شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

عُمان والصين.. من التبادل التجاري إلى الشراكات المتعددة

عُمان والصين.. من التبادل التجاري إلى الشراكات المتعددة

علي بن حبيب اللواتي تؤكد الزيارة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى جمهورية الصين الشعبية الصديقة، نهج التوازن الحكيم الذي تنتهجه سلطنة عُمان في علاقاتها الدولية؛ حيث إن هذه الزيارة السامية تأتي بعد زيارة سامية إلى المملكة المتحدة الصديقة، ورسالتها واضحة بأن عُمان صديقة للجميع، تبني علاقاتها مع الغرب والشرق على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وعُمان تؤمن بالشراكة البعيدة عن التحالفات، وهذا النهج هو ما أكسب الدبلوماسية العُمانية احترام العالم. وارتكازًا على ما تمثله هذه الزيارة من آفاق واعدة، نضع جملة من النقاط التي نأمل تعزيزها بين البلدين: أولًا: من أهم عوامل نجاح هذه الزيارة تفعيل اللجنة العُمانية الصينية المشتركة ومجلس الأعمال المشترك، وهي آليات بروتوكولية معتمدة لتأطير التعاون ومتابعته وتحويل التفاهمات إلى مشاريع على الأرض. ثانيًا: تشجيع الاستثمارات النوعية؛ حيث تأتي هذه الزيارة دعما لجهود جهاز الاستثمار العُماني في استقطاب شراكات نوعية تخدم التنويع الاقتصادي وتوفير فرص عمل مستدامة للشباب العُماني. ثالثًا: من الأهداف الوطنية للموارد البشرية في مثل هذه الشراكات الاستراتيجية أن يكون التركيز على نقل التقنية وتدريب الكوادر الوطنية، مع برامج تدريب مهني عملي لشباب عُمان في المصانع والشركات الصينية، ليعودوا قادرين على تشغيل وإدارة المشاريع في عُمان بأنفسهم. وفي المقابل تقدم عُمان للصين بوابة آمنة ومستقرة تربطها بأسواق الخليج وأفريقيا وأوروبا، وطاقة نظيفة وهيدروجين أخضر، وموقعا لوجستيا استراتيجيا، وهي شراكة تبنى على مبدأ رابح رابح وروح الفوز المشترك. رابعًا: ثورة البناء بمواد متطورة: الصين لم تعد تبني بالخرسانة الجاهزة فقط، بل طورت مواد جديدة مثل ألواح الأسمنت الليفي عالي الكثافة بعمر 50 سنة، ومادة FHPRC المرنة فائقة الأداء بقوة ضغط 160 ميجاباسكال، وهذه التقنية مطبقة بنجاح في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقتين، مما يؤكد ملاءمتها لأجواء الخليج الحارة، وهي مواد تحول البناء من بطيء إلى سريع، بتكلفة أقل وجودة أعلى وسرعة في التنفيذ. خامسًا: البنية السكنية والجسور والأنفاق. من بين الاحتياجات الملحة في هذا الإطار ربط جزيرة مصيرة بالبر، عبر مشروع جسر يربط شنة مع مصيرة، وهو مشروع يُمثل مطلبًا شعبيًا قديمًا لولاية يقطنها عدد يتزايد بسرعة مع الوقت؛ حيث يعاني الأهالي من صعوبة التنقل وارتفاع تكلفة السلع وارتباطهم بالعبّارات التي تتوقف أحياناً بسبب الأحوال الجوية، وتنفيذ هذا الجسر بتقنية صينية متطورة سينعش الولاية اقتصاديا وسياحيا. سادسًا: الاستفادة من الخبرة الصينية في بناء المستشفيات بجودة عالية وسرعة قياسية، مع إنشاء كليات للطب والهندسة والتعليم التقني والمهني في المحافظات التي يُوجد بها احتياج فعلي وكثافة سكانية تبرر ذلك، لربط التعليم باحتياجات تلك المحافظات وسوق العمل وتخفيف الضغط على مسقط، وتوفير تعليم