عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: من الدلفين الأحدب إلى حوت البيلوغا الأبيض.. ضاعت حقيقة دلفين قنتب!
بقلم : عباس الزدجالي يبدو أن الدلفين الوردي الذي شوهد قبالة ساحل قنتب بولاية مسقط لم يعد يعرف إلى أي نوع ينتمي، بعدما تنقّل في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بين الدلفين الأحدب المحيطي ودلفين ريسو، ليجد نفسه أخيراً وقد تحوّل إلى كائن يشبه حوت البيلوغا الأبيض القادم من المياه القطبية، ولكن بزعنفة ظهرية مستعارة من دلفين ريسو! بدأت الحكاية في منتصف أكتوبر 2026، عندما شاهد سياح على متن قارب سياحي مجموعة من الدلافين قبالة ساحل قنتب، بينها دلفين أبيض مائل إلى الوردي. لكن إحدى المنصات الإخبارية على «إنستغرام» عمدت إلى دمج الفيديو الأصلي مع مشاهد أخرى لدلافين حدباء وردية اللون صُوّرت قبالة سواحل خانوم جنوبي تايلند، وقدمتها وكأنها جزء من المشاهدة نفسها في المياه العُمانية! وبعد التدقيق في المقطع الأصلي ومقارنة شكل الرأس والزعنفة الظهرية والعلامات المميزة، توصلت إلى أن الدلافين التي ظهرت فيه هي، على الأرجح، من نوع ريسو (Risso’s dolphin)، واسمه العلمي Grampus griseus، وليست من الدلافين الحدباء المحيطية (Sousa chinensis) التي ظهرت في المشاهد التايلندية. وقد نشرت نتائج المقارنة مدعومة بالصور في مقالين بجريدة «الشبيبة»، إلى جانب توضيحات على صفحتي في «فيسبوك»، قبل أن تؤيد إحدى الباحثات في مركز العلوم البحرية والسمكية تحديد النوع نفسه. وكانت هذه المشاهدة لافتة بسبب اللون غير المعتاد لأحد الدلافين، وليس لأنها تمثل اكتشافاً جديداً لنوع ريسو في المياه العُمانية، إذ سبق توثيق وجوده فيها. وظننت أن الأمر قد اتضح، وأن الحقيقة العلمية وجدت طريقها وسط ضجيج المنصات الإخبارية وسباق الإثارة والمشاهدات. لكن المفاجأة لم تتأخر! فقد اتصل بي أحد صحفيي جريدة «عُمان»، وهي صحيفة عريقة ورائدة، مستوضحاً حقيقة الدلفين ونوعه، وزودته بالمقالات والصور ومقاطع الفيديو الأصلية والمقارنة التي استعنت بها في تحديد النوع وكشف التضليل. غير أنني فوجئت بأن الجريدة نشرت على حسابها الرسمي في «إنستغرام» مادة مصورة اكتفت فيها بالإشارة إلى الجهات المختصة دون ذكر مقالاتي السابقة، رغم أنني سبقت ذلك بنشر نتائج المقارنة. ولم تكن تلك المفاجأة الوحيدة؛ فقد نشرت الجريدة صوراً لكائن بحري أبيض أقرب في مظهره إلى حوت البيلوغا (Beluga whale)، واسمه العلمي Delphinapterus leucas، منه إلى دلفين ريسو، ولكن مع زعنفة ظهرية تشبه زعنفة ريسو، وكأن الصور جمعت بين السمات التشريحية لحيوانين مختلفين! فحوت البيلوغا يتميز بجبهته المنتفخة ولونه الأبيض وغياب الزعنفة الظهرية، بينما يمتلك دلفين ريسو زعنفة ظهرية مرتفعة ومنحنية، ورأساً شبه مستدير، وجسماً رمادياً تظهر عليه عادة ندوب وخدوش بيضاء. وقد أظهرت المشاهدة الأصلية في قنتب دلفيناً أبيض مائلاً إلى الوردي مع علامة داكنة مميزة قرب مقدمة الظهر، وهي تفاصيل أبرزتها في رسم توضيحي استند إلى لقطات الفيديو الأصلي. والأغرب أن الجريدة وضعت على صورها الاسم العلمي الصحيح لدلفين ريسو Grampus griseus، وأرفقتها بمعلومات عن خصائصه وبيئته البحرية، رغم أن الهيئة المصورة لا تتطابق مع السمات المعروفة لهذا النوع! ولا يمكن الجزم من الصور المنشورة وحدها إن كانت مولّدة أو معدّلة بالذكاء الاصطناعي، لكن غرابة مظهرها تثير تساؤلاً مشروعاً عن مصدرها وكيفية اختيارها، خصوصاً أن الصور الأصلية ومقاطع الفيديو المقارنة كانت متاحة للجريدة. إن ما حدث يطرح سؤالاً عن دقة التدقيق العلمي والبصري قبل النشر، خصوصاً في المواد المتعلقة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي. فالصور ليست مجرد زينة للخبر، بل جزء من مضمونه، وقد ترسخ لدى القارئ معلومة خاطئة مهما كانت الكلمات المصاحبة لها صحيحة. ولا أشك في أن مثل هذه الأخطاء قد تقع دون قصد، حتى في المؤسسات الصحفية العريقة، لكنها تستوجب التصحيح حرصاً على المصداقية والأمانة المهنية. وهكذا بدأت حكاية دلفين قنتب بدلفين أحدب وردي جاءنا من تايلند عبر «إنستغرام»، وانتهت، حتى الآن، بكائن يشبه حوت البيلوغا القطبي، ولكن بزعنفة ظهرية مستعارة من دلفين ريسو، بينما ظل الدلفين الحقيقي يسبح بهدوء في مياه قنتب، بعيداً عن هذه التحولات الإعلامية العجيبة! ولا أدري إن كانت صحيفة أو منصة أخرى ستفاجئنا غداً بصورة لحوت الأوركا القاتل، وتخبرنا بأنه الدلفين الوردي الذي شاهده السياح قبالة سواحلنا! ارحموا دلفين قنتب، واتركوه يعيش بهويته الحقيقية؛ فقد أرهقتموه بالتجنيس الإعلامي من نوع إلى آخر، حتى كاد يفقد نسبه في عالم البحار!الصور:يُظهر الرسم العلوي تصوراً لهيئة دلفين ريسو الأبيض المائل إلى الوردي، استناداً إلى لقطات مستقطعة من الفيديو الأصلي المصوّر قبالة ساحل قنتب في منتصف أكتوبر ٢٠٢٦، مع إبراز الرأس شبه المستدير والزعنفة الظهرية المرتفعة والعلامة الداكنة قرب مقدمة الظهر. وتظهر أسفله لقطة من المشاهدة الأصلية. وتختلف هذه الهيئة عن صور الكائن الأبيض التي نشرتها جريدة «عُمان» باعتباره دلفين ريسو، إذ يبدو أقرب إلى حوت البيلوغا الأبيض، مع زعنفة ظهرية تشبه زعنفة ريسو، في مزيج غير متسق مع الخصائص التشريحية المعروفة لأيٍّ منهما.رابط المنشور المصور لجريدة «عُمان»
المصدر: الشبيبة