اركن وتنقّل.. مشروع حكومي لمواجهة ازدحام عمّان والنجاح مرهون بكفاءة النقل العام
الدستور- لافي ظل استمرار الازدحامات المرورية على مداخل العاصمة عمّان ومحاورها الرئيسة، يبرز مشروع "اركن وتنقّل – Park and Ride" بوصفه أحد الحلول المقترحة لتخفيف الضغط على شبكة الطرق، من خلال تشجيع أصحاب المركبات الخاصة على إيقاف سياراتهم في مواقف مخصصة، واستكمال رحلاتهم باستخدام وسائل النقل العام. ويهدف المشروع إلى إيجاد نموذج تنقل يربط بين المركبات الخاصة والنقل الجماعي، بما يتيح للقادمين من المحافظات والمناطق المحيطة بالعاصمة الوصول إلى وجهاتهم دون الحاجة إلى قيادة مركباتهم طوال الرحلة، الأمر الذي قد يسهم في تقليل أعداد السيارات المتجهة إلى المناطق المزدحمة، وتوفير الوقت وكلف التنقل. غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يرتبط بتوفير المواقف وحدها، إذ يؤكد مختصون أن نجاح المشروع يعتمد على مدى تكاملها مع شبكة نقل عام منتظمة وموثوقة، قادرة على توفير بديل عملي يشجع المواطنين على تغيير أنماط تنقلهم اليومية. وكانت الحكومة بحثت، في تموز الماضي، مخرجات دراسة اللجنة الفنية لتقييم المواقع المقترحة لتنفيذ المشروع على محاور شارع الأردن وطريق المطار وتقاطع النعيمة، ضمن توجه لإنشاء مرآب إلكتروني يستوعب نحو ألف مركبة، وربطه بخطوط الباص سريع التردد الحالية والمستقبلية. ويأتي المشروع ضمن التوجهات الحكومية لتعزيز التكامل بين وسائل النقل المختلفة، وزيادة الاستفادة من خدمات الباص سريع التردد، وتشجيع المواطنين على التحول من المركبات الخاصة إلى النقل الجماعي، بما قد يسهم في تخفيف الضغط المروري داخل العاصمة. وتكشف ورقة سياسات أصدرها منتدى الاستراتيجيات الأردني مؤخراً، بعنوان "الازدحام المروري في عمّان... إلى متى؟"، عن حجم الضغط المروري في العاصمة، إذ بلغ عدد المركبات المسجلة في المملكة نحو 2.12 مليون مركبة عام 2025، بزيادة نسبتها 33.6% مقارنة بعام 2017، فيما شكلت المركبات الخصوصية 89.1% من إجمالي المركبات المسجلة بالمتوسط خلال الفترة 2017–2025. وأظهرت تحليلات المنتدى أن الازدحام قد يضيف نحو 40 دقيقة إلى رحلة بطول 12 كيلومتراً على أحد المحاور الرئيسة في عمّان، ما يعكس أثر الاعتماد المتزايد على المركبات الخاصة في زيادة أزمنة التنقل. ترى وزيرة النقل السابقة الدكتورة لينا شبيب أن العاصمة عمّان باتت بحاجة متزايدة إلى حلول لإدارة الطلب على استخدام المركبات، في ظل وصول الازدحامات إلى مستويات مرتفعة، خصوصاً على مداخل العاصمة خلال فترتي الذروة الصباحية والمسائية، وما يترتب على ذلك من زيادة في أزمنة الرحلات وكلف التنقل والضغط على شبكة الطرق الداخلية. وتوضح شبيب أن أهمية مشروع "اركن وتنقّل" تكمن في معالجة الازدحامات عند مصادرها، قبل وصول المركبات إلى المناطق الداخلية، من خلال منظومة متكاملة لا تقتصر على توفير مواقف إضافية، وإنما تربطها بخدمات نقل عام قادرة على استيعاب الركاب بكفاءة وانتظام. وتقوم الفكرة، بحسب شبيب، على استخدام المواطنين مركباتهم الخاصة للوصول إلى مواقف قريبة من مداخل العاصمة، ثم استكمال رحلاتهم بواسطة النقل الجماعي، بما يحد من تدفق المركبات نحو المناطق الأكثر ازدحاماً، ويقلل حركة البحث عن مواقف داخل مركز المدينة. وتؤكد أن نجاح هذا النموذج يرتبط