فعلوها أولاد زينة… في دبي الأفعال
د. صالح سليم الحموري في دبي، حيث لا تُقاس الأحلام بحجم أصحابها، بل بقدرتهم على تحويلها إلى إنجازات، كتب ثلاثة أشقاء أردنيين حكاية نجاح تستحق أن تُروى. لم تبدأ الحكاية بمشروع عملاق، بل بفكرة طموحة، وإرادة لا تعرف المستحيل، واسمٍ عزيز على قلوبهم… اسم والدتهم "زينة".فيصل وسارة وطلال طوقان، ثلاثة أشقاء أردنيين، وجدوا في دبي ما تحتاجه الأفكار كي تتحول إلى واقع: بيئة تؤمن بالمبادرة، وتفتح أبوابها للطموح، وتمنح المبدعين فرصة للتجربة والنمو. فأسسوا منصة “زين “ (Ziina)، التي بدأت بتسهيل التحويلات المالية بين الأفراد، ثم تطورت إلى منصة مالية متكاملة تعيد تصميم تجربة المدفوعات، وتُمكّن أصحاب الأعمال من قبولها عبر هواتفهم، دون الحاجة إلى أجهزة دفع منفصلة.واليوم، تتحدث الأرقام عن نفسها: أكثر من 1.5 مليار دولار في حجم المدفوعات، ونحو 500 ألف مستخدم، وأكثر من 290 ألفًا من أصحاب الأعمال الذين تدعمهم المنصة، إلى جانب إطلاق أكثر من 13 منتجًا وميزة خلال أربع سنوات. لكن الرقم الأجمل في هذه الحكاية ليس المليار ونصف المليار، بل ثلاثة أشقاء أثبتوا أن العقل العربي، حين يجد البيئة المناسبة، يستطيع أن يحوّل الأفكار إلى قيمة اقتصادية حقيقية.وحين أعلن سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم منح شركة «زينة» جائزة دبي الأفعال (Dubai-it) عن فئة الشركات في المجال التجاري، لم يكن التكريم مجرد احتفاء بنجاح شركة ناشئة، بل تجسيدًا لفلسفة دبي التي لا تكتفي بالحديث عن المستقبل، بل تصنعه بالأفعال، ولا تقيس الطموحات بما يُقال عنها، بل بما يتحقق منها.وهنا تكمن المعادلة الجميلة :الأردن أنجب العقول، ودبي احتضنت الطموح، والإنجاز أصبح عربيًا بامتياز.لكن قصة «زينة» أكبر من شركة ناجحة، وأعمق من جائزة مستحقة. إنها تطرح سؤالًا ينبغي أن يشغل صانعي السياسات وقادة المؤسسات: كم من فيصل وسارة وطلال يعيشون بيننا، يحملون أفكارًا واعدة، لكنهم ينتظرون بيئة تمنحهم الثقة بدل التشكيك، والتجربة بدل التعقيد، والفرصة بدل الانتظار؟فالموهبة وحدها لا تصنع النجاح، كما أن رأس المال وحده لا يصنع الابتكار. هناك منظومة متكاملة من التشريعات المرنة، والمؤسسات المُمكِّنة، وثقافة تتقبل المخاطرة، وقيادة ترى في الشباب صُنّاعًا للمستقبل، لا مجرد باحثين عن وظائف.وهذا أحد أهم الدروس التي تقدمها تجربة دبي؛ فالمدينة الناجحة لا تستقطب الاستثمارات فحسب، بل تستقطب الطموحات، ولا تكتفي ببناء البنية التحتية، بل تبني البيئة التي تُطلق قدرات الإنسان. فالقيمة الحقيقية للمدن لا تُقاس فقط بارتفاع أبراجها، بل بارتفاع سقف الأحلام التي يستطيع الناس تحقيقها فيها.أما الأردن، الذي نفخر بعقول أبنائه المنتشرة في العالم، فإن قصة «زينة» تضع أمامه سؤالًا تنمويًا مشروعًا: كيف نحوّل المزيد من المواهب الأردنية إلى شركات ومنتجات وفرص عمل تنطلق من أرضنا، وتنافس في الأسواق العالمية؟ وكيف نستفيد من نجاحات أبنائنا في الخارج لبناء منظومة ريادية أكثر قدرة على احتضان أفكارهم في الداخل؟فالفخر بنجاح الأردنيين خارج وطنهم جميل، لكن الأجمل أن تتحول هذه النجاحات إلى جسور للمعرفة والاستثمار والفرص، وأن يصبح النجاح في الخارج مصدر قوة للاقتصاد في الداخل.وفي الحكاية بُعد إنساني لا يقل جمالًا عن الإنجاز الاقتصادي. ثلاثة أشقاء اختاروا أن يحمل مشروعهم اسم أمهم. وكأنهم أرادوا أن يقولوا إن الابتكار، مهما بلغ من التعقيد التقني، قد يبدأ من أبسط المشاعر الإنسانية: الحب والوفاء والانتماء.وهنا تتجاوز «زينة» كونها منصة مالية، لتصبح رمزًا لمعنى أعمق؛ أن النجاح الحقيقي ليس فقط فيما نحققه لأنفسنا، بل فيما نمنحه من قيمة للآخرين، وفي الأسماء التي نرفعها معنا حين نصل.فهنيئًا لدبي التي احتضنت الطموح وكرّمت الإنجاز، وهنيئًا للأردن بأبنائه الذين يثبتون أن الإبداع الأردني قادر على المنافسة، وهنيئًا لفيصل وسارة وطلال الذين جعلوا من اسم والدتهم قصة نجاح تُروى بفخر.فعلوها أولاد زينة… نشامى الأردن!وفي دبي الأفعال، حوّلوا الحلم إلى إنجاز، والطموح إلى قصة نجاح، وجعلوا من اسم أمهم "زينة” عنوانًا للفخر، ومن إنجازهم زينةً للأردن.ويا زينة… شو حلو لما يصير اسم الأم حكاية نجاح، ولما يثبت أولاد الأردن، وين ما كانوا، إنهم قدّها… وأكثر.* كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية
المصدر: عمون