شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

محمد محمود عثمان يكتب للشبيبة: الأمن القومي العربي.. وتطوير معاهدة الدفاع المشترك

محمد محمود عثمان يكتب للشبيبة: الأمن القومي العربي.. وتطوير معاهدة الدفاع المشترك

بقلم : محمد محمود عثمان الجامعة العربية تمتلك الأدوات القانونية والسياسية التي تمكنها من إعادة إحياء معاهدة الدفاع العربي المشترك وتحويلها إلى منظومة دفاع جماعي قريبة من تجربة الناتو الأوروبي، دون الحاجة إلى البدء من الصفر أو إنشاء منظمة جديدة، وهذا يستدعي الإرادة العربية الجماعية لقيام كتلة عربية وازنة يتوافق أطرافها على استراتيجية مرنة تتحدد من خلالها مصادر تهديد الأمن القومي العربي وترصدها، حتى لا نقبل طوعًا أن نبقى خارج التاريخ، فهل نحن مستعدون لنحل مشكلاتنا بأيدينا؟ وننتهز فرصة الأزمة القائمة بين أمريكا وإسرائيل وإيران في مضيق هرمز، التي فُرضت على دول المنطقة، لتحقيق تعاون عربي وصحوة قوية، أم نستسلم ونرضى بوضع مصيرنا وأمننا بأيدي القوى الأجنبية، وليس بإرادة شعوبنا؟فالأمن العربي لا يتوقف عند الحدود البرية، بل يرتبط بأمن الممرات البحرية في مضيق هرمز ومضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب وخليج عُمان وقناة السويس وشرق البحر المتوسط.لذلك، فإن معاهدة الدفاع العربية الموقعة عام 1950 تحتاج إلى قبلة الحياة لتخرج من فترة البيات الطويلة التي امتدت إلى أكثر من 80 عامًا، والتي باتت تستوجب الترحم عليها صباحًا ومساءً، فقد أصبحت تحتاج إلى ضخ دماء جديدة تتدفق في شرايينها، لتتجاوز فترات الخمول والموت السريري الإرادي، وتخرج من غرفة الإنعاش للحياة من جديد، وذلك بالتحديث الشامل الذي يمكنها من مواجهة ومواكبة التحديات والتهديدات المعاصرة التي تجاوزت حروب الجبهات التقليدية إلى تهديد أمن واستقلال وسيادة أعضائها دون استثناء، حتى طالت الأماكن الإسلامية المقدسة.لذلك، نحتاج إلى سرعة إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة تعمل تحت مظلة الجامعة العربية، وتنتشر في عدة مواقع استراتيجية ولوجستية تغطي دول الجامعة وتضمن حمايتها، مع الاتفاق على اختيار عدد من الدول التي تتناوب قيادة هذه القوة تلافيًا لأية حساسيات حول قيادة قوة الدفاع المشتركة.لأنه ليس بالضرورة أن تتجمع القوة العسكرية أو تتمركز في مكان واحد أو في دولة ما، حيث يمكن أن تظل القوات في بلدانها، مع تخصيص وحدات معلومة للقيادة المشتركة، وفق ترتيبات مسبقة إذا لزم الأمر للتحرك، باعتبارها قوة سريعة الانتشار قادرة على التحرك السريع والتلقائي للتصدي للمخاطر والاعتداءات الخارجية والانقسامات الداخلية، أيًّا كان مصدرها، التي تتعرض لها الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، أسوة باتفاقية الناتو الأوروبية. وهذا يتطلب دعوة مجلس الجامعة العربية إلى اجتماع استثنائي على مستوى وزراء الخارجية والدفاع لمراجعة تنفيذ المعاهدة وبنودها، وتحديد الالتزامات التي لم تُنفذ، ووضع برنامج زمني لتفعيلها.من خلال تشكيل لجنة من الخبراء الاستراتيجيين والعسكريين من كل الدول العربية لتحديث وتعديل بنود وآليات وطبيعة اتفاقية الدفاع المشترك، ووسائل الردع الأساسية، وإحياء الهيئة العربية للتصنيع للقيام بمهمتها في إنشاء قاعدة متطورة للتصنيع الدفاعي العربي؛ لأن من لا يملك سلاحه لا يملك حريته أو استقلاله، وإضافة ما يلزم من تعديلات تقتضيها التطورات والمستجدات الدولية والقومية والإقليمية دون الاستعانة بقوى أو دول أجنبية تخترق اللُّحمة العربية وتنخر في نسيجها العربي، الذي سيلفظها حتمًا مع مرور الوقت لتناقضها مع الواقع الجغرافي والمتطلبات اللوجستية والأمنية والأهداف السياسية والتنموية والاقتصادية.