الاقتصاد الفضي في الفضاء الاقتصادي العربي )4-6(
عبيدلي العبيدلي ** تشترك التجارب الناجحة في جملة من العوامل، أبرزها: الإرادة السياسية والتخطيط الاستباقي: استراتيجيات وطنية طويلة الأمد قبل أن تبلغ الشيخوخة ذروتها. الإطار التشريعي الداعم: من قانون التأمين على الرعاية في اليابان إلى قانون التقاعد وإعادة التوظيف في سنغافورة. استدامة التمويل: عبر أنظمة ادخار إلزامية أو تأمين اجتماعي يحوّل كبار السن من معالين إلى مستهلكين قادرين. الشراكة بين القطاعين العام والخاص: هيأت الدولة البيئة التي تمكّن الشركات من الاستثمار. الابتكار والتقنية: تحويل التحدي إلى صناعة تصديرية. تغيير الصورة النمطية: الانتقال من خطاب "العبء" إلى خطاب "المشاركة". المرجعية القيمية: كان الدافع القيمي والديني في التجربتين الماليزية والتاريخية الإسلامية محركًا للرعاية وتمويلها. مستقبل النجاح يبدو مستقبل هذه التجارب واعدًا لكنه مشروط. فيُتوقع أن تتحول الدول الرائدة إلى مصدّرة لحلول الاقتصاد الفضي، لكنها تواجه نقص العمالة في قطاع الرعاية، وضغوط استدامة أنظمة التقاعد، واتساع الفجوة بين كبار السن الميسورين وغير الميسورين. وأهم ما تقدمه هذه التجارب للعالم العربي أنها تثبت أن الشيخوخة يمكن أن تكون فرصة اقتصادية إذا أُحسن الاستعداد لها مبكرًا. واقع الاقتصاد الفضي في البلاد العربية يمكن وصف واقع الاقتصاد الفضي في المنطقة العربية بأنه واقع ديموغرافي متسارع يقابله بناء مؤسسي متدرج ووعي اقتصادي ناشئ. ويُعرض هنا في ثلاثة مستويات. المستوى الديموغرافي: منطقة واحدة وثلاث سرعات تشير الإسكوا إلى أن الدول العربية لا تشيخ بالوتيرة نفسها، ويمكن تمييز ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى: دول في مرحلة متقدمة من التحول، وفي مقدمتها لبنان وتونس والمغرب. فلبنان يضم أعلى نسبة من كبار السن عربيًا، إذ يمثل من تجاوزوا الخامسة والستين نحو 11% من سكانه، ويتوقع أن ترتفع النسبة إلى 23% عام 2050. وفي المغرب بلغت نسبة من تجاوزوا الستين نحو 13.8% في إحصاء 2024، بعد أن كانت 9.4% في إحصاء 2014. المجموعة الثانية: دول في مرحلة انتقالية، كالأردن ومصر والجزائر. ففي الأردن تبلغ نسبة من تجاوزوا الستين نحو 6.1% من المواطنين، ويتوقع أن ترتفع إلى 13.5% عام 2050. المجموعة الثالثة: دول ما تزال فتية، وتضم دول الخليج العربي بسبب كثافة العمالة الوافدة الشابة، والدول الأقل نموًا كاليمن والسودان وموريتانيا. غير أن الصورة خادعة في الحالة الخليجية؛ لأن نسبة كبار السن بين المواطنين أعلى بكثير من نسبتهم في إجمالي السكان. المستوى التشريعي والمؤسسي شهد العقدان الأخيران تطورًا ملحوظًا في الأطر التشريعية العربية الخاصة بكبار السن. فقد أصدرت البحرين القانون رقم 58 بشأن حقوق المسنين عام 2009، واعتمدت الإمارات السياسة الوطنية لكبار المواطنين عام 2018، وأقرت السعودية نظام حقوق كبير السن ورعايته عام 2022، وأصدرت عُمان قانون الحماية الاجتماعية المتضمن منفعة كبار السن الشاملة عام 2023، وأصدرت مصر قانون رعاية حقوق المسنين رقم 19 عام 2024. ويغلب على هذه الأطر الطابع الحقوقي والرعائي، إذ تركز على حماية كبار السن من الإهمال والإساءة وضمان حقهم في الرعاية. أما البعد الاقتصادي، بمعنى تنمية الأسواق الفضية وتحفيز الاستثمار فيها وتمكين كبار السن اقتصاديًا، فما يزال حضوره جزئيًا. ومن مؤشراته الإيجابية استحداث عُمان منفعة شهرية لكل مواطن تجاوز الستين تعزز قوته الشرائية مباشرة، وإطلاق الإمارات تأشيرة إقامة