شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

شباب سهل نينوى يبحثون عن مستقبل في بلداتهم.. البطالة وضعف التمويل يدفعان نحو الهجرة

شباب سهل نينوى يبحثون عن مستقبل في بلداتهم.. البطالة وضعف التمويل يدفعان نحو الهجرة

 نينوى / سيزر جارو

يواجه شباب سهل نينوى تحديات اقتصادية واجتماعية تدفع بعضهم إلى التفكير بالهجرة بحثا عن فرص عمل وحياة أكثر استقرارا، فيما يحاول آخرون تأسيس مشاريع صغيرة أو تطوير مبادرات محلية تتيح لهم البقاء في بلداتهم. ومن القوش إلى بغديدي وبرطلة وتلكيف وتللسقف وكرملس، تتكرر الأسئلة بشأن فرص العمل ومستقبل الخريجين وإمكانية بناء حياة مستقرة في منطقة يرتبط بها الشباب عائليا وثقافيا، وسط تفاوت الفرص المتاحة وصعوبة التخطيط للمستقبل.

وفي هذه المنطقة الواقعة إلى الشمال والشرق من مدينة الموصل، تتجاور بلدات تتميز بتنوعها الاجتماعي والثقافي، وتعيش مجتمعاتها تحولات تركت آثارها في تفاصيل الحياة اليومية. فمنذ أحداث عام 2014، التي دفعت أعدادا كبيرة من سكان نينوى إلى النزوح، امتدت تحديات العودة إلى ما هو أبعد من استعادة المنازل، لتشمل إعادة بناء مصادر الدخل، وتحسين الخدمات والتعليم، وتوفير الظروف التي تسمح للعائلات بالتخطيط لمستقبلها.
ورغم عودة الحياة إلى أجزاء من المنطقة، ما تزال التحديات الاقتصادية والاجتماعية تؤثر في خيارات الشباب. فالبقاء في البلدة لا يضمن العثور على عمل مناسب، والعودة إلى المنزل قد لا تترافق مع استعادة مصادر الدخل السابقة، فيما لا تكفي الشهادة الجامعية وحدها للحصول على وظيفة تتناسب مع سنوات الدراسة. وفي ظل هذه الظروف، تصبح الهجرة خيارا مطروحا أمام بعض الشباب الذين يجدون أن الفرص المتاحة لا تستجيب لطموحاتهم.
في بغديدي، تتجسد هذه المعضلة في تجارب الشباب الذين يحاولون الانتقال من الدراسة إلى الحياة المهنية. فبعد سنوات من التعليم، يواجه بعض الخريجين سوق عمل محدودا في قدرته على استيعابهم ضمن اختصاصاتهم، ما يدفعهم إلى البحث عن أعمال بديلة أو الانتقال إلى مدن أخرى أملا بالحصول على فرص أفضل.
ويقول آرام، وهو شاب من بغديدي، في حديث لـ«المدى»، إن رغبته في البقاء قرب عائلته ترتبط بحاجته إلى فرصة عمل مستقرة تمكنه من الاعتماد على نفسه. ويوضح أن المشكلة تكمن في صعوبة العثور على وظيفة توفر دخلا منتظما، وتسمح للشباب بالتخطيط لحياتهم بعيدا عن القلق المستمر بشأن مستقبلهم الاقتصادي.
ويشير آرام إلى أن التفكير بالهجرة يتشكل تدريجيا مع تكرار محاولات البحث عن عمل دون الوصول إلى نتائج مرضية. فقد يبدأ الشاب بالتفكير في السفر لمواصلة الدراسة أو اكتساب الخبرة، ثم يجد نفسه أمام قرار أكثر تعقيدا عندما تصبح العودة مرتبطة بفرص عمل قد لا تكون متاحة بما يلبي احتياجاته.
وتزداد صعوبة هذه الخيارات عندما يفكر الشباب في تكوين أسر أو تحمل مسؤوليات جديدة، إذ يتطلب الاستقرار دخلا يمكن الاعتماد عليه، وسكنا مناسبا، وفرصا لتطوير المهارات المهنية. وحين تغيب هذه المتطلبات أو تبقى غير مضمونة، يدخل الانتقال إلى مدينة أخرى أو الهجرة إلى الخارج ضمن الحسابات الشخصية والعائلية.
