شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من تنفيذ العقوبة إلى إعادة بناء الشخصية.. كيف تغيرت السياسة العقابية في مصر؟

من تنفيذ العقوبة إلى إعادة بناء الشخصية.. كيف تغيرت السياسة العقابية في مصر؟

أكد اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، أن محاور الاستراتيجية الأمنية الحديثة تتضمن تحديث السياسة العقابية والتحول نحو مراكز الإصلاح والتأهيل، لتقويم سلوك النزلاء، وتطوير برامج الرعاية والتعليم والتأهيل المهني، وإعدادهم للعودة إلى المجتمع بعد انتهاء مدة العقوبة. ويعكس هذا التوجه تحولا في فلسفة التعامل مع المحكوم عليهم، من الاقتصار على تنفيذ العقوبة إلى الجمع بين الردع والإصلاح والتأهيل، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع من الجريمة ومنح المحكوم عليه فرصة لتصحيح مساره، واكتساب المهارات التي تساعده على بدء حياة جديدة بعد الإفراج. الفلسفة العقابية الحديثة لم يعد تطوير السياسة العقابية مقتصرا على تحديث المباني أو تغيير المسميات، وإنما يرتبط بفلسفة أوسع تقوم على أن تنفيذ العقوبة لا يتعارض مع إعادة تأهيل المحكوم عليه، وأن حماية المجتمع لا تتحقق فقط بعزل مرتكب الجريمة عن محيطه، وإنما أيضا بمعالجة العوامل التي قد تدفعه إلى تكرارها، وإعداده للعودة إلى الحياة الطبيعية بعد انتهاء مدة العقوبة. وتقوم هذه الفلسفة على مجموعة من المحاور، في مقدمتها تقويم السلوك، والتأهيل النفسي والاجتماعي، والتعليم والتدريب المهني، والرعاية الصحية، والحفاظ على الروابط الأسرية، والاستعداد للاندماج في المجتمع بعد الإفراج، وبموجب هذا التصور، تصبح فترة تنفيذ العقوبة فرصة لاكتساب مهارات جديدة وتصحيح المسار، بدلا من أن تكون مرحلة ينقطع خلالها المحكوم عليه عن التعليم والعمل والحياة الاجتماعية، بما قد يصعب عودته إلى المجتمع لاحقا. وتستهدف السياسة العقابية الحديثة تحقيق هدفين متكاملين، أولهما تنفيذ الأحكام القضائية وحماية المجتمع من مخاطر الجريمة، وثانيهما تأهيل المحكوم عليهم وإعدادهم للعودة إلى الحياة الطبيعية، مع التأكيد على أن الإصلاح لا يعني التهاون في تنفيذ القانون، وإنما تطوير الوسائل التي تساعد على تقليل احتمالات تكرار الجريمة من السجون التقليدية إلى مراكز الإصلاح والتأهيل يمثل التحول من السجون التقليدية إلى مراكز الإصلاح والتأهيل أحد أبرز ملامح تطوير السياسة العقابية في مصر، إذ يستهدف الانتقال من التركيز على تنفيذ العقوبة فقط إلى الجمع بين تنفيذ الأحكام القضائية والإصلاح والتأهيل والرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية. وجاء تعديل بعض أحكام القانون رقم 396 لسنة 1956 بشأن تنظيم السجون، بموجب القانون رقم 14 لسنة 2022، ليعكس هذا التحول في الإطار القانوني، حيث جرى استبدال مسمى قطاع السجون بقطاع الحماية المجتمعية، إلى جانب تغيير المصطلحات المستخدمة في التعامل مع المحكوم عليهم، في سياق يتبنى مفهوما أوسع للإصلاح والتأهيل.