دمشق وعمّان.. أسئلة البيان الأردني المحذوف ومستقبل التنسيق
أثار حذف البيان الذي نشرته القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية بشأن إحباط محاولة تسلل مجموعة مسلحة قادمة من الأراضي السورية، بعد وقت قصير من تداوله إعلامياً، تساؤلات تستحق التوقف عندها، فالبيان تحدث عن مجموعة يقدر عدد أفرادها بنحو 14 شخصاً، وعن اشتباك مع قوات حرس الحدود، قبل أن يُحذف من المنصات الرسمية، بما فيها موقع القوات المسلحة وحساباتها. ورغم دلالاته التي يمكن وصفها بالعميقة، لا تتوافر إلى الآن، معلومات رسمية تفسر أسباب الحذف، غير أن هذه الخطوة تطرح أسئلة تتعلق بمسار وصول المعلومات إلى الجهات المعنية، ومستوى التحقق منها قبل نشرها، والظروف التي أدت إلى سحب البيان، وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما يتعلق الأمر بحادثة حدودية بين بلدين تجمعهما علاقات سياسية وأمنية واقتصادية تتطور بشكل متسارع. في السياق، تأتي مسألة الدور الذي تؤديه بعض المنابر الإعلامية في التعامل مع المعلومات الأمنية، فالرغبة في السبق الصحفي قد تدفع أحياناً إلى نشر روايات لم تكتمل عناصرها، ثم تتحول هذه الروايات، بفعل إعادة التداول والتعليقات المصاحبة، إلى مواقف سياسية يصعب احتواء تداعياتها، وتصبح مسؤولية التحقق أكثر إلحاحاً عندما تكون العلاقات بين الدول هي المعنية بالنتائج. في هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى تعليق وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني في تصريح لـ “الشرق بلومبرغ” على سحب الجيش الأردني بيانه، إذ قال: هناك تسرّع في توضيح ما يحدث على الحدود السورية الأردنية، وسحب البيان دليل على عدم وقوع مناوشات على الحدود. وربما يعيد هذا للأذهان ما أثارته دمشق حول وجود من يحاول “جاهداً” التأثير في العلاقات السورية – الأردنية، ففي بيان لوزارة الخارجية والمغتربين أعقب الغارات الأردنية على محافظة درعا، التي أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، أعربت الوزارة حينها عن “يقينها التام” بأن “أطرافاً مشبوهة” تعمل على “تعكير صفو العلاقات بين البلدين وزرع الفتنة وتوتير الأجواء”. وفي التعامل مع تداعيات تلك الغارات، اختارت الدولة السورية مسار التواصل السياسي والأمني، والدفع باتجاه معالجة الخلاف من خلال الحوار والتنسيق المشترك، في خطوة رأى فيها مراقبون مؤشراً إلى إدراك دمشق لأهمية الحفاظ على العلاقة مع الأردن، وعدم السماح للخلافات الميدانية بالتأثير في مجمل مسارات التعاون بين البلدين. وتحمل هذه المسألة أهمية بالغة بالنظر إلى ما شهدته العلاقات السورية- الأردنية خلال الفترة الأخيرة من تطور في مجالات التبادل التجاري والتنسيق الأمني والمشاورات السياسية، فضلاً عن التعاون في قطاعات النقل والطاقة والمياه، وهي مصالح مشتركة تجعل استقرار العلاقة ضرورة عملية للبلدين، وليست فقط خياراً دبلوماسياً. وهنا، يبرز سؤال حول الجهات التي يمكن أن تستفيد من إضعاف هذا المسار، ورغم عدم وجود معطيات كافية لتحديد هذه الجهات أو الجزم بأدوارها، لكن من المهم ألا تتحول الحوادث الحدودية إلى مادة لبناء مواقف متسرعة، أو إلى مناسبة لإعادة إنتاج خلافات لا تخدم مصالح أي من الطرفين. ومما لا شك فيه، ان توضيح ملابسات البيان المحذوف، ومعرفة الأسباب التي أدت إلى سحبه، يصب في مصلحة الأردن وسوريا معاً، فالتنسيق الأمني يحتاج إلى معلومات دقيقة، والعلاقات السياسية تحتاج إلى قدر من الثقة والوضوح، والإعلام يتحمل مسؤولية أساسية في عدم تقديم الروايات الأولية باعتبارها حقائق مكتملة، لأن بين دمشق وعمّان مصالح وشراكة تستحقان أن تكونا حاضرتين في طريقة التعامل مع كل حادثة وتداعياتها. أسرة التحرير
المصدر: الوطن