“لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده”!
عندما ذهَلت الأمّة عن حقيقة أنّ الدّين لا يظهر ولا ينتصر إلا إذا فداه أتباعه بأموالهم وأنفسهم، وُجد في الأمّة من يقول: “لا طاقة لنا اليوم بأمريكا وجنودها”، “لا طاقة لنا اليوم بإسرائيل وترسانتها”! وهي ذات العبارة التي قالها بنو إسرائيل عندما كانوا هم الأمّة المسلمة، في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، حين ملّوا حياة الذلّ والهوان والاستضعاف، فقالوا لنبيّهم في ذلك الوقت: ((ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، وحين اختار الله لهم طالوت، استهزؤوا به لأنّه لم يكن من أغنيائهم ووجهائهم، وظلّوا يجادلون حتى أتاهم الله بالآية البيّنة، فخرجوا للقتال وهم يقدّمون رجلا ويؤخّرون أخرى! على الطّريق، ابتُلوا بنهر في طريقهم، هو نهر الأردن، ونُهوا عن أن يشربوا منه، لكنّهم شربوا منه إلا قليلا منهم. كان تعداد جيش طالوت المؤمن يصل 80 ألف مقاتل، لكنّهم بعد الامتحان لم يبق منهم إلا حوالي 300 رجل، وجدوا أنفسهم في مواجهة ما لا يقلّ عن 100 ألف جنديّ في جيش جالوت الكافر الظّالم. وهنا قال بعض المؤمنين: ((لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ))، فقال ((الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ))، ((وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء)). ذكر القرآن هذه الواقعة لتبقى درسا لعباد الله المؤمنين في كلّ زمان، مفاده أنّ العبرة في أيّ معركة ليست بالعدد والعتاد، إنّما هي بقدر الإيمان وعدالة القضية واستعداد صاحب الحقّ ليضحّي لأجل الحقّ الذي معه. في زماننا وأيامنا هذه، نرى كيف يستهزئ المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في الأمّة بالمرابطين والمجاهدين في غزّة المباركة، ويقولون عنهم إنّهم مغامرون لا يقدّرون العواقب، ويريدون بأسلحتهم المتواضعة وصواريخهم العبثية أن يهزموا الجيش الصهيونيّ وخلفه أمريكا وأوروبا! بل إنّ هؤلاء المرجفين في الأمّة لا يضيّعون فرصة ولا مناسبة إلا حمّلوا المجاهدين في فلسطين مسؤولية حرب الإبادة التي يشنّها الكيان الصهيونيّ المجرم على الأرض المباركة! في بلدنا الجزائر، عايش آباؤنا وأجدادنا في ثورة التحرير مثل هذا النّزع الشيطانيّ النفاقي، عندما اندلعت الثورة المظفّرة، انطلق الحركى والمنافقون يجوسون خلال الدّيار ويوسوسون للشّعب بأنّ “الفلاقة” (المجاهدين) يغامرون بالجزائر وأرواح الجزائريين، ويريدون ببنادق الصّيد أن يهزموا فرنسا بطائراتها ودباباتها ورشاشاتها المتطوّرة ومن خلفها الحلف الأطلسي! نعم، حقيقةً، جيش التحرير الوطنيّ لم يصل تعداد جنوده خلال سنوات الثورة 30 ألف جنديّ، وكان تسليحه غاية في المحدودية، بنادق صيد، وعدد قليل من الرشاشات التي يغنمها المجاهدون من الجيش الفرنسي في المعارك أو يتمّ تهريبها عبر الحدود من دول الجوار. وكان المجاهدون لا يملكون أيّ غطاء جوي يدعمهم، ولا يملكون دبابات ولا أسلحة ثقيلة! في المقابل: كان تعداد الجنود النظاميين لجيش الاحتلال الفرنسيّ يصل نصف مليون جندي، ناهيك عن الحركى! بل قد أشارت بعض الصحف الألمانية إلى أنّ المجاهد الجزائريّ الواحد، كان يقابل 800 جندي فرنسيّ! وكان الضابط في جيش التحرير في مواجهة 3 جنرالات في الجيش الفرنسي! وكان المحتلّ يمتلك عتادا عسكريا حديثا ومتطورا يتوزّع بين الدبابات والمدفعية الثقيلة، وسلاح الطيران الذي يضمّ 750 طائرة. هذا فضلا عن أنواع البنادق والرشاشات الآلية، وفضلا عن شبكات الاتصال المتطوّرة، والمستشفيات الميدانية، والدعم اللوجستي الضخم.. دون أن ننسى دعم الحلف الأطلسي، حتى أنّ رئيس الوزراء البريطاني “ماكميلان” قال في نوفمبر 1957م: “إننا لا نستطيع أن نترك فرنسا تغرق في هذه الباخرة، لأنها تضمّنا جميعا”.. وحتى أمريكا كانت تدعم فرنسا عسكريا ودبلوماسيا، وقد سجّل التاريخ تصريح الجنرال الأمريكي “بايي” في أفريل 1956م، حين قال: “إن الولايات المتحدة الأمريكية ستقدم 300 طائرة من نوع T6، و60 طائرة B26”! فماذا كانت نتيجة حرب التحرير المظفّرة؟ بميزان المخذّلين والمرجفين: جيش التحرير الجزائري دخل في مغامرة غير مدروسة وتسبّب في استشهاد مليون ونصف المليون جزائريّ، أي بمعدّل 548 شهيدٍ في كلّ يوم من أيام الثّورة، وتسبّب في تهجير السكّان وفي خراب المدن والقرى وحرق الأراضي والغابات وإجراء تجارب نووية في صحراء الجزائر! لكن بميزان الأحرار؛ فالجزائر افتكّت استقلالها وحريتها وانفصلت عن الاستعمار الفرنسيّ الصليبيّ، وعادت دولة مسلمة، تُشيّد فيها المساجد ويصدح من مآذنها صوت الأذان، وتُبنى فيها مدارس القرآن ويحفظ أبناؤها كلام الله ويتعلّمون دينهم وعقيدتهم. كما تحرّرت الجزائر، ستتحرّر فلسطين بإذن الله. وكما كَتبَ التاريخ أسماء الأبطال زيغود يوسف وديدوش مراد والعربي بن مهيدي ومصطفى بن بولعيد وعميروش وإخوانِهم، سيكتب على صفحاته أسماء عز الدين القسّام وأحمد ياسين والرنتيسي وإسماعيل هنية والعاروري ومحمّد الضّيف ويحيى السّنوار والملثّم أبي عبيدة وإخوانِهم، ولا عزاء للخونة والمرجفين.
المصدر: الشروق