"الصحراء المغربية" بعد جلسة مجلس الأمن.. ماذا يقول الخبراء؟
وأثار هذا التطور تساؤلات بشأن دلالات مواقف أعضاء مجلس الأمن، وانعكاساتها على مستقبل البعثة الأممية، خصوصا في ضوء البيان الصادر عن الديوان الملكي المغربي، الذي عبّر عن ارتياح المملكة لما اعتبره طي صفحة استمرت 35 عاما، ودعا إلى الانتقال نحو مرحلة جديدة تقوم على الدفع بالحل السياسي على أساس مبادرة الحكم الذاتي. وفي هذا السياق، يرى خبراء ومحللون في ملف الصحراء في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية" أن ما جرى يتجاوز حدود التعثر الإجرائي داخل مجلس الأمن، ويعكس تحولات في المقاربة الدولية للنزاع، كما يطرح تحديات مرتبطة بمستقبل العملية السياسية والتدابير الأمنية والميدانية في مرحلة ما بعد المينورسو. قال محمد بنطلحة الدكالي، الخبير في ملف الصحراء المغربية والأستاذ الجامعي، إن التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن ينبغي قراءتها من مستويين، أولهما نتائج التصويت ودلالاتها السياسية، وثانيهما الموقف المغربي الذي عبّر عنه بيان الديوان الملكي. وأوضح بنطلحة الدكالي في تصريح لموقع "سكاي نيوز عربية" أن حصول مشروع القرار الأميركي على تأييد 11 عضوا من أصل 15، رغم إسقاطه بالفيتو الروسي، يحمل دلالة سياسية مهمة، خصوصا أنه كان يتجه نحو تعزيز مكانة مبادرة الحكم الذاتي المغربية وتطوير مهام بعثة المينورسو. في المقابل، اعتبر أن حصول المشروع الروسي، الذي دعا إلى تمديد ولاية البعثة مع الإبقاء على إطارها الحالي، على 3 أصوات فقط، يعكس محدودية التأييد لهذا التوجه داخل المجلس. وشدد الخبير على أن استخدام روسيا حق النقض لا يلغي القرار 2797 الذي سبق أن اعتمده مجلس الأمن عام 2025، ولا يمحو المكانة التي اكتسبتها مبادرة الحكم الذاتي المغربية ضمن المرجعية الأممية لتسوية النزاع. من جانبه، قال محمد الغيث ماء العينين، الكاتب والخبير في ملف الصحراء، إن ما حدث لا يمكن اختزاله في استخدام متبادل لحق النقض أو في عجز مجلس الأمن عن الاختيار بين مشروعين متكافئين، مشيرا إلى أن المشروع الأميركي حظي بأغلبية واضحة، بينما لم يحصل المشروع الروسي على الحد الأدنى من الأصوات اللازمة لاعتماده. وأضاف ماء العينين في حديثه مع موقع "سكاي نيوز عربية" أن الفارق بين نتائج التصويت يكشف موقفين مختلفين؛ إذ منعت روسيا اعتماد المشروع الأميركي قانونيا، في حين أظهرت نتائج التصويت محدودية التأييد السياسي لاستمرار المينورسو بصيغتها الحالية. وأوضح ماء العينين أن المشروع الأميركي لم يكن مجرد تمديد تقني لولاية البعثة، بل تضمن توجها نحو تغيير طبيعة مهامها وإعادة توجيهها لدعم العملية السياسية، مع اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات. في المقابل، سعى المشروع الروسي إلى الإبقاء على الوضع القائم، رغم توقف الوظيفة الأصلية للبعثة، والمتمثلة في تنظيم الاستفتاء، منذ أكثر من عقدين. واعتبر المتحدث أن هذا التحول امتداد لمسار أممي بدأ منذ سنوات، مستحضرا القرارين 1359 لسنة 2001 و2414 لسنة 2018، وصولا إلى القرار 2797 لسنة 2025، الذي جعل الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات ودعا إلى مراجعة استراتيجية لمستقبل المينورسو. وخلص إلى أن الفيتو الروسي منع تحويل طبيعة البعثة، لكنه لم يضمن استمرارها بصيغتها القديمة، معتبرا أن نتائج التصويت كشفت عن تراجع فرص العودة إلى نموذج التدبير الأممي السابق. بخصوص دلالات البيان الصادر عن الديوان الملكي، اعتبر محمد بنطلحة الدكالي أنه يحمل أبعادا سياسية تتجاوز مجرد التعليق على نتائج التصويت، ويعكس توجها مغربيا نحو إنهاء مرحلة طويلة من تدبير النزاع، بدأت مع إنشاء بعثة المينورسو عام 1991. وأوضح أن مطالبة المغرب بإنهاء وجود البعثة وسحب قضية الصحراء من جدول أعمال مجلس الأمن تعكس قناعة بأن الآليات الأممية التي استمرت لعقود ينبغي أن تواكب التحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفها الملف. وأضاف