شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل يملك مجلس الامن سلطة تقرير الوضع النهائي في الصحراء الغربية؟

هل يملك مجلس الامن سلطة تقرير الوضع النهائي في الصحراء الغربية؟

هل يملك مجلس الأمن، بحكم مسؤوليته عن حفظ السلم والأمن الدوليين، سلطة تقرير الوضع النهائي لإقليم غير متمتع بالاستقلال الذاتي، أم أن اختصاصه يظل محكوماً بمبادئ الميثاق، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير المصير؟ سنعالج المسألة قانونياً دون افتراض أن مجلس الأمن يملك سلطة مطلقة، ودون افتراض أن قراراته لا يمكن أن تؤثر في المسارات السياسية. وسنميز بين صلاحية المجلس في اتخاذ تدابير لحفظ السلم، وبين حدود تلك الصلاحية عندما تتصل المسألة بتصفية الاستعمار والوضع النهائي للإقليم. حدود اختصاص مجلس الأمن في التعامل مع الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي: دراسة في المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة والقيود القانونية على سلطة المجلس في تقرير الوضع النهائي للإقليم يُعد تحديد نطاق اختصاص مجلس الأمن من المسائل الأساسية في القانون الدولي المعاصر، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المجلس ضمن الهيكل المؤسسي للأمم المتحدة، وما خوله إياه الميثاق من صلاحيات واسعة في مجال المحافظة على السلم والأمن الدوليين. غير أن اتساع هذه الصلاحيات لا يعني أن مجلس الأمن يتمتع بسلطة مطلقة أو منفصلة عن بقية أحكام الميثاق ومبادئ القانون الدولي. فالمجلس، رغم تمتعه بمسؤولية أساسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، يظل جهازاً من أجهزة منظمة دولية أنشئت لتحقيق مقاصد محددة، ويتعين عليه ممارسة اختصاصاته في حدود القواعد التي تحكم عمل المنظمة. وتبرز أهمية هذه المسألة بصورة خاصة عند التعامل مع الأقاليم غير المتمتعة بالاستقلال الذاتي؛ إذ لا يتعلق الأمر بمجرد نزاع سياسي أو أمني، بل بوضع قانوني يرتبط بمبدأ تصفية الاستعمار وحق الشعوب في تقرير المصير. ومن هنا تطرح قضية الصحراء الغربية إشكالية قانونية مهمة: هل يستطيع مجلس الأمن، في إطار اختصاصه بحفظ السلم والأمن الدوليين، أن يعتمد ترتيبات سياسية تؤثر في المسار المؤدي إلى تحديد الوضع النهائي للإقليم؟ وما الحدود التي ينبغي مراعاتها حتى لا تتحول إدارة النزاع إلى وسيلة لاستباق ممارسة شعب الإقليم لحقه في تقرير المصير؟ لابد من دراسة هذه المسألة من خلال تحليل المادة 24 من الميثاق، وعلاقتها بالمواد 1 و2 و25 و27 و39 و41 و42، والاستناد إلى اجتهادات محكمة العدل الدولية والممارسة العملية لمجلس الأمن. تنص المادة 24، الفقرة الأولى، من ميثاق الأمم المتحدة على أن أعضاء المنظمة يمنحون مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، ويوافقون على أن يعمل المجلس نيابة عنهم عند قيامه بواجباته في هذا المجال. وتنص الفقرة الثانية على أن المجلس، عند أداء هذه الواجبات، يجب أن يعمل وفقاً لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، وأن الصلاحيات المحددة الممنوحة له لهذا الغرض واردة في الفصول السادس والسابع والثامن والثاني عشر من الميثاق. ومن خلال قراءة تلكً النصوص ، يمكن استخلاص ثلاث قواعد أساسية: استخدام الميثاق لعبارة «المسؤولية الرئيسية» (Primary Responsibility) يدل على