شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

“أولاد الكلبة” كلُّهم سيّان

“أولاد الكلبة” كلُّهم سيّان

هناك مثل جزائري شهير يقول: “ما عندك ما تخيّر بين أولاد الكلبة”، ويضرب للتعبير عن حالة يوضع فيها المرء أمام خيارات كارثية كلّها، وليس فيها خيار واحد مقبول، فيردّ برفضها جميعا لتشابهها في السوء والشر. هذا المثل الذي يرقى إلى مستوى الحكمة كان ينبغي أن ينطبق على الانتخابات البرلمانية الصهيونية التي جرت يوم 27 أكتوبر المنقضي، فلا يهتم بها عربيّ واحد، لأنه لا فرق جوهريا بين كل “أولاد الكلبة” الصهاينة الذين ترشحوا لهذه الانتخابات، سواء كان بنيامين نتنياهو أو غادي إيزنكوت أو غيرهما، فالجميع سواء في الإجرام والفاشية وفي كره الفلسطينيين والعرب والمسلمين، ومن ثمّ، كان يجب تجاهل هذه الانتخابات والاهتمام فقط بالقضايا الرئيسة للأمة، ولاسيما تلك التي يكاد النسيان يطويها كالمعاناة المتفاقمة للفلسطينيين في غزة مع الجوع والتشرّد والحصار… لكنّ العكس تماما هو الذي حدث؛ إذ “حظيت” هذه الانتخابات باهتمام بالغ فاق التوقّعات في وسائل الإعلام العربية الثقيلة، التي نقلت “الحدث” لحظة بلحظة، وغطّته على المباشر، وخصّصت له ساعات طويلة، وكأنّ الأمر يتعلّق بانتخابات مصيرية في بلد عربي أو إسلامي وليس بكيان استعماري بغيض، استولى على فلسطين وأقام فيها “دولته” السرطانية العنصرية على حساب شعبها الذي أمعن فيه قتلا وتنكيلا وتهجيرا وإذلالا… الكثير من وسائل الإعلام العربية ساندت إيزنكوت بشكل واضح في هذه الانتخابات، ونقلت احتفالات أنصاره بـ”فوز” كتلة التغيير التي يرأسها بـ52 مقعدا، قبل أن يتبيّن لاحقا، مع تقدّم الفرز في الأصوات، أنه لم يحصل سوى على 48 مقعدا مقابل 53 لتكتل نتنياهو، وقد قدّمت لنا وسائل الإعلام العربية إيزنكوت وكأنّه البديل المثالي لنتنياهو وأنّ المنطقة ستعرف سياسة جديدة في ظل رئاسته للحكومة المقبلة، وهذا غير صحيح مطلقا، فكلاهما مجرم حرب، يكفي أن نعرف فقط أنّ إيزنكوت هذا كان رئيس أركان جيش الاحتلال بين 2015 و2019، وعضوا في حكومة نتنياهو خلال حرب غزة الأخيرة، ويداه ملطختان بدماء الكثير من الفلسطينيين في غزة والضفة، وبدماء آلاف اللبنانيين الذين قتلهم في حرب تموز 2006 التي شارك فيها بصفة “قائد المنطقة الشمالية”، كما أنّه يرفض قطعا قيام دولة فلسطينية، وهو يستبعد الآن أيّ إمكانية للتحالف مع “القائمة العربية” احتقارا لفلسطينيي 1948.. أبعد هذا كلّه يصرّ الإعلام العربي على أنّ هناك فرقا بين جرو يهودي وجرو آخر وأنّ بعضهم أرحم بالفلسطينيين من بعض؟! منذ قيام “دولة” الاحتلال في 15 ماي 1948 إلى اليوم، جرت انتخابات برلمانية كثيرة وقامت إثرها حكومات عديدة، من اليمين واليسار، وكانت جميعا تقمع الفلسطينيين، وتقتلهم، وتشرّدهم، وتنكر أبسط حقوقهم السياسية، وكان رؤساؤها المتعاقبون يرفضون كلهم قيام دولة فلسطينية، واليوم يتنافس السّاسة الصهاينة في التطرّف: أيّهم أكثر تشدّدا من الآخر حينما يتعلّق الأمر بالفلسطينيين؟! وأيهم أكثر دموية وقمعا لهم من الآخر؟! لأنهم باتوا يعرفون أنّ هذه الطريقة هي الوحيدة لكسب أصوات الناخبين الصهاينة الذين يزدادون كلّ يوما تطرّفا وفاشية وعنصرية وكرها للفلسطينيين. بالنسبة للمقاومة في غزة لا فرق بين صهيوني وآخر، و”أولاد الكلبة” كلهم سيّان عندها، وهي لا تراهن على إيزنكوت ولا غيره للاعتراف بحقوق الفلسطينيين، بل حتى لتحسين الواقع المعيشي في قطاع غزة عبر السماح ببدء عملية إعادة الإعمار والتدفُّق الحر للمساعدات الدولية لإنهاء المأساة الإنسانية المتواصلة في القطاع منذ أزيد من ثلاث سنوات.. لا شيء سيتغيّر بالنسبة لسكانه ولمقاومته إذا فشل نتنياهو في تشكيل حكومة وكلّف بها إيزنكوت ونجح في تشكيلها لأنه سيختلق الأعذار والمبرّرات لمواصلة الاغتيالات والحصار والتجويع ومنع إعادة الإعمار قصد تيئيس الفلسطينيين بمرور الوقت ودفعهم إلى الهجرة إلى الخارج.. وفي الضفة الغربية المحتلة، لن يختلف الوضع كثيرا عمّا نعرفه الآن من اقتحامات واغتيالات واعتقالات وتدمير للبيوت وتشريد للسكان وإطلاق لقطعان المستوطنين عليهم يسومونهم سوء العذاب. هي قضيّة إيديولوجيا متطرّفة إقصائية توسّعية يقوم عليها كيان فاشي يريد التهام فلسطين كلها من النهر إلى البحر ثم التفرّغ لإقامة “إسرائيل الكبرى” تدريجيّا، وليست قضية حكومة يمينية وأخرى “معتدلة” ستمنح للفلسطينيين حقوقهم، كما يردّد ذوو النيّات “الطيبة”، وبداهة أنّ هذه الحقوق لن تفتكّها إلا المقاومة وحدها.

المصدر: الشروق