شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

مآلات حصر السلاح في العراق

مآلات حصر السلاح في العراق

العميد م. ناجي ملاعب*

أوفى الجيش الأميركي بوعده الانسحاب من العراق في نهاية الشهر الفائت، بعد أن اطمأنت أميركا إلى وجود حكومة معتدلة بدأت بتحقيق إصلاحات متتابعة وحركت عمليات القضاء على الفساد الذي طاول البعض من النواب والموظفين الكبار.

في المقابل لم تلتزم الفصائل المسلحة ذات الخلفية الإيرانية تنفيذ طلب الحكومة تسليم السلاح إلى الدولة، وكان الحل بتأجيل تسليم السلاح الى نيسان/ أبريل من العام المقبل. وتحركت الأرض في اتجاه آخر، فأعلن محافظ منطقة ميسان الواقعة على الحدود مع إيران انفصاله - وهي المحافظة التي أطلقت منها المسيرات على المملكة العربية السعودية - فحسناً فعلت الحكومة باتخاذ قرار إقالة هذا الأخير مع مجموعة من المديرين والمستشارين في معظم إدارات الدولة.

ومع تصاعد الحديث عن تلكؤ الدولة في موضوع حصر السلاح ومستقبل الفصائل المسلحة، عاد مصطلح "بلقنة العراق" إلى واجهة النقاش السياسي، مع ما تحمله من تداعيات. فخطورة عدم الحسم في هذا الموضوع يؤدي الى توزع قرار القوة، بحيث تنفصل المصالح الاقتصادية للمناطق عن المركز، وتصبح العلاقات الخارجية موزعة بين أطراف داخلية، ثم تتشكل مراكز نفوذ تستطيع اتخاذ قراراتها بمعزل عن الدولة. وعند هذه المرحلة تكون الخريطة الرسمية واحدة، لكن الواقع السياسي والأمني والاقتصادي أصبح متعدد الخريطة.

سيناريوات ثلاثة في مآلات نزع السلاح: طريق إلى الدولة أو الى تشتتها

1 - اتفاق داخلي تدريجي

إذا جرى حصر السلاح بيد الدولة من خلال اتفاق داخلي تدريجي، وأصبحت القاعدة واحدة على جميع القوى، وانتقل قرار الحرب والسلم فعلياً إلى الحكومة ومؤسساتها الدستورية، فإن ذلك يمكن أن يكون من أهم العوامل التي تقلل احتمال البلقنة. فالدولة التي تحتكر القوة الشرعية ولا توجد داخلها جيوش سياسية متوازية تكون أكثر قدرة على إدارة أزماتها من دون تحولها إلى حدود ومناطق نفوذ.

2 – طريق المواجهة

لكن السيناريو يتغير إذا جرى نزع السلاح في صورة مواجهة شاملة. فإذا شعرت قوى اجتماعية وسياسية أن القضية لم تعد حصر السلاح وإنما تغيير التوازن الداخلي، فقد ينتقل النزاع من علاقة الدولة بالفصائل إلى العلاقة بين مكونات الدولة نفسها. وإذا تحولت المواجهة إلى صراع مناطقي أو طائفي، فإن مطالب الحكم الذاتي والأقاليم قد تصبح أدوات للحماية السياسية والأمنية. وعندها يمكن أن تُنتج محاولة منع البلقنة ظروفاً تساعد عليها، ليس بسبب مبدأ حصر السلاح نفسه، بل بسبب الطريقة التي تم بها.

3 - بقاء السلاح والبلقنة الناعمة

في المقابل، فإن عدم نزع السلاح يحمل خطراً مختلفاً وأبطأ. لن يعني ذلك أن العراق سيقسم مباشرة، لكنه قد يكرس نموذج الدولة المتعددة القرار. ففي الدولة الطبيعية يكون قرار الحرب والسلم والعلاقات العسكرية الخارجية من اختصاص المؤسسات الرسمية. أما عندما تستطيع جهات متعددة اتخاذ قرارات أمنية ذات تداعيات إقليمية، فإن الدولة تبدأ بخسارة جزء من سيادتها حتى لو بقيت حدودها ثابتة.

إذا استمر هذا النموذج طويلاً فقد تتشكل "بلقنة ناعمة": بغداد تدير الدولة رسمياً، وإقليم كردستان يدير مساحة واسعة بصلاحياته المعروفة، وقوى محلية وسياسية ومسلحة تملك درجات مختلفة من النفوذ في مناطق أخرى. عندها لا توجد ثلاثة دول، ولكن توجد مراكز قرار عدة. ومع مرور الزمن يمكن أن تتحول هذه المراكز إلى حقائق سياسية يصعب على أي حكومة مركزية لاحقة تفكيكها.

في الاستنتاجات

ماذا لو وصل العراق إلى التقسيم الرسمي، فعندها لن يكون إعلان الدول الجديدة نهاية الأزمة بل بداية مرحلة أشد تعقيداً. ستظهر فوراً قضية تركة الدولة العراقية: الجيش والسلاح والقواعد والطائرات والاحتياطيات المالية والديون والبنك المركزي والدينار وشركة تسويق النفط والسفارات والعقود الدولية والمياه والكهرباء وشبكات الأنابيب والمؤسسات الاتحادية. وسيحتاج كل كيان جديد إلى جيش وحدود وعملة أو ترتيبات نقدية ونظام مالي وسياسة خارجية ومصادر دخل.

وماذا عن السكان؟ فالتقسيم على أساس مذهبي أو قومي يفترض وجود حدود بشرية واضحة، بينما الواقع العراقي أكثر تداخلاً. وإذا حاولت القوى الجديدة جعل السكان متطابقين مع الحدود، فقد تظهر موجات نزوح جديدة أو عمليات تبادل سكاني أو ضغوط على الأقليات. وعندها تتحول البلقنة من مشروع يفترض أنه ينهي الصراع الطائفي إلى آلية قد تعيد إنتاجه على الحدود الجديدة.

فهل نتعظ في لبنان أم ننتظر البلقنة الناعمة؟

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

المصدر: النهار