من قلب الأم إلى قلب دبي.. ولدت «زينة»
في مدينة تؤمن بأن الأفكار الصغيرة قادرة على صناعة التحولات الكبرى، ولدت قصة استثنائية لثلاثة أشقاء عرب، لم يبحثوا عن فرصة لبناء شركة مالية فحسب، بل أرادوا تغيير الطريقة التي يتعامل بها الناس مع أموالهم.فعلى أرض دبي، اختار فيصل طوقان وسارة طوقان وطلال طوقان، اسماً يحمل معنى عائلياً عميقاً لمشروعهم الطموح، أطلقوا عليه «زينة»، تيمناً بوالدتهم، قبل أن يتحول الاسم إلى علامة بارزة في قطاع التكنولوجيا المالية، ومنصة تخدم نصف مليون مستخدم، وتدعم 290 ألفاً من أصحاب الأعمال والمشاريع الصغيرة والمنزلية، وتتجاوز مدفوعاتها 1.5 مليار دولار.واليوم، تتوج هذه الرحلة بفوز الشركة بـ «جائزة دبي الأفعال» (Dubai-it) عن فئة الشركات في المجال التجاري، بعدما أعلن سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، منحها الجائزة، مهنئاً مؤسسيها وفريق عملها على نجاحهم في تحويل فكرة مبتكرة إلى مشروع ذي أثر اقتصادي ملموس.ولم يكن التكريم احتفاءً بالأرقام وحدها، بل بنموذج ريادي يعكس فلسفة دبي في احتضان المواهب، وتحويل الطموحات إلى إنجازات، إذ أكد سموه أن «زينة» انطلقت من دبي بسواعد شباب عرب، وسهّلت على آلاف الشركات قبول المدفوعات عبر الهاتف، لتقدم مثالاً على اغتنام الفرص والنمو بالطموح وصناعة أثر يتجاوز حدود المشروع نفسه.البدايةتعود جذور الحكاية إلى عام 2020، عندما لاحظ مؤسسو «زينة» أن عمليات مالية بسيطة، مثل تقسيم فاتورة عشاء بين الأصدقاء، أو تحويل مبلغ إلى أحد أفراد الأسرة، أو تحصيل مستحقات عمل مستقل، قد تتطلب إجراءات طويلة، وتبادل أرقام حسابات مصرفية معقدة.ورأى الأشقاء الثلاثة أن المنطقة العربية، بما تمتلكه من طاقات بشرية وريادية، تستحق أدوات مالية أكثر بساطة وملاءمة لاحتياجات مستخدميها. ومن هنا، قرروا العودة من بيئة التكنولوجيا في وادي السيليكون إلى دبي، لتأسيس منصة مالية تنطلق من فهم طبيعة التعاملات اليومية في المنطقة، بدلاً من الاكتفاء باستنساخ النماذج العالمية.بدأت «زينة» تطبيقاً للتحويلات المالية بين الأفراد، قبل أن تتوسع تدريجياً لتقديم خدمات متكاملة للشركات ورواد الأعمال، لتتحول من حل لمشكلة شخصية، إلى مشروع يستهدف واحدة من أبرز العقبات التي تواجه المؤسسات الصغيرة: سهولة تحصيل الأموال وإدارة المدفوعات.منصة مالية متكاملةوجاء التحول الأهم عندما أدرك المؤسسون أن أصحاب الأعمال الصغيرة يحتاجون إلى حلول تسمح لهم بتحصيل المدفوعات دون الاستثمار في أنظمة مصرفية أو تقنية معقدة. فطورت الشركة روابط للدفع، يمكن مشاركتها مع العملاء، وخدمات لقبول المدفوعات عبر رموز الاستجابة السريعة، وحلولاً للتجارة الإلكترونية، إلى جانب تقنية «Tap to Pay»، التي تتيح قبول المدفوعات باستخدام الهواتف الذكية المتوافقة.