شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

علاقة المواطن بالدولة... بين التعهدات السياسية ومأزق التنفيذ

علاقة المواطن بالدولة... بين التعهدات السياسية ومأزق التنفيذ

منذ خطاب القسم في كانون الثاني 2025، سمع المواطنون لغة سياسية استثنائية: دولة تحتكر حمل السلاح، وقضاء مستقل، وإصلاح مالي يحمي الودائع، وسياسة خارجية تُبعد البلاد عن صراعات المحاور. وجاء البيان الوزاري لحكومة نواف سلام بعد أسابيع ليكرّر هذه العناوين ويمنحها مزيداً من التفصيل. على الورق، يكاد الإجماع يكتمل على ما يريده اللبنانيون من دولتهم. بعد قرابة اثنين وعشرين شهراً على بدء العهد، انتقل معيار الحكم على السلطة من مضمون الوعود إلى حصيلة تنفيذها. فالخطاب الجيد يرفع سقف التوقعات، وكل تأجيل أو تعثر يُحتسب على الرصيد نفسه. وفي بلد استنزفته الأزمات، يقيس المواطن الدولة بما يلمسه في حياته اليومية، من أمنه وأمانه وودائعه وكهربائه، أكثر مما يقيسها بما يسمعه في الخطابات. ولتفسير خطورة هذا الامتحان، يمكن الاستعانة بتمييز عالم السياسة ديفيد إيستون بين نوعين من الدعم السياسي: "الدعم النوعي"، الذي يرتبط برضا المواطنين عن أداء الحكومة وسياساتها، و"الدعم المنتشر"، الذي يعكس إيمانهم بشرعية النظام السياسي ومؤسساته. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر أثر الوعود المتعثرة على تراجع الرضا عن أداء السلطة، بل قد يمتد إلى إضعاف الثقة بالدولة نفسها. وعندما تتكرر خيبات التوقعات، يصبح ترميم هذه الثقة أكثر صعوبة. وهنا تكمن أهمية مرحلة التنفيذ في لبنان: فالاختبار لا يقتصر على أداء الحكومة، بل يشمل قدرة الدولة على ترسيخ شرعيتها في نظر مواطنيها. ثقة منقسمة وإرهاق جماعي بلغة الأرقام، يكشف آخر استطلاع للرأي أجرته "الدولية للمعلومات" في أيار 2026 عن أزمة تتجاوز الانقسام السياسي، لتطال علاقة المواطنين بالدولة ومدى ثقتهم بقدرتها على تمثيلهم وحماية مصالحهم. فالنتائج ترسم مشهداً من التباينات الحادة في المواقف من الملفات الشائكة، ولاسيما سلاح حزب الله والمفاوضات مع إسرائيل، وصولاً إلى الجهات التي يفضّلها المواطنون. ويؤيد 58.2% من المشاركين نزع سلاح حزب الله، في مقابل 34.2% يعارضون الخطوة، فيما تتفاوت المواقف بشكل كبير بين المناطق والطوائف. أما في ملف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، فتتقارب الآراء إلى حد كبير، إذ يرى 47.9% أن الحكومة أخطأت بالتفاوض قبل وقف إطلاق النار، مقابل 47.6% يرون أن الحكومة لم تخطئ. وتبرز دلالة إضافية في الإجابات عن سؤال "من هي الجهة المفضلة؟". فقد تصدّرت "المقاومة" الخيارات بنسبة 29.3%، تلاها خيار "لا أحد" بنسبة 19.7%، فيما لم تتجاوز نسبة الذين اختاروا "لبنان" 6.8%. وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية عند قراءتها في ضوء ما خلص إليه تقرير "الباروميتر العربي" في دورته التاسعة حول لبنان، والذي أشار إلى أن البلاد تقف أمام مفارقة حادة: ارتفاع محدود في الأمل والثقة، يقابله واقع اقتصادي وخدماتي