ومن هنا يصبح من الضروري تطوير معاهدة الدفاع العربي المشترك لتصبح إطارًا دفاعيًا مؤسسيًا كما في تجربة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وألا تكون معاهدة الدفاع المشترك مشروعًا عسكريًا فقط، بل مشروعًا لإعادة بناء النظام العربي كليًا.لتكون المعاهدة أهم الخيارات الضرورية المطروحة لإعادة بناء منظومة الأمن القومي العربي المفقودة، خصوصًا في ظل التحولات الأمنية والمخاطر التي تشهدها المنطقة، والحرب على إيران وتداعياتها المدمرة على الخليج بأكمله.والأخذ في الحسبان الخطر الحقيقي للوجود الإسرائيلي وملفه النووي المسكوت عنه، والتوسعات المعلنة عن إسرائيل الكبرى، ويضاف إليه الآن الخطر الإيراني الذي كشّر عن أنيابه مؤخرًا، إلى جانب خطر المشروع التركي، وهي الأخطار المحدقة بجميع الدول العربية؛ لأنها تهدد الأمن القومي العربي آنيًا ومستقبليًا.ولذلك، علينا جميعًا العمل على تخطي العوائق التي تقف في وجه تحقيق عملية إعادة تفعيل اتفاقية التعاون العسكري المشترك، وتحديد مصادر الخطر والتهديدات، وخيارات التسليح المناسب والمتطور ومصادر التمويل المستدام، وإيجاد نظام تمويل دفاعي مشترك مماثل للناتو (الميزانيات المشتركة للناتو نحو 4.6 مليار يورو في 2025).وذلك بموجب نسبة إلزامية من الناتج المحلي لكل دولة، وفقًا لقدراتها الاقتصادية، تودع في صندوق للدفاع العربي المشترك.وإنشاء قيادة عسكرية تنسيقية عربية، وتعاون استخباراتي مشترك.وتعمل القيادة وفق صلاحيات متفق عليها عربيًا، وتتولى التخطيط للدفاع عن الدول الأعضاء، وتأمين الممرات البحرية والمضائق الاستراتيجية، والتنسيق بين القوات البرية والبحرية والجوية، وتنسيق الدفاع الجوي والصاروخي، وإدارة المناورات المشتركة، مع الحفاظ على استقلالية الجيوش الوطنية.وألا تتحول القوة العربية المشتركة إلى أداة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء إلا لحماية الشرعية.مع الحذر من إشكالية تواجد أو استمرار الهيمنة الأمريكية على الإقليم، ومعها التحالفات الغربية التي تنشر القواعد العسكرية في المنطقة، والتي ربما تحمي إسرائيل وتحول دون قدرة الجيش العربي على التصدي أو مرونة التحرك السريع.على أن يتم إنشاء «مجلس دفاع عربي أعلى» على مستوى القادة أو وزراء الدفاع والخارجية، ويتبعه مجلس عسكري يضم رؤساء الأركان في الجيوش العربية، تكون له صلاحيات إقرار الخطط الدفاعية المشتركة، واتخاذ القرارات اللازمة، على أن يجتمع بصورة دورية ليكون مجلس دفاع عربي دائمًا، مع إمكانية الدعوة إلى اجتماع طارئ خلال 24 ساعة عند تعرض دولة عربية لأي اعتداء.ويقوم المجلس بإعداد بروتوكول إضافي يحدد كيفية التعامل مع أي من المخاطر التي تتمثل في حالات الاعتداء العسكري المباشر أو استهداف المنشآت النفطية والاقتصادية والمدنية والمدنيين، أو استهداف المطارات والموانئ، والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو الهجمات السيبرانية واسعة النطاق، أو الاعتداء على السفن التجارية والممرات البحرية، وهذا يتوافق مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس.

المصدر: الشبيبة