القمح يتراجع والدولة غائبة.. ما الذي يهدّد رغيف الخبز؟
تراجعت المساحات المزروعة بالقمح في لبنان بنحو 31.5 ألف هكتار خلال موسمين زراعيين فقط، من 69,194 هكتاراً في موسم 2022-2023 إلى 37,642 هكتاراً في موسم 2024-2025، أي بنسبة تقارب 46 في المئة. وتستند هذه الأرقام إلى دراسة اعتمدت على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيّر في مساحات زراعة القمح بين عامي 2017 و2025، أعدّها فريق من الباحثين في "المركز الوطني للاستشعار عن بعد" بالتعاون مع مؤسسات بحثية فرنسية، ونُشرت في مجلة علمية متخصصة بالزراعة المستدامة. Advertisement أهمية تراجع المساحات تتضح عند وضعها في سياق حاجة لبنان إلى القمح. فلبنان يحتاج سنوياً إلى ما بين 450 و550 ألف طن، فيما تراوح إنتاجه المحلي في أفضل المواسم بين 125 و140 ألف طن تقريباً. ويستورد لبنان أكثر من 80 في المئة من حاجاته، ومع خروج كل هكتار من الإنتاج ترتفع هذه النسبة، ويتزايد ارتباط رغيف الخبز بتقلبات الأسواق العالمية وأكلاف الشحن والحروب في المنطقة. ويعود جزء أساسي من هذا التراجع إلى معادلة السعر، إذ يشكو مزارعون، تواصل معهم "لبنان24"، من أنهم يعجزون عن تصريف إنتاجهم إلا بأسعار تقل بنحو 20 في المئة عن سعر القمح المستورد، حيث يتحكم عدد محدود من التجار والمطاحن بالسوق. وهذا يحوّل زراعة القمح إلى نشاط خاسر مقارنة بزراعة الخضار والزراعات المحمية التي تحقق مردوداً أعلى خلال فترة أقصر. ويتحدث ممثلو المزارعين عن غياب شبه كامل للدور الحكومي في حماية هذه الزراعة ودعمها، سواء في تأمين البذار والأسمدة بأسعار مدروسة، أو في ضمان شراء المحصول بسعر يغطي الكلفة. كما لا يمكن فصل التراجع عن الحرب، فقد تزامنت المواسم الأخيرة التي مع المواجهات في الجنوب واتساعها لاحقاً، ما حرم مزارعين كثيرين من الوصول إلى أراضيهم أو أدى إلى احتراق حقولهم. كذلك، دفعت أكلاف المحروقات والري وأجور العمال آخرين إلى ترك أراضيهم بوراً أو تحويلها إلى زراعات أخرى. ويطرح ذلك سؤالاً حول أولويات الدولة في ملف الأمن الغذائي. فلبنان الذي عاش أزمات متكررة في توافر الطحين بعد انفجار مرفأ بيروت وتدمير الإهراءات، ثم مع الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الحبوب، لا يزال يتعامل مع القمح المحلي كسلعة هامشية، رغم أنّ كلفة ضمان سعر شراء عادل لجزء من المحصول المحلي قد تكون أقل بكثير من كلفة أي أزمة طحين مقبلة، سواء على الخزينة أو على الاستقرار الاجتماعي. ومن هنا، لا تتعلق المسألة بتحقيق الاكتفاء الذاتي، وهو هدف بعيد المنال، بل بالحفاظ على حدّ أدنى من الإنتاج المحلي يشكّل احتياطاً في الأزمات. وهذا يتطلب سياسة شراء واضحة بأسعار تحمي المزارع من تحكّم السوق، ودعماً موجهاً للمناطق المتضررة من الحرب، قبل أن تتحول حقول القمح المتبقية إلى ذكرى في بلد كان يُسمّى يوماً "إهراءات روما".
المصدر: لبنان 24