كيف تنهض الدول؟ من تجارب الآخرين إلى مستقبل سوريا
لم تصل الدول إلى ما نراه اليوم من تقدم وازدهار في يوم وليلة، بل مرت كثير منها بظروف صعبة، عانت خلالها الفقر والبطالة وضعف التعليم والخدمات الصحية. لكن دولاً مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وتركيا استطاعت أن تتجاوز كثيراً من هذه التحديات، حين وضعت خططاً واضحة، واستثمرت في الإنسان، واهتمت بالتعليم، وطوّرت مؤسساتها، وعملت على الحد من الفساد والمحسوبية. وتختلف تجارب هذه الدول وظروفها، لكن القاسم المشترك بينها هو إدراك أن النهضة لا تتحقق بالأمنيات وحدها، بل تحتاج إلى رؤية واضحة، وإدارة كفؤة، وعمل متواصل، وقدرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى إنجازات ملموسة. وسوريا ليست فقيرة بمواردها أو أبنائها؛ فهي تمتلك مقومات زراعية وصناعية وسياحية، إلى جانب كفاءات بشرية قادرة على الإبداع والعطاء. وما تحتاج إليه هو حسن استثمار هذه الإمكانات، وترتيب الأولويات، ووضع خطط عملية تترجم الطموحات إلى نتائج يشعر بها الناس في حياتهم اليومية. ويبدأ ذلك بالاهتمام بالتعليم والصحة، وتطوير الإدارة، وتسهيل الإجراءات، ومكافحة الفساد والمحسوبية، واختيار الكفاءات المناسبة للمواقع التي تتطلب الخبرة والقدرة على الإنجاز. فبناء المؤسسات الفاعلة أساس مهم لأي مشروع تنموي ناجح. كما أن الاستثمار عنصر أساسي في التنمية، لكنه يحتاج إلى بيئة جاذبة وواضحة، تقوم على القوانين العادلة وتكافؤ الفرص. ومن المهم ألا يقتصر الاهتمام على انتظار المستثمرين، بل أن تعمل الدولة على تهيئة الفرص المناسبة، وبناء شراكات مع الدول المتقدمة، والاستفادة من خبراتها في التكنولوجيا والطاقة والصناعة وسائر المجالات الحيوية. ولا يقل عن ذلك أهمية الاستفادة من الكفاءات السورية في الخارج، وتشجيعها على المشاركة في بناء الوطن، إلى جانب إتاحة الفرصة أمام الطلاب السوريين للدراسة في الجامعات المتقدمة، والتخصص في المجالات التي تحتاج إليها البلاد. فالاستثمار في الإنسان من أكثر الاستثمارات أثراً في مستقبل الدول. ولا يعني الاستفادة من تجارب الآخرين استنساخها، فلكل دولة ظروفها وتحدياتها، وما نجح في مكان قد يحتاج إلى تعديل قبل تطبيقه في مكان آخر. المهم أن نفهم أسباب النجاح، ونستفيد من الدروس التي تناسب الواقع السوري، ونترجمها إلى خطط عملية تراعي احتياجات البلاد وأولوياتها. إن بناء سوريا يحتاج إلى قرارات مدروسة، ومؤسسات تعمل بكفاءة، وشراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، ورؤية واضحة تحدد ما نريد الوصول إليه، وكيف نصل إليه، وما النتائج التي ينبغي تحقيقها في كل مرحلة. فالأوطان لا تنهض بجهد جهة واحدة، وإنما بتكامل الأدوار، وتعاون أصحاب الخبرة، وإخلاص العاملين، وثقة الناس بأن العمل الجاد قادر على إحداث التغيير. إن مستقبل سوريا يحمل فرصاً واسعة، لكن تحويل هذه الفرص إلى واقع يحتاج إلى تخطيط وعمل وصبر، وإلى إرادة تستفيد من تجارب الآخرين دون أن تفقد خصوصية الوطن. وحين تتحول الإمكانات إلى مشروعات ناجحة، والخطط إلى إنجازات ملموسة، تصبح سوريا أقرب إلى المستقبل الذي يتطلع إليه أبناؤها.
المصدر: الوطن