المكانة المركزية لمجلس الأمن في منظومة حفظ السلم والأمن الدوليين، لكنه لا يعني أن جميع الاختصاصات المتعلقة بالسلم والأمن قد أُسندت إليه بصورة حصرية. فالجمعية العامة، وفقاً للمواد 10 و11 و14، تملك بدورها اختصاصات تتعلق بمناقشة المسائل الدولية وتقديم التوصيات بشأنها، مع مراعاة القيود الواردة في المادة 12. إن النص على أن مجلس الأمن يعمل نيابة عن أعضاء الأمم المتحدة يعني أن سلطاته مستمدة من الميثاق ومن موافقة الدول الأعضاء على النظام المؤسسي الذي أنشأته المنظمة. وبالتالي، لا يجوز تفسير اختصاص المجلس باعتباره اختصاصاً أصلياً غير محدود، وإنما هو اختصاص مؤسسي مصدره الميثاق، وتُحدد حدوده في ضوء أحكامه ومقاصده. تكتسب الفقرة الثانية من المادة 24 أهمية خاصة؛ لأنها لا تكتفي بمنح المجلس صلاحيات، بل تقرر قيداً قانونياً صريحاً على كيفية ممارستها. فالمجلس ملزم بمراعاة مقاصد المنظمة ومبادئها، ومن بينها احترام حق الشعوب في تقرير المصير، الوارد في المادة الأولى، الفقرة الثانية، من الميثاق. وعليه، فإن المادة 24 لا يمكن قراءتها بمعزل عن المادة الأولى؛ لأن صلاحيات حفظ السلم والأمن يجب أن تُمارس في إطار النظام القانوني الذي يجعل تقرير المصير أحد مقاصد المنظمة. تنص المادة 1، الفقرة الثانية، من ميثاق الأمم المتحدة على أن من مقاصد المنظمة إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير المصير، واتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام. ويترتب على ذلك أن تقرير المصير ليس مجرد مسألة سياسية منفصلة عن اختصاص مجلس الأمن، وإنما هو أحد المبادئ التي تدخل ضمن الإطار القانوني العام الذي يتعين على أجهزة الأمم المتحدة احترامه عند ممارسة اختصاصاتها. ومن ثم، فإن العلاقة بين المادتين 1 و24 تقوم على التكامل: تمنح المادة 24 مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، بينما تحدد المادة 1 المقاصد الأساسية التي يجب أن توجه عمل المنظمة ، اما المادة 24 (2) فهي تُلزم المجلس صراحة بمراعاة تلك المقاصد والمبادئ عند ممارسة اختصاصاته. وبناءً على ذلك، لا يصح تفسير اختصاص مجلس الأمن في حفظ السلم على نحو يؤدي إلى إهدار حق الشعوب في تقرير المصير، أو التعامل معه باعتباره مبدأً يمكن تجاوزه بمجرد وجود اعتبارات سياسية أو أمنية. لكن ينبغي التمييز بين احترام تقرير المصير بوصفه مبدأً قانونياً وبين تحديد الآلية العملية التي يُمارس بها. فالمجلس قد يساهم في تهيئة الظروف السياسية والأمنية لممارسة هذا الحق، وقد يدعم صيغة تفاوضية معينة، لكن تقييم مدى استيفاء التسوية النهائية لمقتضيات تقرير المصير يظل مسألة قانونية مستقلة. تتضمن المادة الثانية من الميثاق مجموعة من المبادئ التي تحكم عمل الامم المتحدة والدول الأعضاء، ومن أهمها: * تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية. * الامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها على نحو يتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة. * التعاون مع المنظمة في الإجراءات التي تتخذها وفقاً للميثاق. وتبرز أهمية هذه المادة في أنها تؤكد أن ممارسة السلطات الأممية لا تتم خارج إطار القانون الدولي، وأن أهداف حفظ السلم لا تبرر اتخاذ تدابير تتعارض مع القواعد الأساسية للميثاق. وبالنسبة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، يجب قراءة هذه المبادئ بالتكامل مع الأحكام المتعلقة بتصفية الاستعمار وتقرير المصير.