شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

سؤال برسم COP31: من يدفع فاتورة التكيّف المديني في العالم العربي؟

سؤال برسم COP31: من يدفع فاتورة التكيّف المديني في العالم العربي؟

في اليوم العالمي للمدن، الذي يُحتفى به في 31 تشرين الأول/أكتوبر، وقبل انعقاد مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP31) في أنطاليا التركية، من 9 إلى 20 تشرين الثاني/نوفمبر، يبرز سؤال يتجاوز التخطيط العمراني إلى صميم العدالة المناخية: من يتحمّل كلفة حماية المدن العربية من موجات الحرّ والفيضانات وشحّ المياه وارتفاع مستوى البحر؟ الحكومات أم البلديات أم السكان، أم الدول الصناعية التي ساهمت تاريخياً بالقسط الأكبر من الاحترار العالمي؟

السؤال ملحّ في منطقة يعيش نحو 60% من سكانها في المدن، ويتوقّع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية ارتفاع النسبة إلى 70% بحلول عام 2050. ومع اتساع الرقعة الحضرية، تصبح حماية شبكات المياه والصرف الصحي والمساكن والطرق والكهرباء استثماراً ضرورياً، لا ترفاً بيئياً.

(تصميم النهار)

فجوة تمويلية بمئات المليارات

تكشف الأرقام العالمية حجم الاختلال. فقد قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة، في تقرير فجوة التكيّف لعام 2025، احتياجات الدول النامية بما يتراوح بين 310 مليارات و365 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2035، مقابل 26 مليار دولار فقط من التمويل العام الدولي للتكيّف في عام 2023؛ أي إن الاحتياجات تعادل 12 إلى 14 ضعف التدفقات المسجّلة.

المدن ليست أفضل حالاً، فبحسب تحالف قيادة تمويل المناخ في المدن، لم تتجاوز حصة التكيّف 1% من التمويل المناخي الحضري العالمي المرصود في عامي 2021 و2022، أي نحو 10 مليارات دولار سنوياً، رغم بلوغ إجمالي التمويل الحضري 831 ملياراً.

عربياً، تبدو الفجوة أشد وضوحاً في المياه. فقد قدّرت الإسكوا احتياجات التكيّف المائي المعلنة لسبع دول عربية بما لا يقل عن 127.46 مليار دولار، فيما لم تتلقَّ المنطقة خلال عقد سوى 6.9 مليارات دولار من التمويل المناخي الدولي العام المرتبط بالمياه. والأخطر أن 81% من هذا التمويل جاء في صورة ديون غير ميسّرة، بينما لم تحصل الدول العربية الست الأقل نمواً إلا على 6.5% منه.

من يسدّد الفاتورة فعلياً؟

تتحمّل الحكومات المركزية الجزء الأكبر من الإنفاق على البنية التحتية، فيما تفتقر بلديات كثيرة إلى الإيرادات والصلاحيات اللازمة. ففي الإسكندرية المصرية، بلغت استثمارات الجهات الحكومية الوطنية المرتبطة بالمناخ نحو 145 مليون دولار خلال السنة المالية 2022-2023، مقابل 4.4 ملايين دولار من استثمارات المحافظة، موّلت الحكومة المركزية نحو 93% منها.

وفي الأردن، أقرّ البنك الدولي تمويلاً بقيمة 250 مليون دولار لتحسين كفاءة قطاع المياه وتعزيز قدرته على مواجهة الجفاف، موزّعاً بين قرض بقيمة 200 مليون ومنحة بقيمة 50 مليوناً. ويكشف المثال أن التمويل الخارجي ليس بالضرورة مالاً مجانياً؛ فالقروض تُسدّد لاحقاً من الموارد العامة.

أما تونس، فيقدّر البنك الدولي أن خطتها المائية حتى 2050 تتطلب استثمارات بنحو 900 مليون دولار سنوياً. ويحذّر تقريره الصادر في أيلول/سبتمبر 2026 من احتمال خسارة 6.4% من الناتج المحلي بحلول منتصف القرن بسبب ندرة المياه، إذا لم تُتخذ إجراءات ملائمة.

لكن السكان يدفعون أيضاً، وإن بصورة غير مباشرة: ارتفاع فواتير التبريد، وشراء المياه، وإصلاح المنازل المتضررة، وخسارة أيام العمل خلال موجات الحر والفيضانات. وتكون الكلفة أشدّ على الأسر الفقيرة التي لا تستطيع تمويل وسائل الحماية الخاصة.

#Quote#

كيف تُوزّع الكلفة بعدالة؟

تحتاج المدن العربية إلى نموذج تمويل تتوزّع فيه المسؤوليات: الحكومات تموّل البنية الأساسية، والبلديات تدير المشاريع المحلية، والقطاع الخاص يستثمر في المشاريع القابلة لتحقيق إيرادات، فيما يوفّر التمويل الدولي منحاً وتمويلاً ميسّراً للمجتمعات الأكثر هشاشة.

ويمكن الصناديق التنموية العربية الاضطلاع بدور أكبر في دعم المدن الأقل قدرة، خصوصاً في البلدان المتأثرة بالنزاعات، على أن تُعطى الأولوية للصرف الصحي والحماية من الفيضانات والتبريد الحضري.

أما اختبار مؤتمر COP31 الحقيقي، فليس إعلان تعهّدات مالية إضافية فحسب، بل إيصال المال مباشرة إلى المدن، وزيادة المنح بدلاً من القروض، وربط التمويل بحماية السكان الأشدّ تعرضاً للخطر.

إن الجواب عن سؤال من يدفع فاتورة التكيّف ليس تقنياً فحسب، إنما هو سياسي واجتماعي أيضاً: إذا لم تُوزَّع الكلفة بعدالة، سيدفع الفقراء ثمن أزمة لم يكونوا الأكثر مساهمة في صنعها.

المصدر: النهار