وتختلف ظروف الشباب في سهل نينوى باختلاف أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. فبعضهم يعمل في القطاع الخاص، وآخرون يعتمدون على المهن والمشاريع العائلية، فيما يفضل قسم منهم مواصلة الدراسة داخل العراق. ويجعل هذا التفاوت مستقبل الشباب مرتبطا بإمكانات أسرهم، والمهارات التي يمتلكونها، وطبيعة سوق العمل المتاحة أمامهم.
وفي برطلة، يمثل العمل الخاص أحد الخيارات أمام الشباب الذين يواجهون صعوبة في الحصول على الوظائف التقليدية. وتوفر المحال التجارية والورش والأعمال الحرفية والخدمات المحلية فرصا محتملة لتأمين مصادر الدخل، لكنها تحتاج إلى أسواق نشطة ورؤوس أموال وخبرات في الإدارة والتسويق، إلى جانب خدمات مستقرة تضمن استمراريتها.
ويقول سركون، وهو صاحب مشروع صغير في برطلة، في حديث لـ«المدى»، إن تأسيس مشروع يتطلب إمكانات مالية وقدرة على تحمل المصاريف اليومية، فضلا عن امتلاك الفكرة المناسبة. ويرى أن الشباب الراغبين في إنشاء أعمال خاصة يحتاجون إلى برامج تمويل وتدريب تساعدهم على تحويل أفكارهم إلى مشاريع قادرة على الاستمرار، وتجاوز العقبات التي يفرضها نقص الموارد.
وتكشف تجربة المشاريع الصغيرة عن جانب من العلاقة بين الاقتصاد المحلي والهجرة، إذ يمكن للمشروع الناجح أن يوفر دخلا لصاحبه، ويخلق فرص عمل إضافية، ويسهم في تنشيط الأسواق وزيادة الطلب على الخدمات والمنتجات المحلية. غير أن تحقيق هذه النتائج يتوقف على توافر بيئة اقتصادية تسمح لأصحاب المشاريع بالمنافسة والتوسع.
وتشمل التحديات التي تواجه أصحاب الأعمال ارتفاع تكاليف التشغيل، وصعوبة الحصول على التمويل، ومحدودية الأسواق في بعض الأنشطة، والحاجة إلى تطوير مهارات الإدارة والتسويق الإلكتروني. وقد يرتبط نجاح المشروع أيضا بقدرة صاحبه على الوصول إلى زبائن خارج بلدته، ما يجعل تحسين النقل والاتصالات والخدمات عاملا مهما في دعم النشاط الاقتصادي.
ويتطلب تشجيع الشباب على تأسيس المشاريع توفير التدريب المهني والإداري، وتسهيل الإجراءات، وإتاحة قروض مناسبة، ومساعدتهم على الوصول إلى الأسواق. كما يستدعي تحديد القطاعات القادرة على توفير وظائف فعلية، وتصميم المبادرات الاقتصادية استنادا إلى دراسات واضحة لاحتياجات المنطقة.
وتبقى آثار النزوح الذي شهدته بلدات سهل نينوى منذ عام 2014 حاضرة في واقع الشباب وخياراتهم. فقد اضطر سكان بلدات عدة إلى مغادرة منازلهم، قبل أن يعود بعضهم خلال السنوات اللاحقة ليبدأوا مرحلة جديدة من إعادة بناء حياتهم. لكن استعادة المنازل لم تترافق دائما مع استعادة الاستقرار الاقتصادي، فيما لم تكن إعادة إعمار الأبنية كافية لإعادة جميع الأنشطة والخدمات إلى مستوياتها السابقة.
وبالنسبة إلى الجيل الذي عاش سنوات النزوح أو نشأ في ظل تداعياته، اتسعت الأسئلة المتعلقة بالمستقبل لتشمل فرص التعليم والعمل والاستقرار الأسري، إلى جانب الأمان. ويريد الشباب معرفة مدى قدرتهم على تأسيس حياتهم في بلداتهم، وما إذا كانت المشاريع الاقتصادية والخدمات المحلية ستوفر لهم ظروفا مناسبة للاستمرار خلال السنوات المقبلة.