ولا يجوز، على سبيل المثال، استخدام مبدأ السلامة الإقليمية الوارد في المادة 2 (4) باعتباره قاعدة تسمح تلقائياً بإسقاط حق شعب إقليم غير متمتع بالاستقلال الذاتي في تقرير مصيره؛ لأن نطاق تطبيق المبدأين وسياقهما القانوني مختلفان، ويجب التوفيق بينهما وفقاً للميثاق والقانون الدولي.يتبع …. يتمتع مجلس الأمن بهامش واسع من التقدير عند تحديد وجود تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل من أعمال العدوان، وذلك بموجب المادة 39 من الميثاق. وتنص هذه المادة على أن المجلس يحدد وجود أحد هذه الأوضاع، ثم يقدم التوصيات أو يقرر التدابير الواجب اتخاذها وفقاً للمادتين 41 و42، للمحافظة على السلم والأمن الدوليين أو إعادتهما إلى نصابهما. غير أن السلطة التقديرية لا تعني السلطة غير المحدودة.فثمة فارق بين حرية المجلس في تقدير طبيعة الخطر الذي يهدد السلم والأمن، وبين إعفائه من الالتزام بالقواعد القانونية الآمرة التي تحكم ممارسة اختصاصاته. ويمكن تحديد القيود الرئيسية على سلطة مجلس الامن فيما يلي: لا يجوز للمجلس ممارسة صلاحيات لا تجد أساساً لها في الميثاق، أو تفسير اختصاصاته بطريقة تنقل إليه صلاحيات لم تُمنح له. تنص المادة 24 (2) صراحة على ضرورة التزام المجلس بمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها. 3- قيد الحقوق والمبادئ الأساسية للقانون الدولي. لا يجوز تفسير سلطات المجلس على نحو يؤدي إلى إهدار القواعد القانونية ذات المكانة الأساسية، مع مراعاة طبيعة الالتزامات الدولية ومصادرها. يجب التمييز بين التدابير المؤقتة أو الأمنية التي تهدف إلى منع تفاقم النزاع، وبين القرارات التي يُراد منها حسم الوضع القانوني النهائي لإقليم أو تقرير السيادة عليه. وتأسيساً على ذلك، فإن سلطة المجلس في إدارة النزاعات لا ينبغي الخلط بينها وبين سلطة غير محدودة في إعادة تشكيل المراكز القانونية الإقليمية. يستطيع مجلس الأمن ، في إطار اختصاصاته، اتخاذ تدابير تتعلق بوقف إطلاق النار، ومراقبة الهدنة، وإنشاء أو تمديد بعثات حفظ السلام، وفرض تدابير غير عسكرية أو عسكرية في الحالات التي تتوافر فيها شروط الميثاق.لكن هذه الصلاحيات لا تعني أنه يتحول إلى محكمة دولية مختصة بالفصل في جميع المنازعات المتعلقة بالسيادة الإقليمية. إن وجود اختصاص للمجلس في انشاء بعثة للسلام او تمديد آجالها او دعمه للمفاوضات بين الأطراف لا يعني بالضرورة امتلاكه سلطة حسم السيادة دون مراعاة القواعد الآمرة والمنظمة لتقرير المصير.والحجة القانونية الأدق هي أن مجلس الأمن لا يملك سلطة مستقلة وغير مقيدة لحسم الوضع النهائي لإقليم غير متمتع بالاستقلال الذاتي بما يتجاوز اختصاصاته، أو بما يؤدي إلى إهدار حق شعبه في تقرير المصير. تنص المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة على أن أعضاء المنظمة يوافقون على قبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفقاً لأحكام الميثاق. وتُعد هذه المادة الأساس القانوني لالتزام الدول الأعضاء بتنفيذ القرارات الصادرة عن المجلس في نطاق اختصاصاته.لكن من الضروري التمييز بين مسألتين: * هل يتضمن القرار حكماً مقصوداً به إنشاء التزام قانوني على الدول الأعضاء؟ فليس كل ما يرد في قرارات مجلس الأمن 6يتمتع بالدرجة نفسها من الإلزام. وقد تكون بعض الفقرات ذات طبيعة تقريرية أو توصوية، بينما تتضمن فقرات أخرى قرارات ملزمة، بحسب صياغتها وسياقها ومضمونها والظروف المحيطة باعتمادها.ولذلك لا يجوز الاكتفاء بعبارة «قرار مجلس الأمن» للقول إن جميع فقراته ملزمة بالدرجة نفسها.يتبع يُعد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 21 يونيو 1971 بشأن الآثار القانونية لاستمرار وجود جنوب أفريقيا في ناميبيا من أهم المراجع القضائية المتعلقة بالقيمة القانونية لقرارات مجلس الأمن. وقد تناولت المحكمة في هذا الرأي تفسير المادة 25 من الميثاق، ومدى ارتباط إلزامية قرارات مجلس الأمن بالإجراءات المنصوص عليها في الفصل السابع.وأوضحت المحكمة أن تحديد ما إذا كان القرار يشكل قراراً ملزماً لا يعتمد فقط على الإشارة الصريحة إلى مادة معينة من الميثاق، بل يجب النظر في صياغة القرار، والمناقشات التي سبقته، والأحكام المستند إليها، وجميع الظروف التي تساعد على تحديد آثاره القانونية.كما خلصت المحكمة إلى أن القرارات المعنية بشأن ناميبيا كانت ملزمة للدول الأعضاء، لأنها اتخذت وفقاً لمقاصد الميثاق ومبادئه وبما يتفق مع المادتين 24 و25. وتكتسب هذه السابقة أهمية في موضوعنا من ناحيتين: الأولى: أنها تؤكد أن قرارات مجلس الأمن قد تكون ملزمة حتى دون أن يذكر القرار صراحة أنه صدر بموجب الفصل السابع. الثانية: أنها تربط إلزامية القرار بصدوره وفقاً للميثاق، وتؤكد أهمية دراسة مضمونه وسياقه، لا مجرد النظر إلى الجهة التي أصدرته. إذا اعتمد مجلس الأمن قراراً يتعلق بالوضع السياسي للصحراء الغربية، فينبغي تحليل كل فقرة من فقراته بصورة مستقلة، وتحديد طبيعتها القانونية ومدى إلزاميتها.كما ينبغي عدم الخلط بين إلزامية القرار وبين مدى كفاية مضمونه لإنهاء مسألة تصفية الاستعمار. فحتى لو كان قرار معين ملزماً للدول الأعضاء في جوانب محددة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه حسم بصورة نهائية حق شعب الإقليم في تقرير المصير، ما لم يكن مضمونه القانوني والوقائع ذات الصلة يسمحان بهذا الاستنتاج وفقاً للقواعد الدولية. هل يشترط الفصل السابع حتى تكون قرارات المجلس ملزمة؟ اذ تثير هذه المسألة جدلاً قانونياً مهماً.فالمادة 25 لم تنص على أن الالتزام بتنفيذ قرارات مجلس الأمن يقتصر على القرارات الصادرة بموجب الفصل السابع.وقد أوضحت محكمة العدل الدولية في رأي ناميبيا أن إلزامية القرار تتحدد من خلال تفسير نصه وسياقه والأساس القانوني الذي يستند إليه. ومن ثم، يمكن أن يكون القرار ملزماً في حالات معينة دون أن يتضمن إحالة صريحة إلى الفصل السابع.لكن ذلك لا يعني أن جميع قرارات المجلس ملزمة؛ إذ يجب فحص طبيعة الصياغة، والهدف من الفقرة، والسياق القانوني، ومدى قصد المجلس إنشاء التزام قانوني.