التغيّرات الجيوسياسية الإقليمية وانعكاساتها على إدارة موارد المياه
تتميز الدولة الأردنية بإحاطة شاملة ورصد متواصل لجميع المستجدات الإقليمية المحيطة بحدودها والمرتبطة بصورة مباشرة بالأمن الوطني والاقتصادي والاجتماعي، ومن بينها تلك المرتبطة بملف المياه، إذ يعيد الشرق الأوسط برمته صياغة خارطة أمنه المائي في ظل التبدّلات المناخية والاحتقانات الجيوسياسية. كما يتزايد الوعي بأن اقتسام الموارد المائية الإقليمية سيشكّل أحد أهم مسببات الأزمات الدولية خلال المستقبل القريب، بما يتخطى تحديات ندرة المياه والتبدّلات المناخية، ويترتّب على ذلك التوصل إلى تسويات مرحلية لأزمة المياه لا يمكن إغفال ضرورتها في هذه المرحلة، وتعكس موازين تفاوضية غير متكافئة، غير أنه لا يجوز أيضاً تجاهل ما تنطوي عليه من تحديات مستقبلية، الأمر الذي يقتضي السعي إلى حلول مستدامة وبعيدة المدى لا تخضع لمعايير اقتصادية متبدّلة، ولا ترتهن لتقلبات سياسية محتملة يمكن توظيفها وسيلة للضغط.وعند النظر إلى الإقليم، يتضح بروز تفاهمات مائية ثنائية مستحدثة تبتعد عن التصوّرات التقليدية لتقاسم المياه المشتركة، والتي قد لا تشكّل معالجة مستدامة، ومن أبرزها توقيع العراق وتركيا الاتفاقية الإطارية للتعاون في مجال المياه نهاية عام2025 باعتبارها "اتفاقية النفط مقابل المياه" لمدة10 سنوات للتصدي للمخاطر البيئية واتساع رقعة الجفاف الذي بات بحكم الواقع، يهدد باختفاء نهري دجلة والفرات، اللذين جرى التعامل مع مواردهما في السابق على أنها مضمونة. وتتمثل قيمة هذه الاتفاقية بالنسبة للعراق في تحسين كفاءة إدارة المياه وإنشاء المشروعات المائية التي تسهم في تحديث بنيته التحتية المتداعية من خلال إنشاء صندوق لعائدات النفط العراقي، تموّل من خلاله شركات تركية لتنفيذ مشروعات البنية التحتية المائية وإدارة الموارد المائية في العراق لمواجهة أزمة الجفاف. وقد أظهرت الاتفاقية تفادي الخوض في مسألة توزيع مياه النهرين المشتركين فضلاً عن أنها لم تتطرق إلى احتمال ضمان تركيا حصص العراق المائية أو رفعها. كما نصت الاتفاقية على تسوية الخلافات المتعلقة بها عبر الحوار الثنائي، دون أي تدخل قانوني دولي في هذه المسألة. وأضحت المياه السلاح المستحدث والأشد خطورة في نزاعات منطقة الشرق الأوسط، إذ يجري توظيفها وسيلةً للضغط السياسي أو هدفاً عسكرياً مباشراً. فعلى سبيل المثال، تواجه دول الخليج العربي خلال الصراع الراهن في المنطقة استهداف إيران لمنشآت تحلية مياه البحر ومحطات توليد الكهرباء، التي باتت ضمن نطاق التهديدات العسكرية، مما يعرّض الملايين من السكان لشح شديد وخطير في مياه الشرب والاستهلاك اليومي. ولمواجهة هذا التحدي، شرعت هذه الدول في التخطيط للتوسع بإنشاء خزانات المياه الجوفية الاصطناعية وأحواض الشحن الجوفي وخزانات الطوارئ الضخمة التي تغطي الاحتياجات الاستهلاكية لأسابيع أو أشهر عند تعطل محطات الإنتاج، وربط شبكات المياه في دول مجلس التعاون الخليجي بعضها ببعض، بما يسمح لأي دولة بالحصول على المياه من دولة مجاورة عند توقف أي محطة محلية عن العمل. إلى جانب الاعتماد على تقنيات التناضح العكسي المتطورة والموزعة بدلاً من المحطات المركزية العملاقة، نظراً إلى أنها أقل قابلية للتعرض للتدمير الكامل وأسهل في الصيانة والإخفاء، فضلا عن الاستثمار في آبار المياه الجوفية غير التقليدية ومعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة توظيفها في الزراعة والصناعة لتقليل الضغط على المياه العذبة.