بموثوقية النقل العام وسرعته خلال ساعات الذروة، من حيث تكرار رحلات الحافلات وتوفير زمن تنقل منافس، إلى جانب سهولة الربط بين المواقف والمحطات والمسارات وآليات دفع الأجور. وتحذر من أن ضعف جودة خدمات النقل العام المرتبطة بالمواقف قد يحد من إقبال المواطنين على استخدامها، ويحول المشروع إلى مجرد إضافة مواقف جديدة دون تحقيق انخفاض ملموس في الازدحامات المرورية. وحول متطلبات تنفيذ المشروع، تشدد شبيب على ضرورة اختيار مواقع المواقف وفق معايير تشغيلية ومرورية دقيقة، وفي مقدمتها قربها من المحاور الرئيسة التي تشهد كثافة مرتفعة في حركة المركبات، مع ضمان سهولة الوصول إليها والخروج منها دون التسبب بازدحامات إضافية عند نقاط الدخول والخروج. وتلفت إلى أهمية توفير بنية تحتية مناسبة تشمل ممرات آمنة وواضحة للمشاة، وإنارة وكاميرات مراقبة، ومرافق تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب الربط المباشر بخطوط النقل العام وتوفير أنظمة دفع وتذاكر تسهل انتقال الركاب بين وسائل النقل المختلفة. وترى أن تشجيع المواطنين على استخدام المشروع يتطلب أيضاً سياسات متكاملة لتنظيم المواقف داخل العاصمة، تقوم على إدارة الاصطفاف في المناطق الأكثر ازدحاماً، مقابل توفير بدائل منظمة عند المداخل، بما يجعل الانتقال إلى النقل الجماعي خياراً عملياً للسائقين. كما تدعو إلى تعزيز دور القطاع الخاص في دعم هذا التحول، من خلال تقديم حوافز للموظفين لاستخدام النقل العام، مثل الاشتراكات المدعومة أو ترتيبات التنقل الجماعي، بما يسهم في تقليل الاعتماد على المركبات الفردية والرحلات المتجهة إلى وسط العاصمة. وفيما يتعلق بالأثر المتوقع للمشروع، تشير شبيب إلى أن الازدحامات المرورية قد تضيف، في بعض الحالات، ما بين 10 و20 دقيقة إلى زمن الرحلة اليومية خلال ساعات الذروة، وهو ما يمثل كلفة إضافية على المستخدمين والاقتصاد عند احتساب قيمة الوقت المهدور. وتوضح أن استهداف تحويل ما بين 5% و15% من رحلات المركبات الداخلة عبر محور محدد خلال ساعات الذروة إلى النقل الجماعي، يمكن أن يسهم في تخفيف التدفق المروري وتحسين أزمنة الحركة تدريجياً، وفق كفاءة الربط بين المواقف وخدمات النقل العام. وتؤكد أن هذه النسب تقديرات إرشادية لقياس الأثر المحتمل، وليست مستهدفات حكومية معلنة أو نتائج لدراسات مرورية خاصة بالمشروع. وتشدد شبيب على أهمية وضع مؤشرات لقياس نتائج المبادرة قبل تنفيذها وبعده، تشمل أعداد المركبات الداخلة إلى العاصمة، وأزمنة العبور، ومعدلات استخدام المواقف، ونسبة التحول الفعلي إلى النقل الجماعي. كما تؤكد ضرورة تقييم زمن الرحلة من نقطة الانطلاق حتى الوجهة النهائية، والكلفة الإجمالية التي يتحملها المواطن، بما يشمل رسوم المواقف وأجور النقل واستهلاك الوقود والوقت المستغرق، باعتبارها عوامل أساسية لتحديد الجدوى الاقتصادية والمرورية للمشروع. من جانبه، يرى خبير المرور والطرق المهندس خالد حدادين أن مشروع "اركن وتنقّل" يمكن أن يسهم في تخفيف جزء من الحركة المرورية على مداخل العاصمة، إلا أن حجم الاستفادة منه يرتبط بمدى تغطية شبكة النقل العام وتوافر خطوط مغذية تربط المحطات بالأحياء. ويشير حدادين إلى أن الفائدة المباشرة قد تقتصر على المواطنين الذين تتوافق وجهاتهم مع مسارات الحافلات، أو يستطيعون استكمال رحلاتهم