وهذا التمييز مهم عند دراسة قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالصحراء الغربية، لأنها تتضمن فقرات تتصل بالمفاوضات والدعوات السياسية والتمديد الإداري لولاية البعثة. اعتمد مجلس الأمن القرار 2797 (2025) في 31 أكتوبر 2025، ومدد ولاية المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026. وتضمن القرار دعماً للمفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع النص على أن الحل السياسي النهائي ينبغي أن يوفر تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية. كما أشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل نتيجة ممكنة في إطار التسوية. وتكشف قراءة القرار عن وجود عنصرين أساسيين: * عنصر سياسي يتمثل في توجيه المفاوضات نحو أساس تفاوضي معين. * عنصر قانوني يتعلق بالنتيجة النهائية التي ينبغي أن تتضمن ممارسة شعب الصحراء الغربية لحقه في تقرير المصير. وهنا ينبغي التأكيد على أن دعم مجلس الأمن مقترحاً سياسياً لا يساوي، من الناحية القانونية، إعلان سيادة طرف معين على الإقليم.كما أن الإشارة إلى الحكم الذاتي بوصفه نتيجة ممكنة لا تعني أن القرار قد قرر بصورة نهائية أن هذا المقترح يحقق تلقائياً متطلبات تقرير المصير. 2- هل يملك مجلس الأمن تحديد النتيجة النهائية للمفاوضات؟ يمكن النظر إلى المسألة من خلال التمييز بين ثلاثة أوضاع: يملك مجلس الأمن، في إطار اختصاصاته، تشجيع الأطراف على التفاوض، وتحديد أولويات سياسية، ودعوة الأمين العام ومبعوثه الشخصي إلى تيسير الحوار. يمكن للمجلس أن يعبر عن دعمه لمقترح معين باعتباره أساساً للمناقشات، كما فعل في القرار 2797 (2025).لكن هذا الدعم لا يؤدي وحده إلى تحويل المقترح إلى تسوية نهائية ملزمة لشعب الإقليم. إذا أريد اعتبار قرار ما حاسماً للوضع النهائي للإقليم، فيجب بحث مدى توافقه مع حق تقرير المصير، ومعايير تصفية الاستعمار، والإرادة الحرة لشعب الإقليم.وبالتالي، فإن الإشكالية لا تكمن في مجرد قيام مجلس الأمن بدعم مقترح الحكم الذاتي، بل في مدى إمكانية تفسير هذا الدعم على أنه بديل عن ممارسة شعب الإقليم لحقه في تقرير المصير. والقراءة القانونية للقرار 2797 (2025) تقتضي عدم الفصل بين الفقرة التي تتناول أساس المفاوضات والفقرة التي تؤكد أن الحل النهائي ينبغي أن يوفر تقرير المصير. 3- حدود الأثر القانوني للمادة 25 في مواجهة حق تقرير المصير قد يثار اعتراض مفاده أن قرارات مجلس الأمن، إذا كانت ملزمة بموجب المادة 25، ينبغي أن تُنفذ حتى لو تعلقت بمسائل سياسية أو إقليمية.لكن هذا الاعتراض يخلط بين إلزامية القرار وبين حدود الاختصاص الذي صدر في إطاره.فالمادة 25 نفسها تقرر أن الالتزام بتنفيذ قرارات المجلس يكون وفقاً لأحكام الميثاق.ومن ثم، فإن إلزامية القرار لا تعني أن المجلس يستطيع تجاوز القيود المفروضة عليه بموجب المادة 24 (2)، أو أن القرار يصبح مصدراً مستقلاً لإلغاء مقاصد المنظمة ومبادئها. إلزامية قرارات مجلس الأمن لا تنفصل عن مشروعية صدورها في إطار الميثاق، ولا تعني أن جميع النتائج السياسية التي قد تترتب عليها تصبح تلقائياً حاسمة للوضع القانوني النهائي للإقليم. 1- قضية النفقات المعينة للأمم المتحدة لعام 1962 يُعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 20 يوليو 1962 بشأن النفقات المعينة للأمم المتحدة من أهم السوابق المتعلقة بتوزيع الاختصاصات بين الجمعية العامة ومجلس الأمن.وقد تناولت المحكمة في هذا الرأي طبيعة عمليات الأمم المتحدة في الكونغو وقوة الطوارئ الدولية الأولى، ومدى إمكانية اعتبار النفقات المرتبطة بها نفقات للمنظمة وفقاً للمادة 17 من الميثاق.