد؟ وما جدوى الحديث عن الذكاء الإصطناعي والتحول الرقمي إذا كانت قواعد البيانات لا تتكامل والمعلومات لا تتدفق، والباحث والمستثمر وصاحب المشروع لا يستطيعون الوصول إلى البيانات اللازمة لأعمالهم؟ إن المشكلة ليست في نقص المنصات والتطبيقات، بل في (الثقافة المؤسسية) التي ما زالت تتعامل مع المعلومات بعقلية (الأرشفة) والاحتفاظ بها، بدلاً من إدارتها واستثمارها.إن إتاحة البيانات الزراعية والمائية وبيانات الطاقة والبيئة والنقل وقياسات الأرصاد الجوية وبيانات السياحة والصحة وفق ضوابط قانونية وأمنية واضحة، يمكن أن تفتح أسواقاً جديدة أمام الشركات الناشئة والجامعات ومراكز البحث، وأن تحول المعلومات إلى تطبيقات واستثمارات وفرص عمل. فبيانات المياه والطاقة يمكن أن تسهم في تحسين كفاءة استخدام الموارد وتعزيز فرص تنويع مصادر الطاقة، وبيانات النقل في تطوير الخدمات اللوجستية، والبيانات الصحية في تحسين التخطيط وجودة الرعاية. وهنا يجب أن ندرك أن البيانات ليست مجرد أرقام وإحصاءات، بل (مدخلات) أساسية لصناعة القرار وخلق القيمة المضافة، وتعزيز الإنتاجية والتنافسية.كما أن استراتيجية البنك الدولي بما تتضمنه من دعم للبنية التحتية الرقمية والمهارات والذكاء الاصطناعي، وما رافقها من مبادرة لإتاحة قدرات الحوسبة المتخصصة بنظام الدفع حسب الإستخدام، تفتح أمام الأردن فرصاً للإستفادة من الشراكات والتمويل والخبرات الدولية دون تحمل كلف ضخمة لإنشاء بنية تحتية مستقلة. لكن ذلك (يتطلب تحركاً حكومياً) استباقياً، يربط المبادرة الوطنية للبيانات برؤية التحديث الإقتصادي وبرنامج تحديث القطاع العام، ويضع برامج تنفيذية وجداول زمنية ومسؤوليات محددة، مع ضمان حماية الخصوصية والأمن الوطني في نشر البيانات بمسؤولية مهنية. خلاصة القول، إن توجيهات سمو ولي العهد المتعاقبة بشأن ربط قواعد البيانات وإطلاق المبادرة الوطنية للبيانات الرقمية تضع الحكومة أمام استحقاق لا يحتمل التأجيل. فالمطلوب ليس مزيداً من الإعلانات عن التحول الرقمي، وإنما (تغيير) حقيقي في (ثقافة المؤسسات) وطريقة إدارتها للمعلومات. وعلى الحكومة أن تنتقل من عقلية (احتكار) البيانات إلى عقلية إتاحتها واستثمارها، لأن ثروة الأردن القادمة لن تكون فقط فيما تمتلكه من موارد، بل فيما تستطيع إنتاجه من قيمة ومعرفة وفرص عمل. فهل ننجح في تحويل البيانات إلى (محرك) للإقتصاد الوطني، أم تبقى ثروة معطلة داخل خوادم المؤسسات وأدراجها؟

المصدر: عمون