نوعي قريب من بيت الطالب. سابعًا: شهدت موانئ صحار والدقم وصلالة وبقية الموانئ العُمانية تطورًا كبيرًا خلال السنتين الماضيتين وأصبحت بديلًا لوجستيًا عالميًا في ظل تحديات المنطقة، لذا نأمل مواصلة التطوير الشامل لجميع الموانئ، لمواكبة تحديات الواقع الجديد وتلبية الاحتياجات الفعلية للتجارة الدولية والصناعات التصديرية. ثامنًا: التعاون المشترك لإنشاء مركز مهني متخصص لتشغيل وصيانة سكك القطارات والمترو، بما يضمن تأهيل كوادر عُمانية قادرة على تشغيل هذا القطاع الحيوي، مع إيفاد شباب عُمان للتدريب المهني العملي في مصانع وشركات القطارات الصينية. تاسعًا: زراعة الصحراء وحفر الآبار وسحب الماء من الهواء، فقد طورت الصين تقنية بذور التربة وهي بكتيريا زرقاء تحول رمال الصحراء إلى تربة زراعية خصبة في غضون سنتين، بدلًا من 15 سنة، وطبقتها بنجاح في صحراء تاكلامكان، كما تملك تقنية عجينة السليلوز التي تجعل الرمل يحتفظ بالماء، بالإضافة إلى حفر آبار المياه الجوفية بعمق 400 إلى 500 متر بتقنية صينية متطورة، وقد نجحت في مصر بتحويل صحراء الوادي الجديد عبر أكثر من 680 بئرًا، وأيضا أجهزة سحب الماء من الهواء التي تنتج أكثر من 5000 لتر يوميًا وتعمل بالطاقة الشمسية، وعُمان تملك أكثر من 3165 كم سواحل ونسبة رطوبة عالية، ولذا يمكن الجمع بين زراعة الأراضي الصحراوية والبيوت المحمية الذكية وبقية التقنيات الزراعية المناسبة لأجواء عُمان وندرة المياه لبناء منظومة أمن غذائي متكاملة. عاشرًا: يمكن الاستفادة من التجربة الصينية الرائدة في إدارة الوجهات السياحية والمدن السياحية الذكية والترويج الرقمي وتأهيل المرشدين، والاستفادة من خبرتها في السياحة الصحراوية والجبلية، وإنشاء مشاريع نوعية مثل التلفريك في الجبل الأخضر وجبل شمس والمسارات الجبلية والمنتجعات البيئية، بتكلفة أقل وجودة أعلى وسرعة في التنفيذ. حادي عشر: يمكن أن يسهم وجود فرع لبنك صيني في مسقط وربط أنظمة الدفع الصينية مثل UnionPay وWeChat Pay وAlipay بالبنوك العُمانية، في تسهيل المعاملات المالية للمشاريع المشتركة، وفي نفس الوقت تمكين السياح الصينيين من استخدام بطاقاتهم وأنظمة دفعهم بسهولة في عُمان؛ مما يُشجِّع السياحة الصينية الوافدة. ثاني عشر: إعادة تسيير رحلات الطيران المباشر: ومن المتطلبات العملية لدعم هذه الشراكة إعادة تسيير رحلات الطيران العُماني المباشرة إلى الصين التي توقفت منذ جائحة كورونا، فلا يمكن الحديث عن شراكة تصنيعية وسياحية دون جسر جوي مباشر يربط مسقط ببكين وغوانزو وشنغهاي، وهو ما سيسهل حركة رجال الأعمال والسياح والطلاب. وأخيرًا.. إنَّ توسيع الشراكات مع الصين يخدم تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" بشكل مباشر، من خلال دعم التنويع الاقتصادي وتوفير فرص عمل مستدامة وتوطين التقنية، ويمكن إنجاز هذه التطلعات بالتزامن مع الزيارة التاريخية التي يقوم بها جلالة السلطان، بما يمهد الطريق لعُمان كي تنتقل من مجرد التبادل التجاري إلى مرحلة الشراكات الرابحة، التي تترجم طموحات الشعب العُماني الوفي وتستجيب لتوجيهات القيادة الحكيمة، شراكات مبنية على الحكمة العُمانية والتقنية الصينية.

المصدر: الرؤية