شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

المسافة الدقيقة بين التطوير والتحول

المسافة الدقيقة بين التطوير والتحول

ناجي بن جمعة البلوشي يُقال في بعض الأحيان أن ليس كل حركة دائمة تقدمًا، ولا كل نشاط فعال تحولًا، ولا كل ما يتراكم من إنجازات دليلًا على أنَّ المسار الذي أنتجها هو المسار الصحيح؛ فثمَّة مؤسسات تعمل كثيرًا، وتنتج كثيرًا، وتُعلن كثيرًا، لكنها تظل، في جوهرها، تدور داخل الدائرة الفكرية ذاتها؛ تتغير أدواتها، وتتعدد مبادراتها، وتتجدد مفرداتها، بينما تبقى الفلسفة التي تحكم حركتها عصية على المراجعة. وهنا يكمُن التعقيد: أن يتحول النهج من وسيلة إلى غاية، ومن اختيار قابل للمراجعة إلى مسلّمة لا تقبل المساءلة. وحيث إن النهج، في أصله، ليس حقيقة أبدية، وإنما اجتهاد بشري نشأ في سياق مُعين، والمعلوم أنَّ ما كان صالحًا في مرحلة قد يصبح قاصرًا في مرحلة أخرى، وما كان استجابة مناسبة لتحديات الأمس قد يتحول إلى عائق مكلف للغد، بفعل تغير الواقع. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن هناك مؤسسات وللأسف لا تتعامل دائمًا مع أفكارها بهذه المرونة؛ إذ قد تتحول الممارسة المتكررة فيها إلى ثقافة، والثقافة إلى بنية ذهنية دائمة، ثم تصبح هذه البنية مرجعًا يفسر الواقع من خلاله، بدلًا من أن يعاد النظر على ضوء الواقع نفسه. ومع مرور الوقت، لا يعود نقص الأدوات إشكالا؛ بل في العقل الذي يستخدمها، ولا في غياب المبادرات، وإنما في التصورات التي تحدد طبيعتها واتجاهها؛ فحين تُدار التحديات الجديدة بعقلية قديمة، لا يكون التجديد في كثير من الأحيان سوى إعادة إنتاج للمألوف بأشكال أكثر حداثة. وهنا تنجح المؤسسة في تحسين أدائها دون أن تكون قد راجعت فلسفتها، وقد تطور آليات التنفيذ دون أن تعيد النظر في غاياته، وقد تحقق نتائج ملموسة دون أن تختبر مدى ملاءمة الطريق الذي تسلكه. هذه هي المسافة الدقيقة بين التطوير والتحول؛ فالتطوير يحسن ما هو قائم، أما التحول فيمتلك شجاعة التساؤل عما إذا كان القائم نفسه يحتاج إلى إعادة تأسيس. ولعل أخطر ما يواجه العقل المؤسسي أن يخلط بين الاستمرارية والصواب، وبين الخبرة والعصمة، وبين المحافظة على المكتسبات والتمسك بالوسائل التي أنتجتها. والخبرة التي لا تتجدد تتحول إلى ذاكرة مغلقة، والنجاح الذي لا يخضع للمراجعة قد يصبح ذريعة للاستمرار، والاستقرار الذي لا يسمح بالاختلاف قد ينتهي إلى جمود يتخفى وراء انتظام العمل. وليس كل المؤسسات أسيرة ذات النهج لأنها تفتقر بالضرورة إلى الكفاءات أو الإمكانات، بل قد تكون المشكلة أعمق من ذلك؛ فقد تمتلك من الموارد ما يكفي، ومن الخبرات ما يؤهلها، ومن الأدوات ما يمكنها من التقدم، لكنها تظل محكومة بسقف فكري لا تسمح لنفسها بتجاوزه. ذلك أن التغيير الحقيقي لا يبدأ دائمًا بإضافة مورد أو استحداث إجراء، وإنما قد يبدأ بإعادة النظر في السؤال الذي تنطلق منه المؤسسة أصلًا. ما الغاية التي نعمل من أجلها؟ هل نقيس النجاح بما ننجزه أم بما نغيره؟ وهل نملك الاستعداد والجرأة للتخلي عن فكرة اعتدنا الدفاع عنها، إذا أثبت الواقع أنَّ صلاحيتها لم تعد قائمة؟ هذه ليست أسئلة إجرائية، بل أسئلة تتصل بجوهر الوعي المؤسسي. والإجابة عنها هي التي تحدد ما إذا كانت المؤسسة قادرة على الانتقال من إدارة الواقع إلى إعادة تشكيله. ومن هنا، فإنَّ كثرة الإنجازات، على أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى منطقة آمنة تحتمي بها المؤسسات من مراجعة ذاتها. فالإنجاز يجيب عن سؤال ما تحقق، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال ما كان ينبغي أن يتحقق، ولا عمَّا فات تحقيقه، ولا عما إذا كانت الأولويات قد وُضعت في مواضعها الصحيحة؛ فالتجديد أن نمتلك الجرأة الفكرية على مُراجعة المسلمات التي حكمت عملنا لسنوات، وأن نقبل بأنَّ بعض ما اعتدنا اعتباره صحيحًا قد يحتاج إلى تصحيح جذري، وأن نؤمن فعلا بذلك. والفارق بين مؤسسة تتحرك ومؤسسة تتقدم هو أن الأولى قد تنشغل بإدامة ما اعتادت فعله، بينما تملك الثانية القدرة على مساءلة أسباب فعلها، ومراجعة اتجاهها، وإعادة تعريف أولوياتها كلما تغيرت شروط الواقع. التاريخ لا يكافئ المؤسسات على وفائها لأساليبها القديمة، وإنما على قدرتها على فهم الزمن الذي تعمل فيه. والمستقبل لا يُصنع بتكرار إجابات الماضي، بل بامتلاك الشجاعة لطرح أسئلة جديدة، حتى وإن كانت الإجابة عنها تستلزم التخلي عن قناعات راسخة. ولهذا، فالمُؤسسة التي لا تسائل أفكارها قد تستمر في العمل، لكنها لا تضمن أن عملها يصنع مستقبلًا مختلفًا. والتي لا تراجع مسارها قد تقطع مسافات طويلة، دون أن تنتبه إلى أنها تتحرك داخل الدائرة نفسها. وهنا ليست العبرة بأن نواصل السير، وإنما بأن نمتلك الشجاعة لنسأل، بين حين وآخر: هل ما زلنا نسير في الاتجاه الذي ينبغي أن نسير فيه؟ ذلك لأنَّ أعظم أشكال الجمود ليس توقف الحركة، بل استمرارها دون مراجعة الفكر الذي يحدد وجهتها.

المصدر: الرؤية