موقف الصومال في مجلس الأمن .. تناقضات بلد يعاني من عدوى الانفصال
مثل الموقف الصومالي في مجلس الأمن الدولي، المتمثل في الامتناع عن التصويت على مشروع القرار الأمريكي الداعم للمسار الواقعي ولمبادرة الحكم الذاتي المغربية، والداعي إلى تغيير اسم البعثة الأممية في الصحراء، مقابل التصويت لصالح مشروع القرار الروسي البديل، مفارقة دبلوماسية لافتة تكشف عن تشابك الحسابات الأمنية والجيوسياسية لمقديشو على حساب الثوابت المبدئية وأبجديات العمل الدبلوماسي المشترك بين الدول العربية.
وتتضاعف غرابة هذا السلوك الدبلوماسي ليس فقط بسبب المواقف السابقة للصومال التي وقفت مع الوحدة الترابية للمغرب، ولا تصويتها لصالح القرار 2797، بل بالنظر أيضا إلى الوضع الداخلي لهذا البلد الذي يعاني من النزاعات الانفصالية في إقليم «صوماليلاند» أو «أرض الصومال»، الذي أعلن استقلاله عن الدولة الصومالية من جانب واحد في أوائل التسعينيات، إلى جانب انتشار الحركات الإرهابية، على غرار «حركة الشباب الصومالية» وتنظيم «ولاية الصومال» التابع لداعش، وكلها تحديات وتهديدات تقوض مشروع الحكومة المركزية لإقامة نظام فيدرالي في البلاد.
وفي مقابل هذا الموقف الصومالي، تتشبث المملكة المغربية بسيادة ووحدة أراضي هذه الدولة العضو في الجامعة العربية، إذ أكد مصدر من وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، في دجنبر الماضي، أن «المغرب يعرب عن دعمه التام للوحدة الترابية وللسيادة الوطنية لجمهورية الصومال الفيدرالية الشقيقة، ويدين بشكل قاطع المساس بأي شبر من تراب هذا البلد العربي الشقيق».
وعبر المصدر الدبلوماسي المغربي ذاته، في بلاغ لوزارة الخارجية، عن رفض المملكة لقرار الاعتراف باستقلال كيان «أرض الصومال»، ودعمها للموقف الوطني لجمهورية الصومال وتطلع شعبها إلى الوحدة والأمن والاستقرار، وذلك على خلفية قرار دولة إسرائيل الاعتراف بهذا الإقليم باعتباره «دولة مستقلة وذات سيادة».
وفي وقت كان الأجدر فيه بمقديشو، التي تبحث عن استقرار سياسي وأمني لتنزيل النظام الفيدرالي الحقيقي، أن تكون الحارس الأكثر شراسة لمبدأ السيادة الترابية ومناهضة الكيانات الموازية التي تسعى إلى تقسيم الدول الوطنية، اختارت مسارا آخر يسحب منها الشرعية الأخلاقية والقانونية في الدفاع عن وحدتها الوطنية في مواجهة مخاطر التفكيك.

وتجلت غرابة هذا الموقف أيضا في نسفه للتعهدات المباشرة التي قطعتها مقديشو للمملكة المغربية في أكثر من محفل رسمي، وللتراكمات الإيجابية التي طبعت العلاقات المغربية-الصومالية خلال السنوات الأخيرة، إذ أكد وزير الخارجية الصومالي، عبد السلام عبدي علي، خلال لقاء له مع نظيره المغربي في نونبر الماضي، دعم بلاده الثابت للوحدة الترابية للمغرب ولسيادته على كامل ترابه الوطني.
ويبدو أن الصومال، الذي يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، اختار التضحية برصيد الثقة المتراكم مع دولة رائدة إفريقيا وعربيا بحجم المغرب، مقابل رهان ظرفي أظهر ارتباكا في ترتيب أولويات الأمن القومي لهذا البلد، الذي قام بانعطاف مفاجئ مقابل ما يبدو أنها وعود من الجزائر (التي تواترت زيارات المسؤولين الصوماليين إليها مؤخرا) بتوفير «مظلة أمنية» وإمدادات عسكرية لمواجهة التمردات وحماية السلطة الهشة في مقديشو، متجاهلا أن مثل هذه الرهانات لا تبني تحالفات قوية، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الدولي الراهن.
وفي كلمته بعد جلسة التصويت على مشروع القرار الأمريكي، مساء أمس الجمعة، اعتبر أبوبكر طاهر عثمان، مندوب الصومال لدى الأمم المتحدة، أن «الصومال صوتت العام الماضي لصالح القرار 2797، انطلاقا من إيمانها بأن الإطار الذي أرساه القرار يستحق وقتا كافيا ومواصلة الانخراط المستمر. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي الحفاظ على الزخم الناشئ، مهما بدا متواضعا، والبناء عليه. غير أن امتناعها عن التصويت على هذا القرار اليوم يعكس قلقا من أن بعض أحكامه قد تستبق نتائج المفاوضات»، وفق تعبيره.
وزاد بأن «الحل السياسي العادل والدائم والمقبول للطرفين لا يمكن تحديده مسبقا؛ بل يجب أن ينبثق من خلال حوار حقيقي وتقديم تنازلات متبادلة، مع إيلاء الاعتبار الواجب لمصالح وتطلعات شعب الصحراء الغربية، ووفقا لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. كما تولي الصومال أهمية بالغة لدور بعثة (المينورسو) في المساعدة على خفض التصعيد، وصون الاستقرار، والحفاظ على الظروف المواتية للعملية السياسية. كما نشجع أعضاء المجلس على مواصلة المشاورات بروح بناءة بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن ولاية البعثة»، على حد قوله.
في سياق آخر، يكشف تضمين الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الصومالية خريطة للعالم تظهر فيها خريطة المغرب مجزأة بخط يفصل أقاليمه الجنوبية عن باقي التراب الوطني عن هشاشة واضحة وتناقض صريح في الموقف الذي يعبر عنه المسؤولون الصوماليون خلال اللقاءات مع نظرائهم المغاربة، إذ يعكس ذلك غيابا للانسجام بين الخطاب والممارسة، ويشي بازدواجية تجعل هذه المواقف المعلنة مفتقرة إلى الثبات والمصداقية المطلوبة في العلاقات الدولية.
The post موقف الصومال في مجلس الأمن .. تناقضات بلد يعاني من عدوى الانفصال appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس