كيف ندرّب الدماغ على تجاوز الصدمات النفسية؟
ليست كل تجربة مؤلمة مجرّد ذكرى سيئة نتجاوزها مع مرور الوقت. فبعض التجارب قد تترك أثراً عميقاً في الصحة النفسية، وتتحوّل إلى صدمات نفسية (Trauma) تنعكس على سلوكنا وتفاصيل حياتنا اليومية. وبين الخيبات العاطفية والخسارات والتجارب الصعبة، تختلف قدرة الأشخاص على التعامل مع الألم والتعافي منه.
فما الذي يجعل تجربة سيئة تتحوّل إلى صدمة نفسية؟ وكيف يؤثر الدماغ في طريقة استجابتنا للأحداث المؤلمة؟ وهل يمكن تدريب الدماغ على تجاوز التجارب الصعبة واستعادة التوازن النفسي؟
في هذا السياق، يشرح د. حسين درويش، جراح الدماغ والأعصاب والعمود الفقري، أنّ "التجارب السيئة جزء لا يتجزأ من الحياة، سواء ارتبطت بالعلاقات الشخصية أو العمل أو الصحة، لكنّ ما يحدّد تأثيرها فينا هو إلى حدّ كبير طريقة تفاعلنا معها"، مؤكداً أن "ليس كل موقف صعب يتحوّل بالضرورة إلى صدمة نفسية (Trauma)، بل إنّ طريقة تعاملنا مع الأحداث تلعب دوراً أساسياً في مسارنا نحو التعافي".

ويشير درويش إلى ضرورة تدريب الدماغ على تقبّل تقلّبات الحياة، بما فيها الأيام السعيدة والصعبة، والنجاحات والإخفاقات، بدلاً من التعامل مع كل تجربة مؤلمة وكأنّها نهاية الطريق. فالحياة لا تسير دائماً وفق توقعاتنا، ومن المهم أن ندرك أنّ الصعوبات والخسارات جزء من التجربة الإنسانية.
ويقدّم مثالاً على ذلك خسارة شخص عزيز أو ابتعاد إنسان عن حياتنا، موضحاً أنّ غياب شخص لا يعني أنّ الحياة انتهت. وقد يُغلق باب ليفتح آخر، وهي فكرة تساعدنا على تدريب أدمغتنا على تقبّل التغيير وتجاوز المراحل الصعبة. وربما لا نجد شخصاً أفضل، لكن الأهم ألّا نسمح للخسارة بأن تمنعنا من مواصلة حياتنا.
متى تصبح التجربة أكبر من قدرتنا على التحمّل؟
ويلفت درويش إلى أنّ من المؤشرات التي تستدعي الانتباه وصول الإنسان إلى مرحلة تعجز فيها حياته اليومية عن الاستمرار بصورة طبيعية، فيفقد القدرة على الأكل أو الشرب أو العمل، ولا يعود قادراً على ممارسة نشاطاته المعتادة أو الاهتمام بنفسه وبما يدور حوله.

من هنا، يشدّد على أهمية الانتباه إلى طريقة حديثنا مع أنفسنا، والأفكار التي نغذّي بها أدمغتنا، إذ إنّ ما نصدّقه عن أنفسنا يؤثّر في طريقة تعاملنا مع الأحداث. وبدلاً من اعتبار التجربة الصعبة نهاية لكل شيء، علينا تذكير أنفسنا بأنّها قد تحدث لأي إنسان، وأنّ تجاوزها ممكن.
فحين ندرّب الدماغ على تقبّل ما حدث، والبحث عن سبل التعافي بدلاً من البقاء أسرى الألم، نمنحه فرصة للتعامل مع التجربة بطريقة مختلفة.
ويختصر درويش هذه الفكرة بعبارة لافتة: "الدماغ لم يُخلق ليجعلنا سعداء، بل خُلق ليُبقينا على قيد الحياة".
المصدر: النهار