معاناة تعز في تقرير رويترز.. أين مسؤولية الحوثيين عن حصار المدينة وتدهور القطاع الصحي؟
أثار تقرير نشرته وكالة رويترز بشأن تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية في محافظة تعز اليمنية انتقادات واسعة، على خلفية إغفالها للسياق المتعلق بالمسؤولية عن استهداف المدنيين والمنشآت الطبية، فضلاً عن عدم الإشارة بوضوح إلى الاتهامات الموجهة لجماعة الحوثيين بشأن حصار المدينة وعرقلة وصول الإمدادات الإنسانية والطبية والغذائية إليها. ونشرت رويترز، الخميس 29 أكتوبر، تقريراً بعنوان "مستشفيات اليمن تنهار مع تصاعد القتال"، تناول الضغوط المتزايدة التي تواجهها المستشفيات في تعز، والنقص الحاد في الأدوية والأكسجين والوقود والمستلزمات الطبية، إلى جانب تزايد أعداد المصابين وتعطل الخدمات الصحية، خصوصاً خدمات رعاية النساء الحوامل والأطفال. غير أن الانتقادات الموجهة للتقرير تركزت على الطريقة التي عرضت بها الوكالة الأحداث، إن "استمرار القتال يمنع يمنع دخول المساعدات الإنسانية"، دون الإشارة إلى مسؤولية الحوثيين عن ذلك أو مسؤوليتهم عن عدد من الهجمات التي طالت المدنيين والمنشآت الطبية، رغم وجود بيانات وتصريحات رسمية وحقوقية تتناول هذه الوقائع وتنسب المسؤولية إلى الجماعة. أمل الصبري.. إصابة امرأة حامل دون الإشارة إلى الجهة المتهمة ومن أبرز النقاط التي أثارت الانتقادات، تناول التقرير قصة أمل الصبري، وهي امرأة تبلغ من العمر 25 عاماً وأم لطفلين وحامل، أصيبت برصاصة قناص استقرت بالقرب من عمودها الفقري، بعد أن ظلت عالقة داخل منزلها في قرية الشقب بمديرية صبر الموادم لمدة يومين. ورغم أن رويترز أفردت مساحة لتفاصيل إصابتها ومعاناتها الصحية، فإنها لم تتناول الاتهامات المحلية والحقوقية التي تحدثت عن قصف حوثي واستهداف لمنطقتها السكنية في جبل صبر والشقب خلال الفترة نفسها، ولم توضح ما إذا كانت قد تحققت من مصدر الرصاصة أو الجهة المسؤولة عن إصابتها. ونشر عدد من المتابعين في منصة إكس تعليقات على خبر رويترز قائلين إن المرأة المصابة اتهمت الحوثيين بقصف منزلها. وكان مركز تعز الحقوقي قد أعلن في 17 أكتوبر توثيق سقوط قتلى وجرحى مدنيين جراء قصف وقنص نسبهما إلى الحوثيين في مناطق سكنية بمديرية صبر الموادم، بينها منطقة الشقب، فيما أعلنت السلطات الأمنية اليمنية في 20 أكتوبر إصابة فتيات جراء قصف قالت إن الحوثيين نفذوه على أحياء سكنية وقرى في جبل صبر. ولا تتعلق الاشكالية بعدم توجيه اتهام مباشر إلى الحوثيين في قصة أمل الصبري، وإنما بعدم الإشارة إلى الوقائع والاتهامات المرتبطة بالمنطقة التي وقعت فيها الإصابة، بما يتيح للقارئ فهم السياق الميداني المحيط بالحادثة. وامتدت الانتقادات إلى الجزء الذي تناول الهجمات على المنشآت الطبية، إذ أشار تقرير رويترز إلى تعرض مستشفى في مديرية صبر الموادم لشظايا قذائف هاون للمرة الثانية خلال الشهر نفسه، كما تحدث عن استهداف سيارة إسعاف أدى إلى مقتل سائقها وأحد المسعفين، ناقلاً هذه المعلومات عن الأمم المتحدة. لكن الوكالة لم توضح في هذا الجزء أيضاً، الاتهامات التي وجهتها السلطات اليمنية والجهات المحلية إلى الحوثيين بشأن استهداف المنطقة السكنية تلك وسيارة الإسعاف التي قتل سائقها، وأصيب الطبيب المسعف، ففي 20 أكتوبر، أدانت السلطة المحلية في تعز القصف الحوثي للأحياء السكنية ومناطق في جبل صبر، كما أدانت استهداف سيارة إسعاف في منطقة الصراري بمديرية المسراخ، وما أسفر عنه من مقتل سائقها وإصابة مسعفين. وفي 25 أكتوبر، نقل موقع يمن مونيتور عن وزيرة الشؤون القانونية في الحكومة اليمنية اتهامها الحوثيين باستهداف سيارة إسعاف كانت تنقل مصابة، ما أدى إلى مقتل سائقها وإصابة أحد المسعفين، كما نقل عن وزير الصحة اتهامه الجماعة باستهداف سيارة الإسعاف بطائرة مسيرة. وكان مركز تعز الحقوقي قد وثق الحادثة ونشر معلومات وصور بشأنها، فيما طالبت السلطات اليمنية بمحاسبة المسؤولين عنها. ومن شأن عرض هذه الحوادث باعتبارها وقائع