إيران تفاوض وتلوّح بتوسيع الحرب... لتحسين شروط التسوية أم استعداداً للمواجهة؟
بين انتقال المحادثات من طهران إلى الدوحة وتوجيهات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بالردّ على أيّ تهديد من دون قيود جغرافية، تتحرّك إيران على مسارين متوازيين: البحث عن تسوية عبر الوساطة القطرية، والاستعداد لمواجهة قد تتجاوز حدودها. وقبل أيام من الانتخابات النصفية الأميركية، يطرح تزامن التحرّك الديبلوماسي والتهديد بالتصعيد العسكري سؤالاً عن وظيفة هذه الرسائل: هل تعزّز شروط التفاوض، أم تعكس استعداداً لتوسّع الحرب إذا أخفقت الوساطة؟
من طهران إلى الدوحة
أجرى مفاوضون إيرانيون محادثات في الدوحة اليوم السبت مع وسطاء قطريين لبحث سبل إنهاء الحرب في الخليج، في وقت يسعى فيه دبلوماسيون إلى تفادي اندلاع جولة جديدة من القتال بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية هذا الأسبوع.
وتتركّز المساعي على ترتيب خطوات متبادلة تُنفّذ خلال أيام، تمهيداً لاستئناف التفاوض المباشر بشأن البرنامج النووي وملفات أخرى. وبحسب "أكسيوس"، الذي نقل عن مصدر ديبلوماسي إحراز "تقدّم إيجابي"، تصطدم الوساطة بمطلبين متعارضين: إصرار واشنطن على تنازلات نووية بالتزامن مع استئناف المحادثات، واشتراط طهران رفع الحصار البحري والإفراج عن الأموال المجمّدة والسماح ببيع النفط أولاً.
وفي محاولة لتجاوز العقدة، يسعى القطريون إلى إقناع إيران بالسماح للمفتّشين الأمميين بزيارة منشآتها النووية التي تعرّضت للقصف، مقابل تخفيف بعض العقوبات الأميركية. وترافق ذلك تباينات داخل الإدارة الاميركية بين مؤيّدي استئناف التفاوض وداعمي مزيد من الضربات، فيما نفى مسؤول في البيت الأبيض أن تؤثّر نتائج الانتخابات في قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب بشأن إيران.
قال مسؤول أميركي لـ"أكسيوس" إنّ وزير الدفاع بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو يشكّكان بشدّة في إمكان التوصّل إلى أيّ اتفاق نووي مع النظام الإيراني الحالي، ويريان أنّ إرث ترامب ينبغي أن يتمثّل في إضعاف النظام أكثر، بما في ذلك عبر توجيه ضربات إضافية. أما نائب الرئيس جي دي فانس ومبعوثَي ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر فيرغبون في استئناف المفاوضات، فيما يشكّك ترامب في أن توافق إيران يوماً على اتفاق يراه مقبولاً. بدوره، وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي يقود حملة ضغط اقتصادي، فهو أحد أقرب مساعدي الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذين يحضّونه على إتاحة الوقت لهذه المبادرة كي تؤتي نتائجها، بدلاً من التسرّع في العودة إلى القتال.
أشار ترامب، الذي شن الحرب في شباط/فبراير إلى جانب إسرائيل، مرارا إلى عزمه استئناف الهجمات على إيران. ودعا خلال الأسبوع الماضي الإسرائيليين قبيل عقد انتخابات هناك إلى انتخاب حليفه في زمن الحرب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وإبقائه في السلطة حتى يتمكن الزعيمان من "إنهاء المهمة".
لكن واشنطن اتخذت في الآونة الأخيرة خطوات تشير إلى انفتاحها على الديبلوماسية. وكتب فانس قبل أيام رسالة إلى مسؤول أمني إيراني كبير، وصفتها صحيفتا "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" بأنها مبادرة رامية لبحث إمكانية استئناف المحادثات.

التفاوض تحت مظلّة الردع
بالتوازي، وجّه خامنئي قادة القوات المسلحة إلى مواجهة أيّ تهديد بردّ "فوري وفاعل ومن دون قيود جغرافية"، مؤكّداً أنّ إيران ستحدّد زمان انتهاء المواجهة وظروفها إذا استؤنفت الهجمات. وشملت توجيهاته تحديث بنك الأهداف، وزيادة إنتاج الأسلحة، والتشديد على الأهمية الاستراتيجية لـ"وحدة جبهات المقاومة"، فيما حذّر الجيش الإيراني من اتّساع رقعة الحرب في حال وقوع هجوم أميركي جديد.
في قراءة لهذا التزامن، يقول الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور فراس إلياس لـ"النهار": يعكس الجمع بين استمرار المفاوضات عبر الوساطة القطرية وتوجيهات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بالردّ الأقصى على أيّ هجوم أميركي تبنّي طهران استراتيجية مزدوجة تقوم على التفاوض تحت مظلّة الردع العسكري، والاستعداد للحرب في حال فشل المسار الديبلوماسي.
ويضيف: "إيران تدرك أنّ المفاوضات الحالية لا تجري في بيئة سياسية طبيعية، بل تحت ضغط التهديدات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، ولذلك تحاول إعادة التوازن إلى المعادلة التفاوضية، من خلال التأكيد أنّ أيّ هجوم جديد لن يكون محدود التداعيات، وأنّ كلفته قد تمتدّ إلى المصالح الأميركية والإسرائيلية في عموم المنطقة".
اختبار لمستقبل الردع
ولا يحصر إلياس وظيفة التوجيهات بتحسين شروط التفاوض، موضحاً: "لا تستهدف هذه التوجيهات تعزيز الموقف التفاوضي الإيراني فحسب، بل تعكس أيضاً تحوّلاً في التفكير الأمني والعسكري لطهران، التي باتت تنظر إلى المواجهة المقبلة، إن وقعت، باعتبارها اختباراً لمستقبل الردع الإيراني، لا مجرّد جولة عسكرية يمكن احتواؤها عبر تبادل الضربات المحدودة". ولذلك تسعى القيادة الإيرانية، بحسب الياس، إلى "إقناع واشنطن بأنّ استئناف الحرب قد يفتح المجال أمام مواجهة إقليمية أوسع، يصعب التحكّم بمساراتها وتداعياتها".
ويتابع: "في المقابل، لا يمكن فصل هذا التصعيد عن إدراك طهران حجم الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها، وحاجتها إلى تسوية تضمن تخفيف هذه الضغوط دون تقديم تنازلات استراتيجية تمسّ ما بقي من عناصر قوّتها. ومن هنا، فإنّ استمرار الوساطة القطرية يمنح إيران فرصة لاختبار إمكان الوصول إلى تفاهمات متبادلة، بينما تمنحها التوجيهات العسكرية هامشاً للردع والاستعداد إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود".
ويخلص إلياس إلى أنّ "طهران لا تتعامل مع التفاوض والحرب بوصفهما خيارين متناقضين، بل مسارين متوازيين يخدم أحدهما الآخر. فهي تفاوض لتجنّب حرب جديدة بشروط تراها مقبولة، وتستعدّ عسكرياً لاحتمال فشل التسوية".
ويشدد على أن "الخطورة تكمن في أنّ توسيع نطاق التهديدات المتبادلة قد يجعل أيّ خطأ في الحسابات كافياً للانتقال من ديبلوماسية الردع إلى مواجهة عسكرية واسعة، خصوصاً إذا اعتقد أحد الطرفين أنّ الوقت لم يعد يعمل لمصلحته".
المصدر: النهار