وشهدت السنوات الماضية التوسع في إنشاء مراكز الإصلاح والتأهيل، من بينها مراكز وادي النطرون وبدر والعاشر من رمضان و15 مايو وأخميم بمحافظة سوهاج، ضمن خطة لتطوير البنية التحتية للمؤسسات العقابية وتوفير منشآت حديثة تتوافر فيها الخدمات الأساسية والرعاية المتخصصة.وارتبط هذا المسار بخطة لإغلاق عدد من السجون التقليدية وإعادة تنظيم أماكن الاحتجاز، بما يسمح بتطوير المنشآت والخدمات المرتبطة بالإقامة والرعاية الطبية والتعليم والتدريب والعمل.ولا يقتصر التطوير على المباني وأماكن الإقامة، وإنما يشمل تجهيز المراكز بالخدمات الطبية والتعليمية والتدريبية، ومناطق الإنتاج والعمل، إلى جانب أماكن ممارسة الشعائر الدينية والأنشطة الرياضية والثقافية، بما يتيح للنزلاء الاستفادة من برامج متعددة خلال فترة تنفيذ العقوبة التعليم ومحو الأمية يمثل التعليم أحد المسارات الرئيسية في برامج التأهيل، باعتباره وسيلة لرفع مستوى المعرفة، وتوسيع فرص العمل بعد الإفراج، ومساعدة النزيل على بناء حياة أكثر استقرارا، وخلال الاحتفال بعيد الشرطة في يناير 2026، أعلن وزير الداخلية تمكين ما يقرب من 10 آلاف نزيل من استكمال دراستهم الجامعية والدراسات العليا، إلى جانب محو أمية أكثر من 8 آلاف نزيل بالتنسيق مع الجهات المعنية.وتشمل البرامج إتاحة الفرصة أمام النزلاء لاستكمال مراحلهم التعليمية، والمشاركة في الامتحانات، ومواصلة التعليم الجامعي والدراسات العليا، إلى جانب فصول محو الأمية التي تستهدف النزلاء الذين لم يتمكنوا من اكتساب مهارات القراءة والكتابة التأهيل المهني والإنتاجي يمتد برنامج الإصلاح إلى التدريب المهني والأنشطة الإنتاجية، من خلال ورش ومصانع ومناطق للزراعة والإنتاج الحيواني والداجني، يشارك فيها النزلاء في أعمال متنوعة، بما يساعدهم على تعلم حرف ومهارات عملية يمكن الاستفادة منها بعد انتهاء مدة العقوبة، وتستهدف هذه البرامج ربط فترة تنفيذ العقوبة بالتأهيل لسوق العمل، وإكساب النزلاء خبرات عملية، إلى جانب توفير فرص للحصول على دخل من العمل وفقا للقواعد المنظمة.وتتنوع مسارات التدريب وفقا لطبيعة الأنشطة المتاحة واحتياجات النزلاء، بما يسمح بتطوير المهارات المهنية والحرفية، وتهيئة المشاركين للتعامل مع متطلبات العمل بعد الإفراج. الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية تتضمن منظومة مراكز الإصلاح والتأهيل خدمات للرعاية الصحية، تشمل الفحوص الطبية والعلاج، إلى جانب خدمات الدعم النفسي والمشورة والعلاج من الإدمان، وفقا لاحتياجات كل حالة وتشمل منظومة الرعاية أيضا مراعاة احتياجات النزيلات الحاضنات لأطفالهن، والحفاظ على الروابط الأسرية والاجتماعية قدر الإمكان، باعتبارها من العوامل التي قد تساعد على الاستقرار بعد الإفراج. وفيما يتعلق بحجم الخدمات المقدمة، كشفت بيانات الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، خلال الفترة من سبتمبر 2024 حتى يونيو 2025، توريد أدوية ومستلزمات طبية إلى مستشفيات وعيادات مراكز الإصلاح والتأهيل بقيمة بلغت نحو 97 مليونا و863 ألفا و650 جنيها. كما تضمنت البيانات إتاحة 105 آلاف و738 كتابا متنوعا للنزلاء، وتسجيل 135 ألفا و942 عملية استعارة للكتب، إلى جانب إتاحة 880 ألفا و136 نسخة من الصحف والمجلات اليومية والأسبوعيةوسجلت الفترة نفسها تنظيم 998 ندوة ثقافية وإرشادية، وإعداد النزلاء 499 مجلة حائط ثقافية، فضلا عن تنظيم زيارات محلية ودولية إلى عدد من مراكز الإصلاح والتأهيل.