ومن أهم التطوّرات الإقليمية في إدارة أحواض المياه المشتركة التحوّل من السيطرة التاريخية لدول المصب إلى تكريس واقع مغاير تفرضه دول المنبع، ومن أمثلة ذلك مساعي إثيوبيا لفرض معادلة جديدة في استثمار مياه النيل عبر سلسلة من السدود ووضع ترتيبات مستحدثة تقرّ بالقيمة الاقتصادية للمياه في حوض النيل، وتتضمن توزيعاً منصفاً للمنافع بين جميع الأطراف وفق مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول بدلا من الحقوق التاريخية، وكذلك مطالبة مصر والسودان بتقديم تعويضات مالية مقابل استخدام حصتها من مياه النيل، مع إنشاء لجنة لحصر الخسائر الناجمة عن فرص التنمية الضائعة التي جرى تعطيلها تمهيداً للتعويض، بل وصل الأمر إلى طرح إدعاء بأن السد العالي في أسوان ُأنشئ دون موافقة إثيوبيا وأفضى إلى اضطرابات اجتماعية سابقة. كما تتجلّى محاولات الحكومة الاسرائيلية السابقة للسيطرة على منابع المياه والسدود في حوض اليرموك وزيادة تعقيد الأزمة المائية في جنوب سوريا، إذ تفيد مجموعة من التقارير بتفاقم الوضع المائي بصورة كارثية في كبرى محافظات الجنوب السوري، وهي محافظة درعا، التي تواجه أزمة جفاف وإجهاداً مائياً غير مسبوقين، باتا يهددان مياه الشرب والاستقرار السكاني بصورة مباشرة، وقد يقودان إلى التدهور المتسارع لمنظومة المياه السطحية والجوفية، وهو ما ينذر بحصول نزوح أو هجرة مناخية قد تفضي إلى توترات بين سكان الجنوب السوري أو انتقالهم إلى الدول المجاورة، مثل الأردن الذي يعاني أساساً من ضغوط متزايدة على موارده المائية الشحيحة. وتكشف التطوّرات كذلك عن ضعف بعض الأنظمة المائية أمام الظواهر البيئية والمناخية الطارئة التي قد تحدث بصورة مفاجئة ومن دون إنذار مسبق، فعلى سبيل المثال، أدى انتشار طحالب ميكروبية دقيقة وافدة من دلتا النيل إلى زيادة تعكّر المياه وتعليق تشغيل 4 من أصل6 محطات رئيسية لتحلية المياه في إسرائيل (عسقلان، أسدود، سوريك، وبلماخيم)، إذ انتقلت هذه الطحالب بفعل التيارات البحرية وتكاثرت نتيجة تدفق آلاف الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة من قطاع غزة إلى البحر، الأمر الذي أتاح لها المغذيات الضرورية لنموها وتسبب في تعطيل مرشحات محطات التحلية، كما اضطرت مصر إلى اتخاذ تدابير احترازية وإيقاف بعض محطات التحلية في شمال سيناء بسبب ارتفاع درجة العكارة في مياه البحر المتوسط.وفي الختام يعالج الأردن ملف المياه الإقليمية من خلال نهج استراتيجي شامل يجمع بين الدبلوماسية المائية والقانون الدولي والتحركات الوطنية لحماية الأمن المائي في ظل ندرة شديدة في الموارد. في الوقت ذاته، يتعيّن المضي في تطبيق خطة متكاملة من المبادرات والبرامج والمشروعات التي تتضمن تنمية موارد المياه من مختلف المصادر التقليدية وغير التقليدية، والشروع في تنفيذ مشروعات تحلية مياه البحر، وفي مقدمتها مشروع تحلية الناقل الوطني للمياه، ومواصلة تقليص فاقد المياه في منظومات النقل الرئيسية وشبكات التوزيع المنتشرة، وتحديث منظومات متكاملة لنقل المياه المحلّاة وغيرها بين جميع المحافظات، بغية تقوية القدرة على الصمود والمرونة في الإمدادات المائية وتوسيع البدائل المائية المتاحة للأردن على نحو يعزز القرار السياسي والدبلوماسية الأردنية ويدعمهما.
المصدر: عمون