شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من التجارة إلى الثقافة والاستثمار: مراسيم سلطانية ترصد تطور العلاقات العُمانية مع الصين

من التجارة إلى الثقافة والاستثمار: مراسيم سلطانية ترصد تطور العلاقات العُمانية مع الصين

١ نوفمبر ٢٠٢٦ | 5:21 صباحًا د.محمد بن حمد العريميباحث ومختص في التاريخ العمانيمراسيم سلطانية ترصد تطور العلاقات العُمانية مع الصينأثير- د. محمد بن حمد العريمي شكّل يوم الخامس والعشرين من مايو عام 1978م محطة مهمة في تاريخ العلاقات العُمانية الصينية الحديثة، بإقامة العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية، لتبدأ مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين، اتسعت مجالاتها تدريجيًا لتشمل التجارة والثقافة والتعليم والصحة والإعلام والنقل الجوي والاستثمار.ولم يقتصر تطور هذه العلاقات على تبادل التمثيل الدبلوماسي والزيارات الرسمية، بل تُرجم إلى اتفاقيات ثنائية ومراسيم سلطانية أسّست لأطر قانونية وتنظيمية للتعاون، وعكست اهتمام البلدين بتوسيع مصالحهما المشتركة، وتعزيز الروابط الاقتصادية والثقافية والإنسانية.وتكشف مجموعة من المراسيم السلطانية والاتفاقيات الرسمية الصادرة خلال الفترة من عام 1981م إلى عام 1995م عن محطات بارزة في مسيرة العلاقات العُمانية الصينية، بدأت باتفاق تجاري، ثم امتدت إلى التعاون الثقافي والصحي والإعلامي، وتنظيم النقل الجوي، وصولًا إلى اتفاقية تشجيع الاستثمارات وحمايتها.ويستعرض هذا التقرير أبرز تلك المحطات، استنادًا إلى الوثائق الرسمية والمراسيم السلطانية المرفقة، وما تضمنته من أحكام وبنود توضح طبيعة التعاون بين البلدين خلال العقود الأولى من علاقاتهما الدبلوماسية الحديثة.عام 1981م: اتفاق تجاري يفتح آفاق التعاون الاقتصاديبعد أقل من ثلاث سنوات على إقامة العلاقات الدبلوماسية، اتخذ التعاون الاقتصادي بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية خطوة مهمة، تمثلت في توقيع اتفاق تجاري بين حكومتي البلدين في العاصمة الصينية بكين بتاريخ 14 أكتوبر 1980م.وقد صدر المرسوم السلطاني رقم 4/81 في 12 يناير 1981م، بالتصديق على الاتفاق التجاري، ونصت مادته الأولى على التصديق على الاتفاق الموقع بين الحكومتين، فيما قضت المادة الثانية بنشر المرسوم في الجريدة الرسمية والعمل به من تاريخ نشره.ووقّع الاتفاق عن الجانب العُماني وزير التجارة والصناعة آنذاك، وفق ما ورد في نص المرسوم، الذي نُشر في الجريدة الرسمية العدد (208)، الصادر بتاريخ 15 يناير 1981م.وتبرز أهمية هذا الاتفاق في كونه من أوائل الأطر القانونية التي نظّمت العلاقات التجارية بين البلدين بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية، ومهّد لتطوير التعاون الاقتصادي خلال السنوات التالية. كما يعكس توقيته اهتمام سلطنة عُمان، في السنوات الأولى من نهضتها الحديثة، بتنويع شركائها التجاريين والانفتاح على الأسواق الآسيوية، ومن بينها السوق الصينية.عام 1981م: اتفاق ثقافي وصحي وإعلامي يعزز التقارب بين الشعبينلم يمضِ وقت طويل على التصديق على الاتفاق التجاري حتى اتجه البلدان إلى توسيع التعاون ليشمل الجوانب الثقافية والتعليمية والصحية والإعلامية والرياضية، ففي 15 أغسطس 1981م، وُقّع في العاصمة الصينية بكين اتفاق تعاون ثقافي وصحي وإعلامي بين حكومة سلطنة عُمان وحكومة جمهورية الصين الشعبية، وقّعه عن الجانب العُماني السفير إبراهيم بن حمود الصبحي، وعن الجانب الصيني هوانغ تشين.