مرتبطة بتصاعد القتال، دون الإشارة إلى الاتهامات المعلنة بشأن الجهة المسؤولة عنها، أن يحرم القارئ من جانب أساسي لفهم طبيعة الاعتداءات والجهات التي تتهمها الأطراف المحلية بارتكابها. ولعل الجانب الأكثر أهمية في الانتقادات يتعلق بطريقة تناول رويترز للأزمة الإنسانية في تعز. فقد تحدث التقرير عن عزلة المحافظة منذ الثالث من أكتوبر، وعن منع وصول الإمدادات الإنسانية والطبية، والنقص الحاد في الغذاء والوقود والمياه، لكنه لم يحدد الجهة التي تتهمها تقارير أممية وحقوقية بالمسؤولية عن تشديد الحصار وقطع طرق الإمداد. واللافت أن منظمة هيومن رايتس ووتش نشرت في اليوم نفسه، 29 أكتوبر، تقريراً بعنوان "اليمن: الحوثيون يحرمون المدنيين في تعز من الغذاء والدواء"، اتهمت فيه الجماعة صراحة بتطويق المدينة وإغلاق وعرقلة الطرق الرئيسية المؤدية إليها، ومهاجمة الطريق التجاري المتبقي الذي تعتمد عليه المدينة في الحصول على احتياجاتها الأساسية. وقالت المنظمة إن الحصار الذي تفرضه الجماعة منذ سنوات طويلة تفاقم بصورة كبيرة خلال أكتوبر، وإن الحوثيين قطعوا وصول الغذاء والمياه والوقود والأدوية إلى السكان، ما أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية والصحية بصورة خطيرة. وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن القيود المفروضة على الطرق والإمدادات تسببت في حرمان مئات الآلاف من السكان من الاحتياجات الأساسية، وأن الأزمة الإنسانية في تعز تبدو ناجمة بصورة رئيسية عن قطع الحوثيين المدينة عن بقية المناطق اليمنية. كما حذرت المنظمة من أن استخدام التجويع ضد المدنيين، عبر حرمانهم من الغذاء والمياه والأدوية وعرقلة وصول المساعدات، قد يشكل جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني. ولم تقتصر هذه الاتهامات على المنظمة الحقوقية، إذ كان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن في 14 أكتوبر تعذر وصوله وشركائه إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية، بينهم أكثر من 200 ألف امرأة وطفل. وحذر البرنامج من أن مخزونات دقيق القمح أوشكت على النفاد، وأن المواد الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي إلا لفترة قصيرة إذا استمرت قيود الوصول. كما أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 23 أكتوبر أن المدينة ظلت معزولة لمدة 20 يوماً، مع صعوبة دخول المساعدات وخروج المدنيين بسبب قطع الطرق واستمرار المواجهات. وهذه المعطيات تطرح تساؤلات حول سبب عدم تضمين تقرير رويترز الإشارة إلى الاتهامات الحقوقية الدولية المباشرة للحوثيين بشأن الحصار، وعن الفصل بين هذه المعاناة وبين الوقائع والاتهامات المتعلقة بأسبابها والجهات المتهمة بالتسبب فيها. فحين يتناول تقرير صحفي حصار مدينة، وتعطل وصول الغذاء والدواء والوقود، واستهداف المستشفيات وسيارات الإسعاف، وإصابة المدنيين داخل منازلهم، فإن الاكتفاء بوصف النتائج الإنسانية دون عرض الاتهامات الموثقة بشأن المسؤولية عنها يترك صورة ناقصة لدى القارئ. وكان بإمكان رويترز، على الأقل، الإشارة إلى اتهامات السلطات المحلية والجهات الحقوقية للحوثيين بالمسؤولية عن بعض هذه الهجمات، وإلى تقارير هيومن رايتس ووتش، مع توضيح موقف الجماعة من هذه الاتهامات، والفصل بين الوقائع التي تحققت منها الوكالة والادعاءات التي نقلتها عن مصادر أخرى. فالمهنية الصحفية لا تقتصر على نقل حجم المعاناة الإنسانية، بل تشمل أيضاً وضع الأحداث في سياقها، وتحديد الأطراف المتهمة، وعرض الأدلة والاتهامات والردود عليها، حتى لا تتحول التغطية، بقصد أو من دون قصد، إلى مصدر للتضليل. وفي حالة تعز، فإن الحديث عن مستشفيات على وشك الانهيار لا يمكن فصله عن الحديث عن الحصار وقطع طرق الإمداد واستهداف المنشآت المدنية والطبية، وهي وقائع تستوجب عرضاً متكاملاً لا يكتفي بوصف المأساة، بل يتناول أيضاً المسؤوليات التي تشير إليها التقارير الأممية والحقوقية والمحلية.
المصدر: المصدر أونلاين