كلامٌ عن عبد الناصر وترامب.. إقرأوا آخر تقريرٍ من أميركا
سلّط تقرير تحليلي نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية الضوء على كيفية تحوّل المكاسب الميدانية للحملات العسكرية إلى هزائم استراتيجية، مستشهداً بأزمة قناة السويس عام 1956 التي قوّضت مكانة بريطانيا كقوة عظمى. وقارنت المجلة، في التقرير بين تلك الحقبة التاريخية والمواجهة الأميركية الراهنة مع إيران، مؤكدةً أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية المرجوّة. Advertisement وأوضحت أن الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر واجه عام 1956 أزمة تمويل لبناء السد العالي، بعدما ألغت واشنطن دعمها للمشروع، على خلفية توجهاته المناهضة للغرب وتوقيعه صفقة أسلحة ضخمة مع تشيكوسلوفاكيا. وفي 26 تموز 1956، قرر عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس لتمويل بناء السد من رسوم عبور السفن. ورغم التأييد الشعبي الواسع للقرار في مصر، فإنه أثار غضب لندن وباريس، واعتبره رئيس الوزراء البريطاني آنذاك أنطوني إيدن تهديداً للمصالح الدولية. وأشار التقرير إلى أن التحالف السري بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل أسفر عن شن هجوم عسكري على سيناء ومنطقة القناة في أواخر تشرين الأول 1956. ورغم تحقيق القوات المهاجمة تقدماً ميدانياً سريعاً، سرعان ما تعثرت الحملة أمام الضغوط السياسية والاقتصادية. وبحسب المجلة، حسم الموقف الأميركي الصارم، بقيادة الرئيس دوايت أيزنهاور، المواجهة سياسياً، إذ مارست واشنطن ضغوطاً مالية على بريطانيا ورفضت دعم القروض ما لم تنسحب القوات المهاجمة. وأجبر ذلك بريطانيا وفرنسا على وقف إطلاق النار والانسحاب، وانتشرت قوات أممية، قبل إعادة فتح القناة بالكامل تحت السيطرة المصرية في نيسان 1957. وأرجعت "ناشيونال إنترست" الفشل الاستراتيجي للعدوان الثلاثي إلى ثلاثة عوامل رئيسية: الثقة المفرطة بالتفوق الميداني وتجاهل احتمالات الإخفاق خارج ساحة المعركة، وسوء تقدير ردود الفعل الأميركية والسوفييتية والعربية، وغياب خطة لما بعد الحرب. وأوضحت أن القوى المهاجمة اعتقدت أن هزيمة الجيش المصري ستدفع الشعب إلى الانقلاب على عبد الناصر، ما تركها بلا خيارات بديلة عندما صمد النظام المصري. "الفخ نفسه" ورأت المجلة أن الولايات المتحدة تقع اليوم في الفخ نفسه خلال مواجهتها المستمرة مع إيران، معتبرةً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب اعتمدت على التفوق الجوي والضغط العسكري المكثف واستهداف القيادات، بما في ذلك مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وتوجيه ضربات للحرس الثوري، على أمل أن تؤدي الخسائر العسكرية إلى انهيار سياسي سريع أو استسلام النظام الإيراني. لكن، بحسب التقرير، أظهرت الوقائع عجز واشنطن عن حسم الصراع من الجو وحده، في ظل غياب إرادة للتدخل البري. وفي المقابل، تمكن الحرس الثوري من إحكام سيطرته الداخلية، واستغلال الموقع الجغرافي لإيران لتهديد الملاحة في مضيق هرمز والتأثير في تجارة النفط العالمية، إلى جانب تصعيد الهجمات الإقليمية على خطوط الإمداد والمواقع الحيوية. ولفتت المجلة إلى أن التفوق العسكري حجب عن واشنطن تقدير التكاليف الاقتصادية والعسكرية الباهظة للحرب، والتي شملت استنزاف الذخائر الاستراتيجية وارتفاع الأسعار وتراجع الجاهزية العسكرية الأميركية في مناطق أخرى من العالم. وخلص التقرير إلى أن العبرة الأساسية من أزمة السويس لا تتمثل في عدم جدوى القوة العسكرية، بل في أن هزيمة القوات المسلحة للخصم لا تعني تلقائياً تحقيق الأهداف السياسية. وشددت المجلة على أن الاختبار الحقيقي للبيت الأبيض في ملف إيران لن يكون بحجم الأضرار التي يلحقها بطهران، بل بقدرته على تحويل الضغط العسكري إلى تسوية استراتيجية إيجابية طويلة الأمد، وتجنب الخروج من المنطقة بموقع أضعف، كما حدث لبريطانيا وفرنسا قبل سبعة عقود.
المصدر: لبنان 24