وتخص هذه الأرقام الفترة من سبتمبر 2024 إلى يونيو 2025، ولا تمثل إجمالي الخدمات المقدمة منذ بدء تجربة مراكز الإصلاح والتأهيل.رعاية الأسر والمفرج عنهم ولا تتوقف منظومة التأهيل عند النزيل داخل المركز، وإنما تمتد إلى أسر النزلاء والمفرج عنهم، من خلال مبادرات اجتماعية ومساعدات عينية، إلى جانب دعم فرص إقامة مشروعات صغيرة لبعض المستفيدين، بما يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية وتعزيز الاستقرار الأسري.وتشمل هذه الجهود توفير مستلزمات تعليمية لأبناء النزلاء والمفرج عنهم، إلى جانب أنشطة تستهدف دعم التعليم داخل المراكز، بما يساعد على الحد من انتقال الأعباء الاجتماعية إلى الأبناء، ويحافظ على فرصهم في مواصلة الدراسة.ويمثل الحفاظ على الروابط الأسرية أحد الجوانب المهمة في التأهيل، لأن عودة النزيل إلى محيط اجتماعي مستقر قد تساعده على استعادة دوره داخل الأسرة والمجتمع، وتمنحه دعما إضافيا في مواجهة التحديات التي قد تظهر بعد الإفراج. الإفراج الشرطي والعفو تتضمن منظومة تنفيذ العقوبات آليات للإفراج الشرطي والعفو عن باقي مدة العقوبة، وفقا للشروط والضوابط القانونية المقررة، بما يسمح للمستحقين بالعودة إلى المجتمع قبل انقضاء مدة العقوبة كاملة، متى توافرت الشروط اللازمة.وخلال عام 2026، صدرت قرارات بالعفو عن نزلاء في مناسبات مختلفة، من بينها الإفراج عن 1906 نزلاء بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر، و1090 نزيلا بمناسبة عيد الأضحى، و1431 نزيلا بمناسبة عيد الفطر، و2520 نزيلا بمناسبة عيد الشرطة، وفقا للأرقام المعلنة عن تلك القرارات.وهذه أعداد مرتبطة بقرارات ومناسبات منفصلة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حصيلة سنوية نهائية من دون مراجعة البيانات الإجمالية والتحقق من عدم وجود تداخل بين الأرقام المنشورة.وفي الفترة من سبتمبر 2024 حتى يونيو 2025، تضمنت بيانات العام الرابع من تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان استفادة 8528 نزيلا من قرارات العفو الرئاسي، و12 ألفا و406 نزلاء من قرارات الإفراج الشرطي.وقال اللواء عادل عبد العظيم مساعد وزير الداخلية الاسبق، أن تطوير السياسة العقابية يمثل تحولا في مفهوم التعامل مع المحكوم عليهم، من الاقتصار على تنفيذ العقوبة إلى الجمع بين الردع والإصلاح والتأهيل، موضحا أن العقوبة تظل ضرورة لحماية المجتمع وتحقيق العدالة، لكن أثرها لا ينبغي أن يتوقف عند انتهاء مدة الاحتجاز. واضاف اللواء عبد العظيم أن نجاح مراكز الإصلاح والتأهيل يرتبط بقدرتها على إعداد النزيل للحياة بعد الإفراج، من خلال برامج تعليمية ومهنية ونفسية واجتماعية تتناسب مع احتياجاته، بما يساعده على اكتساب مهارات يمكن توظيفها في العمل، واستعادة قدرته على تحمل المسؤولية والاندماج في محيطه الأسري والاجتماعي. وزير الداخلية الداخلية مراكز الإصلاح والتأهيل الجريمة

المصدر: الوطن