متدهور، ونظام سياسي عاجز عن إنتاج حلول. ومع تجدّد الحرب، تبدو هذه المؤشرات الإيجابية الهشّة مهدّدة بالانهيار، في ظل انتقال الأزمة من كونها أزمة مزمنة إلى أزمة وجودية تهدّد بقاء الدولة نفسها. وأشار التقرير إلى أنه قبل التصعيد العسكري الأخير، كان المزاج العام للبنانيين يتّسم بتشاؤم واسع حيال الاقتصاد، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واستياء عميق من الفساد وفشل الدولة. ومع ذلك، سجّل الاستطلاع تحوّلاً محدوداً لكن لافتاً، تمثّل بارتفاع نسبي في منسوب الأمل مقارنة بالسنوات السابقة، خصوصاً بين عامي 2024 و2025. اقتصادياً، يعكس التقرير صورة قاتمة، إذ لا تتجاوز نسبة من يقيّمون الوضع الاقتصادي بـ"الجيد" أو "الجيد جداً" حدود 5%، فيما لا يبدي سوى 20% تفاؤلاً بإمكانية تحسّن الأوضاع في السنوات المقبلة. وتضع هذه الأرقام لبنان في أسوأ موقع بين دول المنطقة التي شملها الاستطلاع. أما على مستوى الأولويات، فلا يرى اللبنانيون أزمة واحدة، بل مجموعة أزمات متشابكة، يتقدّمها الاقتصاد بنسبة 25%، وانعدام الاستقرار الداخلي بنسبة 24%، والفساد بنسبة 21%، ما يعكس طبيعة الأزمة البنيوية الشاملة التي يعيشها البلد. وفي هذا السياق، يفضّل نحو نصف اللبنانيين إعطاء الأولوية للإصلاح الاقتصادي بنسبة 49%، على حساب الإصلاح السياسي الذي لم يحظَ سوى بتأييد 12%، ما يدلّ على أنّ الهمّ المعيشي يتقدّم على النقاشات البنيوية حول النظام السياسي. في المقابل، سجّلت مستويات الثقة بالمؤسسات، وفق تقرير الباروميتر العربي، تحسّناً نسبياً، إذ ارتفعت الثقة بالحكومة إلى 22%، وبالبرلمان والقضاء إلى 27% لكل منهما، رغم بقائها ضمن مستويات متدنية مقارنة بالدول الأخرى. وتطرح هذه المؤشرات تساؤلات حول العوامل التي تحدد علاقة المواطن بالدولة، ومدى ارتباطها بقدرة المؤسسات على تطبيق القانون بعدالة، ومحاسبة المسؤولين، وحماية الحقوق وتأمين الخدمات. فالثقة بالمؤسسات تتأثر بما يلمسه المواطن من نتائج ملموسة، وبمدى شعوره بأن حقوقه مصانة وأن القواعد نفسها تسري على الجميع. وفي ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتراكمة، تكتسب مسألة الثقة أهمية إضافية، إذ قد يدفع ضعف المؤسسات بعض المواطنين إلى الاعتماد على شبكات الحماية والانتماءات السياسية والطائفية لتأمين احتياجاتهم. ويطرح هذا الواقع تحدياً أمام الدولة في ترسيخ دورها كمرجعية عامة قادرة على ضمان الحقوق، بعيداً من منطق الوساطة والمصالح الفئوية. استعادة الثقة بالتنفيذ يقف العمل الحكومي والسياسي، أمام مرحلة لا تحتمل التباطؤ أو الوعود المؤجلة؛ فـ "الثقة بالتنفيذ" هي العملة الصعبة الوحيدة المتبقية في رصيد الدولة. إن الانفتاح الإقليمي والدولي على المساعدة، إلى جانب رصيد التبريرات الداخلية، كلها مؤشرات تفقد جدواها إن لم تترجم فوراً إلى سياسات عملية تعيد ضبط السيادة وتحصن الاقتصاد وتصون حقوق المواطنين، لتبقى الدولة "فعلاً لا قولاً" هي المرجعية والضامن الأوحد لاستقرار المجتمع ومستقبله. Advertisement

المصدر: لبنان 24