كما ناقشت العلاقة بين اختصاص مجلس الأمن واختصاص الجمعية العامة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين. وتبرز أهمية هذه السابقة في أنها تؤكد أن المسؤولية الرئيسية لمجلس الأمن لا تعني أن الجمعية العامة محرومة من جميع الاختصاصات المتعلقة بالسلم والأمن.فالمسؤولية الرئيسية لا تعني بالضرورة المسؤولية الحصرية. لكن يجب عدم تحميل هذا الرأي أكثر مما يحتمل؛ فهو لا يقرر أن الجمعية العامة تستطيع في جميع الحالات إنشاء قوة عسكرية أو استبدال بعثة أنشأها مجلس الأمن.وتتمثل أهميته في تأكيد ضرورة قراءة اختصاصات أجهزة المنظمة بصورة متكاملة، مع مراعاة الحدود التي وضعها الميثاق لكل جهاز. تؤكد قضية ناميبيا أن قرارات مجلس الأمن يمكن أن تكون ملزمة للدول الأعضاء، وأن آثارها القانونية قد تمتد إلى مسائل تتعلق بالوضع القانوني لإقليم خاضع لنظام تصفية الاستعمار. لكن هذه السابقة لا تثبت أن مجلس الأمن يملك سلطة مطلقة لتقرير الوضع النهائي لأي إقليم.بل إنها تبرز أهمية دراسة الأساس القانوني للقرار، وطبيعة الالتزامات التي ينشئها، وعلاقته بمقاصد الميثاق ومبادئه.وتتمثل القيمة التطبيقية لقضية ناميبيا في أنها تقدم نموذجاً لدور مجلس الأمن في دعم عملية إنهاء وضع غير مشروع متعلق بإقليم خاضع لنظام دولي خاص.ومن ثم، يمكن الاستفادة منها في بيان أن المجلس يستطيع اتخاذ قرارات ذات آثار قانونية مهمة في سياق تصفية الاستعمار، دون أن يعني ذلك أن سلطته تحل محل حق الشعب المعني في تقرير المصير. 3- الرأي الاستشاري بشأن الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة لعام 2004 يُعد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 9 يوليو 2004 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن تشييد الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة مرجعاً مهماً في تأكيد الطبيعة القانونية لحق الشعوب في تقرير المصير.وقد أكدت المحكمة في هذا الرأي أن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير حق ذو طبيعة قانونية معترف بها دولياً، وأن بعض الالتزامات المرتبطة بحمايته تكتسب طبيعة الالتزامات تجاه المجتمع الدولي ككل (Erga Omnes). وتكمن أهمية هذه السابقة بالنسبة للصحراء الغربية في أنها تعزز فهم تقرير المصير باعتباره حقاً قانونياً لا مجرد هدف سياسي. كما تدعم فكرة أن حماية هذا الحق ليست مسألة تقتصر آثارها على طرفي نزاع بعينه، بل تتصل بمصالح قانونية أوسع للمجتمع الدولي علي الدول والمنظمة واجب حمايتها . تنص المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة على أنه إذا تعارضت التزامات أعضاء المنظمة بموجب الميثاق مع التزاماتهم بموجب أي اتفاق دولي آخر، فإن الالتزامات الناشئة عن الميثاق تكون لها الأولوية.وتُعد هذه المادة من أهم القواعد المنظمة للعلاقة بين الميثاق والاتفاقات الدولية الأخرى. لكن يجب الانتباه إلى أن المادة 103 تتعلق بأولوية الالتزامات الناشئة عن الميثاق، ولا تعني أن كل قرار يصدر عن مجلس الأمن يتمتع تلقائياً بالأولوية على جميع قواعد القانون الدولي. فالأمر يتطلب أولاً تحديد ما إذا كان القرار ينشئ التزاماً صحيحاً في إطار الميثاق، وما إذا كان هناك تعارض حقيقي بين هذا الالتزام والتزام آخر ناشئ عن اتفاق دولي. لكن السؤال : هل تسمح المادة 103 بتجاوز حق تقرير المصير؟ لا يصح تفسير المادة 103 باعتبارها نصاً يسمح لمجلس الأمن بتجاوز جميع القواعد القانونية الدولية.