وتُعد هذه الاتفاقية من الوثائق المهمة التي تكشف عن الرؤية المبكرة للعلاقات بين البلدين، إذ لم تنحصر في المصالح التجارية، وإنما امتدت إلى مجالات التواصل الثقافي والمعرفي وتبادل الخبرات.وقد تضمنت الاتفاقية عشر مواد تناولت أوجه التعاون وآليات تنفيذه ومدته، حيث نصت المادة الأولى على تشجيع التبادل والتعاون بين البلدين في مجالات الثقافة والتعليم والتربية والعلوم والصحة والرياضة والنشر والإعلام والإذاعة، وفق مبادئ المساواة والمنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل لسيادة الدولة.أما المادة الثانية، فقد حددت صور التعاون الثقافي والفني، ومن أبرزها تبادل إقامة المعارض الثقافية والمهرجانات، ودعوة الفنانين والفرق الموسيقية والمسرحية، وتبادل زيارات الأشخاص والوفود للاطلاع على الخبرات الثقافية والفنية، فضلًا عن تبادل الأفلام والكتب والمطبوعات والوثائق التاريخية.وخصصت المادة الثالثة للتعاون في مجال التربية والتعليم، من خلال تبادل الخبراء للزيارات والاستطلاع، وتقديم المنح الدراسية بحسب حاجة الطرفين وإمكاناتهما، وإقامة الاتصال والتعاون بين المؤسسات والمعاهد التعليمية، وتشجيع العلماء والمدرسين على تبادل الزيارات لإلقاء المحاضرات والتدريس.وتناولت المادة الرابعة تعزيز التعاون الرياضي، من خلال تبادل زيارات الفرق والوفود الرياضية والخبرات الفنية. أما المادة الخامسة، فنصت على تبادل الخبرات والمعلومات في مجال الطب والصحة.وفي الجانب الإعلامي، دعت المادة السادسة إلى تشجيع التعاون الإخباري والفني بالوسائل المتاحة لدى الطرفين، فيما تناولت المادة السابعة تبادل المعلومات المختلفة في مجال العلوم الاجتماعية.كما نصت المادة الثامنة على نشر برامج حول سبل تنفيذ الاتفاقية، وحددت المادة التاسعة إجراءات سريانها. وبموجب المادة العاشرة، تسري الاتفاقية لمدة خمس سنوات، وتتجدد تلقائيًا لمدة مماثلة ما لم يُخطر أحد الطرفين الآخر كتابةً برغبته في إنهائها قبل انتهاء المدة بستة أشهر على الأقل.عام 1984م: تنظيم النقل الجوي بين سلطنة عُمان والصينشهد عام 1984م محطة أخرى في مسيرة التعاون الثنائي، تمثلت في التصديق على الاتفاقية الثنائية للنقل الجوي المدني بين حكومتي سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية.وقد صدر المرسوم السلطاني رقم 16/84 بتاريخ 26 فبراير 1984م، بالتصديق على الاتفاقية الموقعة في مسقط بتاريخ 3 مايو 1983م.ونصت المادة الأولى من المرسوم على التصديق على الاتفاقية، فيما قضت المادة الثانية بنشره في الجريدة الرسمية والعمل به من تاريخ صدوره.ماذا تضمنت اتفاقية النقل الجوي؟تكشف الوثيقة الإنجليزية المرفقة للاتفاقية عن مجموعة من الأحكام المنظمة لحركة الطيران المدني بين البلدين، من أبرزها منح شركات الطيران المعينة حقوق تشغيل الخدمات الجوية الدولية على المسارات المتفق عليها.وشملت هذه الحقوق عبور أجواء الطرف الآخر دون هبوط، والهبوط لأغراض غير تجارية، والهبوط في النقاط المحددة لنقل الركاب والأمتعة والبضائع والبريد الدولي وفق أحكام الاتفاقية. كما تناولت الاتفاقية المسائل المتعلقة بتعيين شركات الطيران ومنح تراخيص التشغيل، والرسوم الجمركية والضرائب، وتنظيم السعة التشغيلية، وتحديد التعرفات، وتبادل المعلومات والإحصاءات.