أن تأكيد المملكة تشبثها بوقف إطلاق النار والتزامها بحماية الأمن والاستقرار يحمل رسالة مفادها أن المغرب سيواصل تحمل مسؤولياته في حماية أراضيه ومواطنيه والدفاع عن وحدته الترابية. وشدد على أن قضية الصحراء المغربية لا تختزل في قرارات مجلس الأمن أو مستقبل المينورسو، بل ترتبط أيضا بواقع تاريخي ووطني، وبمؤسسات قائمة ومشاريع تنموية كبرى واندماج متواصل للأقاليم الجنوبية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمملكة. من جهته، قال محمد الغيث ماء العينين إن أبرز ما يميز بلاغ الديوان الملكي هو نبرته السياسية الواضحة، إذ لم يقتصر على التعبير عن موقف المغرب من الفيتو الروسي أو تعثر المشروع الأميركي، بل تحدث عن طي صفحة استمرت 35 عاما. وأوضح أن الموقف المغربي كان يفضل تحويل الآلية الأممية بما يتلاءم مع المرجعية السياسية الجديدة التي رسمها القرار 2797، غير أن تعذر ذلك بفعل الفيتو الروسي جعل انتهاء ولاية البعثة خيارا أفضل من استمرار وضع يعتبره المغرب متجاوزا. وفي قراءته للجانب القانوني، أشار ماء العينين إلى أن عدم تجديد الولاية يعني انتهاء التفويض العملياتي للبعثة بانقضاء الأجل المحدد له، بينما قد يستمر وجود بعض أفرادها وتجهيزاتها مؤقتا لاستكمال إجراءات الانسحاب والتصفية. وأضاف أن دعوة المغرب إلى إنهاء تناول الملف داخل مجلس الأمن تعبر عن تحول في مقاربته، من المطالبة بتعديل مهام البعثة إلى مراجعة الإطار الأممي الذي ظل يحتضن النزاع، بما يشمل الاجتماعات الدورية وتقارير الأمين العام وإحاطات المبعوث الشخصي. بدوره، رأى محمد سالم عبد الفتاح، الخبير في ملف الصحراء، أن البلاغ لا يتعامل مع عدم تجديد ولاية المينورسو باعتباره مجرد تعثر إجرائي، بل يضعه في سياق تحول أعمق في المقاربة المغربية، يقوم على رفض استمرار آليات أممية أصبحت، من المنظور المغربي، مرتبطة بتدبير نزاع من دون أفق واضح للحسم. وأوضح الخبير ردا على تساؤلات موقع "سكاي نيوز عربية" أن المغرب لم يعد يكتفي بالمطالبة بمراجعة مهام البعثة أو تقليص حضورها، بل يطرح مراجعة الإطار الأممي الذي ظل يحتضن القضية، مع العمل على نقل مركز الثقل نحو توظيف المكاسب الدبلوماسية التي راكمتها المملكة وتعزيز مرجعية الحكم الذاتي في علاقاتها الدولية. واعتبر أن تأكيد استمرار الالتزام بوقف إطلاق النار يحمل دلالة مهمة، لأنه يعكس رغبة المغرب في تجاوز صيغة أممية معينة دون التخلي عن مقتضيات الأمن والاستقرار، فيما يشير التشديد على مواصلة الدينامية الدبلوماسية إلى توجه نحو توسيع دائرة الدعم السياسي للمبادرة المغربية وربطه بمصالح التعاون والشراكات الدولية. وفي ما يتعلق بالخطوات المقبلة بعد عدم تجديد ولاية البعثة، قال محمد الغيث ماء العينين إن المرحلة الأولى ستتسم بإجراءات تقنية وإدارية تشمل وقف الأنشطة العملياتية، وتنظيم انسحاب المراقبين والموظفين، وإغلاق المواقع وسحب المركبات والتجهيزات وتسوية الالتزامات المالية. وأوضح أن بقاء بعض أفراد البعثة خلال هذه المرحلة لا يعني استمرار ولايتها، بل يرتبط بإجراءات الانسحاب والتصفية، مستحضرا تجربتي مقدونيا سنة 1999 وجورجيا سنة 2009، حيث انتهت مهام بعثتين أمميتين عقب استخدام حق النقض، بينما استغرقت إجراءات الانسحاب والتصفية فترة إضافية. وعلى المستوى السياسي، أشار ماء العينين إلى أن القرار 2797 سيظل آخر تعبير معتمد عن موقف مجلس الأمن، وأن تغيير مرجعيته يتطلب صدور قرار جديد عن المجلس نفسه. وأضاف أن مساعي للأمين العام ومهمة مبعوثه الشخصي يمكن أن تستمرا بصورة منفصلة عن المينورسو، إلى جانب إمكانية اضطلاع الولايات المتحدة وشركائها بدور في تيسير المفاوضات عبر قنوات دبلوماسية مختلفة. من جانبه، قال محمد سالم عبد الفتاح إن الاستحقاق المباشر يتمثل في تدبير انتهاء ولاية البعثة الأممية دون التسبب في فراغ أمني أو إداري، مشيرا إلى تعهد الولايات المتحدة بالعمل مع الأمم المتحدة لضمان انسحاب منظم ومستقر، يحمي موظفي البعثة ويراعي الاحتياجات الأمنية