وفي تلكيف، تقول الناشطة المدنية مريم ججو، في حديث لـ«المدى»، إن معالجة هجرة الشباب تتطلب الاستماع إلى آرائهم وإشراكهم في تحديد الأولويات المحلية. وتشدد على أهمية ربط البرامج الموجهة إليهم بفرص التدريب والتشغيل، وتزويد المشاركين بمهارات عملية يمكن توظيفها في سوق العمل، بما يضمن تحقيق نتائج تتجاوز الأنشطة المؤقتة.
وتضيف ججو أن تعزيز المشاركة المدنية يمنح الشباب مساحة للتعبير عن احتياجاتهم والمساهمة في تطوير مجتمعاتهم، من خلال المبادرات الثقافية والأنشطة التطوعية والمشاريع الاقتصادية. وترى أن شعور الشباب بقدرتهم على التأثير في مستقبل بلداتهم يعزز ارتباطهم بها، إلى جانب الحاجة الأساسية إلى توفير فرص العمل وتحسين الخدمات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في بلدات سهل نينوى التي تحتفظ بإرث ديني وثقافي ولغوي متنوع، إذ يمكن أن تؤثر هجرة الشباب في استمرار بعض المهن والتقاليد والمبادرات الثقافية، وفي قدرة الأجيال الجديدة على نقل تراث المنطقة. ويحتاج الحفاظ على هذا الإرث إلى ظروف اقتصادية واجتماعية تسمح للشباب بالعيش والعمل والتطور داخل مجتمعاتهم، دون تحميلهم مسؤولية الحفاظ عليه على حساب مستقبلهم الشخصي.
وفي القوش، يرى يوحنا قاشا، الذي يعمل على مبادرة محلية، في حديث لـ«المدى»، أن المشاريع المجتمعية تستطيع فتح مجالات جديدة أمام الشباب، خصوصا تلك التي تجمع بين تطوير المهارات المهنية والعمل الثقافي والاجتماعي. ويشير إلى أن استمرار هذه المبادرات يحتاج إلى التعاون مع المؤسسات المحلية، والحصول على دعم يساعدها في توسيع أنشطتها والوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين.
وتعكس هذه التجارب محاولات يبذلها بعض الشباب للاستفادة من إمكاناتهم وتوفير فرص لأنفسهم وللآخرين، رغم محدودية الموارد. ومع ذلك، تبقى المبادرات الفردية محدودة القدرة على معالجة الأسباب الاقتصادية والخدمية المرتبطة بالهجرة، خصوصا نقص فرص العمل وضعف الخدمات وصعوبة الحصول على التمويل.
ويمكن للأنشطة الزراعية والحرفية والخدمات الرقمية والمشاريع الثقافية والسياحية أن تفتح مسارات اقتصادية جديدة أمام الشباب، شريطة توفير التخطيط والتدريب والتمويل والتسويق المناسب لكل قطاع. كما يتطلب توسيع فرص العمل ربط المؤسسات التعليمية والمهنية باحتياجات السوق، للحد من الفجوة بين الاختصاصات التي يدرسها الشباب والوظائف التي يستطيعون الحصول عليها.
وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى تداخل العوامل الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في دوافع الهجرة من العراق، ومن بينها البحث عن فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية. ويعكس هذا التداخل اختلاف الظروف التي تدفع الأفراد والعائلات إلى التفكير بالمغادرة، وضرورة فهم خصوصية كل تجربة عند التعامل مع هذه الظاهرة.

The post شباب سهل نينوى يبحثون عن مستقبل في بلداتهم.. البطالة وضعف التمويل يدفعان نحو الهجرة appeared first on جريدة المدى.

المصدر: المدى