وتضمنت كذلك أحكامًا تتعلق بإجراءات الدخول والخروج والتخليص، والبحث والإنقاذ في حالات حوادث الطيران، والمشاورات بين سلطات الطيران المدني في البلدين، وتسوية الخلافات.ومن الجوانب المهمة في الاتفاقية النص على مبدأ تكافؤ الفرص بين شركات الطيران المعينة من الجانبين في تشغيل الخدمات الجوية المتفق عليها.عام 1995م: اتفاقية لتشجيع الاستثمارات وحمايتهامع تطور العلاقات الاقتصادية الدولية خلال تسعينيات القرن العشرين، انتقل التعاون العُماني الصيني إلى مرحلة أكثر تقدمًا في الجانب الاستثماري، ففي 28 مارس 1995م، وُقّعت في العاصمة العُمانية مسقط اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات بين حكومة سلطنة عُمان وحكومة جمهورية الصين الشعبية.وصدر المرسوم السلطاني رقم 15/95 بتاريخ 15 أبريل 1995م، بالتصديق على الاتفاقية، ونص على نشره في الجريدة الرسمية والعمل به اعتبارًا من تاريخ صدوره.وتُعد هذه الاتفاقية محطة مهمة في مسيرة العلاقات الاقتصادية بين البلدين؛ لأنها انتقلت من تنظيم التبادل التجاري إلى وضع إطار قانوني لحماية الاستثمارات وتشجيع تدفق رؤوس الأموال.وتضمنت الاتفاقية أربع عشرة مادة تناولت تعريف الاستثمارات والمستثمرين، وتشجيع الاستثمارات وحمايتها، والمعاملة القانونية للمستثمرين، والتعويض عن نزع الملكية والخسائر، وتحويل الأموال والعائدات، وتسوية المنازعات.من الاتفاق التجاري إلى حماية الاستثمارات: ماذا تكشف الوثائق؟عند قراءة هذه الوثائق مجتمعة، يتضح أن العلاقات العُمانية الصينية خلال الفترة من عام 1981م إلى عام 1995م مرت بمراحل متتابعة من البناء المؤسسي والقانوني، ففي عام 1981م، برز الاهتمام بتنظيم العلاقات التجارية، ثم توسع التعاون في العام نفسه إلى مجالات الثقافة والتعليم والصحة والإعلام والرياضة.وفي عام 1984م، أضيف قطاع النقل الجوي المدني إلى مجالات التعاون، بما يعكس الاهتمام بتوفير الأطر المنظمة للاتصال والحركة بين البلدين. أما في عام 1995م، فقد مثّلت اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات تطورًا نوعيًا في طبيعة التعاون الاقتصادي، من خلال توفير ضمانات للمستثمرين وتنظيم التعامل مع الاستثمارات والمنازعات المرتبطة بها، أما اتفاق التعاون الثقافي والصحي والإعلامي، فقد وُقّع في بكين بتاريخ 15 أغسطس 1981م.علاقات تتجاوز الاقتصاد إلى التواصل الحضاريتكشف هذه الاتفاقيات أن التعاون بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية لم يكن قائمًا على المصالح التجارية وحدها، بل شمل منذ مراحله المبكرة جوانب ثقافية وعلمية وإنسانية، فقد أولت اتفاقية عام 1981م اهتمامًا واضحًا بتبادل الكتب والوثائق التاريخية، والتعاون بين المكتبات والمتاحف، وتنظيم المعارض الثقافية، وتبادل الخبرات في مجالات التعليم والصحة والإعلام.وفي المقابل، جاءت الاتفاقيات الاقتصادية لتؤسس لبيئة أكثر تنظيمًا للتجارة والاستثمار والنقل، وهي قطاعات أساسية في تعزيز التواصل بين الدول.وتؤكد هذه الوثائق أن العلاقات العُمانية الصينية الحديثة لم تتطور عبر اللقاءات السياسية والدبلوماسية وحدها، وإنما من خلال اتفاقيات رسمية أرست أسسًا قانونية للتعاون في قطاعات متعددة، وأسهمت في تشكيل الإطار المؤسسي الذي استندت إليه مراحل لاحقة من العلاقات الثنائية.الأولىشارك هذا الخبر

المصدر: أثر