والإنسانية. وأضاف أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار الخلاف داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل الملف، بالتوازي مع مواصلة المساعي السياسية عبر قنوات الأمين العام ومبعوثه الشخصي، إلى جانب تحركات ثنائية وإقليمية. واعتبر أن هذه التطورات قد تفتح المجال أمام تفاهمات سياسية جديدة تتجاوز الاعتبارات المرتبطة بالمرحلة التي بدأت مطلع تسعينيات القرن الماضي، والتي لم تنجح الآليات الأممية في تجاوزها. وفي الجانب الميداني، اعتبر محمد الغيث ماء العينين أن انتهاء ولاية المينورسو يطرح تساؤلات بشأن مستقبل الاتفاق العسكري رقم 1، الموقع مع الأمم المتحدة خلال سنتي 1997 و1998، والذي ارتبط بوجود البعثة لمراقبة التحركات وتلقي الإخطارات والتحقق من الخروقات. وأوضح أن غياب الآلية الأممية يطرح تحديات بشأن مراقبة الوضع الميداني، خصوصا في المناطق الواقعة شرق الجدار، مشددا على ضرورة معالجة أي فراغ قد ينشأ بما يحافظ على وقف إطلاق النار ويحول دون تصعيد التوتر. وأشار إلى أن المغرب سبق أن تدخل في منطقة الكركرات عام 2020 لإعادة فتح الطريق الدولي وتأمين الحدود مع موريتانيا، معتبرا أن التطورات المقبلة قد تفرض ترتيبات جديدة لتأمين المناطق والمحاور الحساسة، وفق تطور الوضع الأمني. من جهته، اعتبر عبد الوهاب الكاين، الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن عدم تجديد ولاية المينورسو يفرض على المغرب تدبير مرحلة انتقالية ترتبط بالمسؤوليات الأمنية والإدارية، في ظل انتهاء الترتيبات التي كانت تشرف عليها البعثة. ورأى الكاين في إفادته لموقع "سكاي نيوز عربية" أن المرحلة المقبلة تقتضي، من وجهة نظره، تعزيز الحضور الميداني وتأمين المناطق الواقعة شرق الجدار، تفاديا لأي فراغ قد تستغله الأطراف الأخرى لفرض وقائع جديدة. كما دعا إلى إعادة توجيه الاهتمام الدولي نحو الأوضاع الإنسانية والحقوقية في مخيمات تندوف، والضغط من أجل تمكين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من إجراء إحصاء شامل للسكان وتسجيلهم، وضمان حرية التنقل والعودة الطوعية. واعتبر أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشمل، إلى جانب التحركات الأمنية والدبلوماسية، تعزيز المسار التنموي في الأقاليم الجنوبية، وربط الشراكات الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي بمشاريع استثمارية وتنموية. وفي استشرافه لمستقبل الملف، حدد محمد الغيث ماء العينين 3 سيناريوهات رئيسية؛ أولها انسحاب منظم للمينورسو وانتقال العملية السياسية إلى إطار دبلوماسي جديد، وثانيها عودة مجلس الأمن لاحقا لإنشاء حضور أممي مختلف بمهام سياسية أو رقابية محدودة، وثالثها استمرار الفراغ بما قد يؤدي إلى تغييرات ميدانية تعيد تشكيل التوازنات شرق الجدار. وأكد أن العودة إلى الصيغة السابقة للبعثة تبدو صعبة في ضوء نتائج التصويت، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق قدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة. أما عبد الوهاب الكاين، فاعتبر أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في تكريس ما وصفه بـ"الأمر الواقع السيادي"، من خلال تسريع تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، والاستفادة من الدعم الدولي للموقف المغربي، وتعزيز الاستثمارات في مدينتي العيون والداخلة. وشدد الكاين على أن المرحلة المقبلة تستدعي، بحسب تقديره، استراتيجية تقوم على تعزيز الحضور الميداني والمؤسساتي، وتكثيف التحركات الدبلوماسية والحقوقية، وتحويل الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي إلى شراكات اقتصادية وتنموية. من جانبه، رأى محمد سالم عبد الفتاح أن استمرار الدينامية الدبلوماسية، بالتوازي مع تدبير الانسحاب الأممي، قد يهيئ الظروف أمام انتقال الملف إلى مرحلة جديدة من التفاهمات السياسية الثنائية والإقليمية، بعيدا عن الصيغة التقليدية التي ارتبطت بوجود المينورسو.
المصدر: سكاي نيوز عربية