ذلك أن المادة تتعلق بالأولوية بين الالتزامات الناشئة عن الميثاق والالتزامات الناشئة عن الاتفاقات الدولية الأخرى، ولا تمنح المجلس سلطة مستقلة لتعديل الميثاق أو تعطيل مقاصده ومبادئه. كما أن المادة 24 (2) تفرض على مجلس الأمن نفسه الالتزام بمقاصد المنظمة ومبادئها.ومن ثم، لا يجوز استخدام المادة 103 للقول إن أي قرار لمجلس الأمن، بصرف النظر عن أساسه القانوني أو مضمونه، يمكن أن يلغي حق الشعوب في تقرير المصير. والأدق قانونياً أن يقال إن المادة 103 قد تمنح أولوية لالتزام صحيح ناشئ عن الميثاق عند تعارضه مع التزام اتفاقي آخر، لكن تطبيقها لا يعفي من ضرورة التحقق من مشروعية القرار وتفسيره في إطار الميثاق. ويجب أيضاً التمييز بين حق تقرير المصير بوصفه مبدأً في الميثاق وقاعدة من قواعد القانون الدولي، وبين التزامات اتفاقية محددة قد تتعارض معه؛ فلا يمكن حسم هذه المسائل بمجرد الاستناد إلى المادة 103 دون تحليل مصدر القاعدة القانونية وطبيعتها.يتبع … في ضوء ما سبق، يمكن تطبيق القواعد القانونية على قضية الصحراء الغربية من خلال النقاط التالية: أولاً: اختصاص مجلس الأمن بإدارة الوضع الأمني يمتلك مجلس الأمن صلاحية التعامل مع المخاطر التي تهدد السلم والأمن في الصحراء الغربية، واتخاذ التدابير التي يراها مناسبة ضمن الميثاق، بما في ذلك إنشاء بعثات أممية أو تمديد ولاياتها أو تعديل مهامها.ولا يوجد ما يمنع المجلس من اعتماد ترتيبات أمنية أو سياسية تسهم في تهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى تسوية. ثانياً: عدم تطابق إدارة النزاع مع تقرير الوضع النهائي إن صلاحية المجلس في إدارة النزاع لا تعني أن جميع المسائل المتعلقة بالسيادة وتقرير المصير تدخل ضمن سلطته التقديرية المطلقة.فالوضع النهائي للصحراء الغربية يرتبط بمبادئ تصفية الاستعمار وبالحق القانوني لشعب الإقليم في تقرير المصير.ومن ثم، ينبغي التمييز بين التدابير التي يتخذها المجلس لإدارة النزاع وبين أي تفسير قد يؤدي إلى اعتبار هذه التدابير حاسمة للوضع النهائي. إن اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي كأحد الأسس للمفاوضات بموجب القرار 2797 (2025) لا يساوي، من الناحية القانونية، إعلان السيادة المغربية على الإقليم.كما لا يثبت بذاته أن شعب الصحراء الغربية قد مارس حقه في تقرير المصير أو وافق على الوضع السياسي النهائي المقترح. ويجب أن يُقرأ القرار كاملاً، ولا سيما النص الذي يشترط أن يوفر الحل السياسي النهائي تقرير المصير لشعب الإقليم. رابعاً: عدم اعتبار انتهاء ولاية المينورسو حاسماً للوضع القانوني للإقليم إن عدم تجديد ولاية المينورسو لا يؤدي إلى إنهاء وضع الصحراء الغربية باعتبارها إقليماً غير متمتع بالاستقلال الذاتي.كما لا يؤدي إلى إسقاط اختصاص الجمعية العامة في متابعة مسألة تصفية الاستعمار، ولا يلغي حق شعب الإقليم في تقرير المصير. فانتهاء ولاية بعثة أممية مسألة مؤسسية تتعلق بمدة التفويض، بينما المركز القانوني للإقليم وحقوق شعبه مسألة مستقلة تحكمها قواعد القانون الدولي. إن تعذّر التوصل إلى قرار جديد بشأن المينورسو يطرح مسألة استمرار دور الأمم المتحدة في المحافظة على الاستقرار ومراقبة التطورات الميدانية. وهنا ينبغي دراسة صلاحيات الجمعية العامة والأمين العام، ومدى إمكانية إنشاء آلية رقابية بديلة. من خلال تحليل مواد الميثاق واجتهادات محكمة العدل الدولية والممارسة المؤسسية للأمم المتحدة، يمكن استخلاص النتائج التالية: 1. اختصاص مجلس الأمن اختصاص مؤسسي مقيد بالميثاق.