بوسائل أخرى بكلفة مناسبة. ويوضح أن توفير الوقت يعتمد بصورة أساسية على مسارات الباص سريع التردد المنفصلة عن حركة المركبات، فيما قد لا تحقق الحافلات التي تسير وسط الازدحامات وفراً مماثلاً، خصوصاً عند احتساب أوقات الانتظار وتبديل وسائل النقل. ويؤكد أن اختيار مواقع المواقف يجب أن يستند إلى دراسات فعلية لمنشأ الرحلات ووجهاتها، مع ضمان سهولة الوصول إليها قبل مناطق الاختناق، وربطها بخطة تشغيل واضحة للحافلات وخدمات الوصول إلى الوجهات النهائية. ويشير إلى أن الجدوى الاقتصادية للمشروع قد تكون أكبر في الرحلات بين المدن، إذ يمكن أن يكون الجمع بين المركبة الخاصة والحافلة ووسيلة نقل قصيرة عند الوصول أقل كلفة من قيادة السيارة طوال الرحلة، تبعاً للمسافة وعدد الركاب والأجور. ويشدد على ضرورة توفير تعرفة مترابطة وخدمة منتظمة وآمنة، وقياس أثر المشروع من خلال أعداد المركبات التي تحولت فعلياً إلى النقل العام، ومقارنة زمن الرحلة وكلفتها الإجمالية قبل تشغيل المواقف وبعده، بدلاً من الاكتفاء بمعدلات إشغالها. يرى الموظف علي الزبن، من منطقة الجيزة ويعمل في عمّان، أن مشروع "اركن وتنقّل" يمثل مبادرة إيجابية يمكن أن تسهم في تخفيف الازدحامات داخل العاصمة، شريطة توفير وسائل نقل منتظمة تضمن وصول الموظفين إلى أماكن عملهم دون تأخير. ويقول الزبن إنه مستعد لإيقاف مركبته واستخدام النقل العام إذا توفرت حافلات بمواعيد محددة، وشبكة خطوط مترابطة تتيح الوصول إلى مختلف مناطق العاصمة بسهولة، دون الحاجة إلى الانتظار لفترات طويلة أو التنقل بين وسائل متعددة بصورة مرهقة. ويعتبر أن تجربة الباص سريع التردد تعزز فرص نجاح المشروع، خصوصاً إذا جرى تطوير شبكة متكاملة تغطي المناطق المستهدفة، مشيراً إلى أن استخدام النقل الجماعي قد يحقق وفراً اقتصادياً للمواطنين في ظل ارتفاع كلف الوقود وتشغيل المركبات الخاصة. من جانبها، تؤكد الموظفة دالية حسين، التي تقيم في حي أم رمانة، إحدى ضواحي عمّان، استعدادها لاستخدام المواقف خلال رحلتها اليومية إلى مكان عملها في وادي السير، شريطة توفير مواقف آمنة ومجهزة بكاميرات مراقبة. وتوضح حسين أن الازدحامات الصباحية وارتفاع كلفة البنزين يشكلان دافعاً للبحث عن بدائل أكثر راحة وأقل كلفة، لافتة إلى أن تنقلها بمركبتها الخاصة من منطقة طريق المطار إلى عملها في وادي السير يكلفها نحو 120 ديناراً شهرياً. وترى أن نجاح المشروع يتطلب توفير عدد كافٍ من الحافلات والالتزام بمواعيدها، إلى جانب إتاحة متابعة حركة الحافلات إلكترونياً، على غرار الخدمات المتاحة في باص عمّان، بما يساعد الركاب على تنظيم رحلاتهم وتقليل فترات الانتظار. وتعكس هذه الآراء أهمية مراعاة احتياجات المستخدمين عند تصميم المشروع، إذ لا يقتصر قرار الانتقال إلى النقل العام على توفير المواقف، بل يشمل مدى سهولة الوصول إلى الوجهة النهائية، وانتظام الخدمة وأمان المركبات المتروكة وكلفة الرحلة. وبينما يوفر مشروع "اركن وتنقّل" فرصة لتطوير التكامل بين النقل الخاص والعام، فإن قدرته على تخفيف الازدحامات ستتحدد بمدى نجاحه في استقطاب مستخدمي المركبات الخاصة، وتوفير خدمة نقل جماعي موثوقة ومنافسة من حيث الوقت والكلفة، بما يجعل الانتقال إلى الحافلات خياراً يومياً قابلاً للاستمرار، وليس مجرد بديل مؤقت للتنقل.
المصدر: الدستور