للمتقاعدين من سن الخامسة والخمسين تستقطبهم مستهلكين ومستثمرين. المستوى الاقتصادي والسوقي تظهر بوادر اقتصاد فضي عربي في توسع قطاع الرعاية الصحية الخاصة، ولا سيما الرعاية المنزلية والتأهيل الطبي في دول الخليج، وبعض مشاريع الإسكان المخصص للمتقاعدين، وسياحة الاستشفاء والعلاج في الأردن وتونس، وإحياء الوقف عبر صناديق حديثة للتنمية الصحية والاجتماعية. غير أن هذه البوادر تبقى متفرقة، إذ لا توجد استراتيجية عربية وطنية معلنة للاقتصاد الفضي بوصفه قطاعًا اقتصاديًا، ولا تتوافر تقديرات رسمية لحجمه ومساهمته في الناتج. ويبقى النموذج الأسري هو السائد في رعاية كبار السن عربيًا، وهو رصيد قيمي واجتماعي ثمين، لكنه يتعرض لضغوط متزايدة بفعل التحضر وتقلص حجم الأسرة وخروج المرأة إلى العمل والهجرة. التحديات التي تواجه الاقتصاد الفضي في البلاد العربية يواجه بناء اقتصاد فضي عربي تحديات متشابكة، بعضها هيكلي وبعضها مؤسسي وثقافي، وأبرزها: ضعف الأمن الاقتصادي لكبار السن وقصور أنظمة الحماية الاجتماعية هو التحدي الأخطر لأنه يمس القوة الشرائية لكبار السن. فبحسب الإسكوا، لا تتجاوز نسبة من تجاوزوا الستين ويحصلون على معاش تقاعدي في المنطقة العربية 38%، وهي ثاني أدنى نسبة في العالم، وأقل من نصف المتوسط العالمي البالغ 78%. أي إن أكثر من ستة من كل عشرة مسنين عرب لا يملكون دخلًا تقاعديًا منتظمًا. اتساع الاقتصاد غير الرسمي قدرت منظمة العمل الدولية أن نحو 68.6% من العاملين في الدول العربية يعملون في وظائف غير رسمية لا يسهمون فيها في صناديق التقاعد، فيصلون إلى الشيخوخة دون معاشات. العبء الصحي والأمراض المزمنة تتجاوز نسبة من يعانون مرضًا مزمنًا واحدًا على الأقل من كبار السن 45% في معظم الدول العربية، ويتوقع أن يبلغ عدد المصابين بالخرف في المنطقة 4.7 ملايين شخص بحلول عام 2040، مع نقص واضح في أطباء الشيخوخة ومرافق الرعاية طويلة الأمد. تحولات الأسرة العربية يضعف التحضر المتسارع وتقلص حجم الأسرة وعمل المرأة وهجرة الشباب قدرة الأسرة الممتدة على دورها التقليدي، والتحدي هو بناء اقتصاد رعاية محترف دون تفكيك النموذج الأسري. فجوة البيانات تفتقر معظم الدول العربية إلى بيانات مفصلة عن أوضاع كبار السن وإنفاقهم وثرواتهم، مما يعوق صياغة سياسات قائمة على الأدلة ويحرم المستثمرين من المعلومات. غلبة المقاربة الرعائية على المقاربة الاقتصادية تغيب عن التشريعات العربية الرؤية التي ترى في كبار السن سوقًا ومنتجين ومستثمرين، فتغيب الحوافز الضريبية والتمويلية والتنسيق بين الوزارات المعنية. جمود أسواق العمل والتقاعد المبكر يولد ارتفاع بطالة الشباب مقاومة اجتماعية لإطالة الحياة العملية لكبار السن، وتشجع أنظمة التقاعد، ولا سيما في القطاع العام، على التقاعد المبكر الذي يهدر الخبرات ويرهق الصناديق. البنية التحتية غير الصديقة لكبار السن والفجوة الرقمية لم تصمم معظم المدن العربية مع مراعاة احتياجات كبار السن، ويهدد ضعف مهاراتهم الرقمية بإقصائهم مع تحول الخدمات الحكومية والمصرفية والصحية إلى المنصات الرقمية. النزاعات وعدم الاستقرار تدمر النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية الحادة مدخرات كبار السن ومنظومات الرعاية، وتدفع الشباب إلى الهجرة بما يتركهم دون سند، كما هو الحال في لبنان. الصورة النمطية السلبية يسود تصور يربط الشيخوخة بالعجز والانسحاب، فيضعف اهتمام الشركات بهذه الفئة، خلافًا للتصور الإسلامي الذي يرى في الكبير مصدرًا للحكمة. ** خبير إعلامي
المصدر: الرؤية