إن المادة 24 تمنح المجلس المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، لكنها تلزمه صراحة بالعمل وفقاً لمقاصد المنظمة ومبادئها. 2. تقرير المصير أحد المقاصد الأساسية للأمم المتحدة.إن المادة 1 (2) تجعل احترام حق الشعوب في تقرير المصير جزءاً من النظام القانوني الذي يحكم عمل المنظمة وأجهزتها. 3. المسؤولية الرئيسية لا تعني المسؤولية الحصرية.لا يؤدي منح مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن إلى حرمان الجمعية العامة من جميع الاختصاصات ذات الصلة، وإنما يجب تحديد نطاق كل جهاز وفقاً للميثاق. 4. قرارات مجلس الأمن ليست جميعها متماثلة من حيث الإلزام.تتحدد الطبيعة القانونية للقرار من خلال صياغته وسياقه والأساس الذي يستند إليه، وفقاً للمعايير التي أوضحتها محكمة العدل الدولية في رأي ناميبيا لعام 1971. 5. لا يجوز الخلط بين إدارة النزاع وحسم الوضع النهائي.إن صلاحيات المجلس في وقف إطلاق النار وإنشاء البعثات وتوجيه المفاوضات لا تعني تلقائياً امتلاكه سلطة حسم السيادة أو تقرير الوضع النهائي للإقليم خارج إطار القواعد الدولية ذات الصلة. 6. المادة 103 لا تمنح المجلس سلطة مطلقة.أولوية التزامات الميثاق لا تعني إعفاء أجهزة المنظمة من الالتزام بالميثاق نفسه أو من مراعاة مقاصده ومبادئه. 7. القرار 2797 (2025) يجب تفسيره في مجموعه.فدعم مقترح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات لا ينبغي فصله عن النص الذي يربط الحل النهائي بتقرير المصير لشعب الصحراء الغربية. 8. انتهاء ولاية المينورسو لا ينهي المركز القانوني للإقليم.فالتفويض المؤسسي للبعثة يختلف عن الوضع القانوني للصحراء الغربية وحق شعبها في تقرير المصير. يتضح من التحليل أن مجلس الأمن يتمتع بصلاحيات واسعة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، غير أن هذه الصلاحيات ليست مطلقة، وإنما تمارس في إطار ميثاق الأمم المتحدة ومقاصده ومبادئه. وتشكل المادة 24 (2) الأساس القانوني الأوضح لهذا القيد، لأنها تلزم المجلس صراحة بالعمل وفقاً لمقاصد المنظمة ومبادئها، وفي مقدمتها احترام حق الشعوب في تقرير المصير، الوارد في المادة 1 (2). كما تكشف اجتهادات محكمة العدل الدولية، ولا سيما قضيتي ناميبيا والنفقات المعينة للأمم المتحدة، عن ضرورة تفسير صلاحيات أجهزة المنظمة في إطار الميثاق، وعدم اعتبار الاختصاصات الممنوحة لأي جهاز اختصاصات مطلقة أو منفصلة عن بقية النظام القانوني للأمم المتحدة. وبتطبيق هذه القواعد على الصحراء الغربية، يتبين أن مجلس الأمن يستطيع اتخاذ التدابير الأمنية والسياسية اللازمة لإدارة النزاع، وأنه يستطيع دعم مقترحات تفاوضية معينة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه سلطة حسم الوضع النهائي للإقليم أو استبدال إرادة شعبه في ممارسة حقه في تقرير المصير. وعليه، فإن المسألة القانونية الأساسية ليست إنكار دور مجلس الأمن في إدارة النزاع، وإنما تحديد الحدود الفاصلة بين سلطته في حفظ السلم والأمن وبين الحق القانوني لشعب الإقليم في تحديد وضعه السياسي بكل حرية طبقا لمبدأ تقرير المصير .

المصدر: الشروق