كما أطلقت بطاقة «زينة» المرتبطة بشبكة «فيزا»، مع دعم المحافظ الرقمية، مثل «أبل باي» و«غوغل باي»، ووسعت خدماتها لتشمل تحويل الأموال وإدارتها عبر تطبيق واحد. وأصبحت هذه الحلول ذات أهمية خاصة للمشاريع المنزلية والمتاجر الصغيرة والعاملين المستقلين، الذين يمثلون شريحة حيوية من الاقتصاد الإماراتي، ويحتاجون إلى أدوات مالية مرنة، تتناسب مع طبيعة أعمالهم وحجم عملياتهم. استثمارات تعزز النموولم تتوقف رحلة «زينة» عند تطوير الخدمات، بل نجحت في جذب اهتمام مستثمرين عالميين، بعدما انضمت عام 2021 إلى برنامج «واي كومبينيتور» الشهير لدعم الشركات الناشئة، وجمعت تمويلاً أولياً بقيمة 7.5 ملايين دولار. وفي سبتمبر 2024، حصلت الشركة على تمويل جديد بقيمة 22 مليون دولار، ضمن جولة استثمارية قادتها «ألتوس فينتشرز»، بمشاركة مؤسسات استثمارية دولية وإقليمية.وبحسب قائمة «فوربس الشرق الأوسط» لأبرز 50 شركة تكنولوجيا مالية لعام 2026، ارتفع إجمالي التمويل الذي جمعته «زينة» منذ تأسيسها إلى 65 مليون دولار، تعادل نحو 239 مليون درهم، في مؤشر على تنامي اهتمام المستثمرين بنموذج أعمالها وفرص توسعها.وتعكس الأرقام النمو المتسارع الذي حققته «زينة»، بعدما أفادت «فوربس» بأن قيمة المعاملات المنفذة عبر المنصة ارتفعت بأكثر من 200 % خلال 2025، في حين تجاوز عدد مرات تنزيل التطبيق 550 ألف مرة بنهاية العام نفسه.كما أعلنت الشركة أن خدماتها باتت تُستخدم لدى واحدة من كل عشر شركات صغيرة ومتوسطة في الإمارات، وفق تقديراتها، وهو ما يعكس اتساع حضورها في قطاع المدفوعات الرقمية.محطة مهمةوشكل أكتوبر 2026 محطة مهمة في مسيرة «زينة»، بعدما أعلنت حصولها على ترخيص خدمات الدفع للتجزئة من الفئة الثالثة، وتصريح لممارسة أنشطة الصرافة من الفئة الرابعة، إضافة إلى ترخيص تسهيلات القيم المخزنة الذي حصلت عليه عام 2024.وتمنح هذه الموافقات التنظيمية الشركة إطاراً للتوسع في خدمات قبول المدفوعات والتحويلات المحلية والدولية، بما يدعم طموحها للتحول إلى منصة مالية شاملة للأفراد والشركات. كما تعزز قدرتها على المنافسة في سوق التكنولوجيا المالية الإماراتية، التي تشهد تطوراً سريعاً مدفوعاً بالتحول الرقمي، ونمو التجارة الإلكترونية، وانتشار حلول الدفع غير النقدي.من دبي إلى العالموتطمح «زينة» إلى تجاوز حدود السوق المحلية، انطلاقاً من رؤيتها لتوفير خدمات مالية أكثر سهولة لمستخدميها في العالم العربي. وتستند هذه الطموحات إلى بيئة دبي التي تجمع بين البنية التحتية الرقمية المتقدمة، والتشريعات الداعمة للابتكار، وإمكانية الوصول إلى المستثمرين والأسواق الإقليمية والعالمية.ولعل أكثر ما يميز التجربة، أنها لم تبدأ بمشروع ضخم أو مؤسسة مالية تقليدية، بل بفكرة بسيطة، آمن بها شباب عرب، ووجدوا في دبي البيئة المناسبة لتحويلها إلى شركة تستقطب الاستثمارات، وتطور المنتجات، وتخدم مئات الآلاف.واليوم، ومع فوزها بجائزة دبي الأفعال، تتحول «زينة» إلى نموذج يعبر عن فلسفة اقتصادية تقوم على أن قيمة المشروعات لا تقاس فقط بحجم رؤوس الأموال، وإنما بقدرتها على حل المشكلات الحقيقية، وتسهيل حياة الناس، وتمكين رواد الأعمال.
المصدر: البيان