شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

لقاء الكبار.. عُمان والصين وشراكة استراتيجية متينة

لقاء الكبار.. عُمان والصين وشراكة استراتيجية متينة

ناصر بن حمد العبري ** ليست كل الزيارات الرسمية مجرد محطات بروتوكولية في أجندة العلاقات الدولية، فهناك لقاءات تحمل دلالات تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون، وترسم ملامح مرحلة مقبلة في مسيرة العلاقات بين الدول. ومن هذا المنطلق، تكتسب زيارة دولة لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى العاصمة الصينية بكين، أهمية خاصة في مسار العلاقات العُمانية الصينية، لما تمثله من فرصة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، واستكشاف آفاق أرحب للتعاون في ظل المتغيرات التي يشهدها العالم. ويُجسِّد اللقاء المرتقب بين مولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم وفخامة الرئيس الصيني شي جين بينغ، أهمية التواصل المباشر بين القيادتين في دعم العلاقات الثنائية، وتطوير مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الصديقين؛ فالعلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التبادل التجاري أو عدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على بناء الثقة، وتحويل التفاهم السياسي إلى مشروعات تنموية مستدامة، وشراكات تحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع. وتستند العلاقات العُمانية الصينية إلى إرث تاريخي وحضاري عريق، إذ ربطت طرق التجارة البحرية بين الموانئ العُمانية والصينية منذ قرون، وأسهمت السفن العُمانية في نقل اللبان والبضائع، فيما حملت رحلات العودة منتجات صينية عكست عمق التبادل التجاري والثقافي بين الحضارتين. ومع مرور الزمن، انتقلت هذه العلاقة من التواصل التجاري والحضاري إلى العلاقات الدبلوماسية الرسمية التي أُقيمت عام 1978، ثم إلى الشراكة الاستراتيجية عام 2018، في مسيرة تؤكد قدرة البلدين على تطوير علاقاتهما بما يتناسب مع متطلبات كل مرحلة. وخلال السنوات الماضية، توسعت مجالات التعاون بين مسقط وبكين لتشمل الطاقة والاستثمار والموانئ والخدمات اللوجستية، إلى جانب التعليم والتكنولوجيا والسياحة والثقافة. واليوم، تبدو الفرصة مهيأة للانتقال بهذه الشراكة إلى مستويات أكثر تقدمًا، لا سيما في القطاعات المرتبطة بالاقتصاد المعرفي والابتكار والتحول الرقمي، وهي مجالات تتقاطع مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 الرامية إلى تنويع الاقتصاد، وتعزيز التنافسية، وبناء اقتصاد مستدام قائم على المعرفة والاستثمار النوعي. وفي هذا السياق، يمكن أن تفتح الزيارة آفاقًا أوسع أمام الاستثمارات المشتركة، وتطوير التعاون في الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والبحث العلمي، إلى جانب تعزيز الشراكات في التعليم والتدريب والسياحة. كما أن الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان، وما تمتلكه من موانئ وبنية أساسية ومقومات لوجستية، يوفر فرصًا لتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، بما يعزز ارتباط السلطنة بالأسواق الإقليمية والدولية. ولا تقتصر أهمية العلاقات العُمانية الصينية على الجوانب الاقتصادية، بل تمتد إلى الحوار الثقافي والتبادل المعرفي والتفاهم بين الشعوب. فمن خلال زياراتي المتكررة إلى الصين، وما أتاحته لي من فرصة للاطلاع عن قرب على تطور المدن الصينية وتجارب مؤسساتها الأكاديمية والثقافية، لمست أهمية بناء جسور التواصل بين المجتمعات، ودور الجامعات ومراكز الدراسات والمؤسسات الإعلامية في تعزيز المعرفة المتبادلة. وأؤمن بأن توسيع هذا النوع من التعاون يمثل استثمارًا طويل الأمد، لأنه يهيئ أجيالًا أكثر قدرة على فهم الثقافات المختلفة، ويمنح العلاقات الثنائية عمقًا إنسانيًا يتجاوز المصالح الآنية. كما تبرز أهمية مواصلة التنسيق بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، انطلاقًا من أهمية الحوار والدبلوماسية والعمل على تعزيز الاستقرار. وتمتلك السلطنة خبرة دبلوماسية تقوم على التواصل المتوازن وبناء التفاهم، فيما تمثل الصين شريكًا اقتصاديًا ودوليًا مؤثرًا، الأمر الذي يتيح للبلدين مواصلة تبادل الرؤى ودعم المبادرات التي تخدم التنمية والتعاون الدولي. والقيمة الحقيقية لأي زيارة رفيعة المستوى تكمن في ما تفتحه من فرص، وما تتركه من نتائج قابلة للبناء عليها. ومن هنا، فإن الرهان في المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل عمق العلاقات التاريخية والتفاهم السياسي إلى مشروعات مشتركة، وشراكات استثمارية نوعية، وبرامج للتبادل العلمي والتقني والثقافي، بما ينعكس إيجابًا على التنمية في البلدين. إنَّ لقاء القادة الكبار في بكين، بما يحمله من دلالات سياسية واقتصادية وحضارية، يمثل فرصة لمواصلة مسيرة بدأت منذ قرون على طرق التجارة البحرية، وتواصلت عبر العلاقات الدبلوماسية والشراكة الاستراتيجية، وتتطلع اليوم إلى آفاق أوسع من الابتكار والمعرفة والاستثمار. وبين طموحات سلطنة عُمان التنموية ورغبتها في توسيع شراكاتها الدولية، وما تمتلكه الصين من خبرات وإمكانات اقتصادية وتقنية، تتوافرُ فرصٌ واعدة لكتابة فصل جديد في العلاقات بين البلدين، عنوانه الثقة، ومضمونه المصالح المتبادلة، وهدفه مستقبل أكثر ازدهارًا للشعبين العُماني والصيني. ** صحفي وباحث في الشؤون الصينية

المصدر: الرؤية