شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

"ريتشاو" الصينية.. رحلة في قلب الإمبراطورية الصناعية الخضراء

* "الصباح نيوز" تاخذكم في رحلة مسلسلة من هدير الميناء إلى صخب المصانع مرورا باروقة الجامعة ووصلا إلى سكون مزارع الشاي من مبعوثة دار الصباح الى بيكين: أميرة الدريدي على بعد 150 كيلومتراً فقط من مدينة تشينغداو، وتحديداً في مقاطعة شاندونغ، تقف مدينة ريتشاو (Rizhao) كواحدة من ألمع النماذج الاقتصادية التي تختزل قصة النهضة الصينية الحديثة. مدينة تبلغ مساحتها أكثر من 5,300 كيلومتر مربع، وتتمتع بشبكة مواصلات عملاقة تربطها بـ 15 مدينة صينية كبرى عبر 3 مطارات دولية وقطارات فائقة السرعة. خلال جولة ميدانية نظمها المركز الإعلامي العربي في شاندونغ، تحولت "الصباح نيوز" في رحلة استكشافية لمدة أيام، قمنا خلالها بتفكيك النسيج الاقتصادي لهذه المدينة التي نجحت في التحول من ميناء إقليمي إلى قطب صناعي عالمي، دون أن تفقد مساحاتها الخضراء أو تهمل عقول أبنائها. رحلة بدأت من هدير الموانئ العملاقة ولم تنتهِ إلا في سكون مزارع الشاي، لنكتشف كيف تصنع الصين معجزاتها. المحطة الأولى: ميناء ريتشاو.. الشريان الذي يضخ الناتج المحلي الإجمالي للعالم بدأت رحلتنا من حيث يبدأ الاقتصاد، من ميناء ريتشاو (Shandong Port Rizhao)، الذي يُعد شريان الحياة للمدينة. منذ أن بدأ البناء في عام 1982 وافتُتح للعمل في عام 1986، مر هذا الميناء بتحولات جذرية، خاصة في عام 2019 عندما تم دمجه في مجموعة ميناء شاندونغ العملاقة. اليوم، لا يقتصر دور الميناء على الشحن التقليدي، بل هو محور لوجستي عالمي يتعامل مع أكثر من 500 مليون طن من البضائع سنوياً، مما جعله يحتل المرتبة السابعة عالمياً والسادس في الصين. أثناء تجولنا بين الأرصفة الـ 79، والتي يخصص منها 50 رصيفاً للفحم والمواد السائبة، شاهدنا بأعيننا كيف يتم ربط الميناء بشبكة سكك حديدية وأنابيب نفط تمتد لآلاف الكيلومترات، مما يجعله مركزاً رئيسياً لتوزيع الحبوب وخام الحديد والنفط الخام. وفي عام 2025، بلغت إيرادات الميناء 35 مليار يوان بنمو 15% عن العام السابق، مدعومة بمشاريع استراتيجية للطاقة الريحية البحرية وصناعة اليخوت باستثمارات تجاوزت 12 مليار يوان، حيث تمتلك الشركة أسطولاً ضخماً من القاطرات وآلات الرفع الذكية التي تعمل على مدار الساعة. المحطة الثانية: عمالقة الصناعات الثقيلة.. من زراعة الأرض إلى توريد قطع غيار "تسلا" لم يكن مفاجئاً أن ننتقل من رحم الميناء إلى مصانع عملاقة تثبت أن "ريتشاو" تسيطر على سلاسل التوريد العالمية. في مجموعة ووتشنغ (Wuzheng Group) التي تأسست عام 1961، وجدنا أنفسنا أمام عملاق للمركبات الزراعية والآلات الهندسية يوظف أكثر من 10,000 شخص. تتميز هذه الشركة بامتلاكها 1,100 باحث ومطور، وتتعاون مع 110 جامعة صينية، وقد نجحت في تسجيل 900 براءة اختراع لتطوير 6 قطاعات صناعية كبرى تعتمد على 5 مصانع ذكية بالكامل. لم يقتصر إبداع ووتشنغ على الجرارات والشاحنات التي تُصدر للعالم، بل امتد إلى أنظمة التعليق المتطورة (MacPherson suspension) لضمان أعلى معايير السلامة، وقد حققت الشركة إيرادات إنتاجية تجاوزت 170 مليار يوان، مما أهلها لنيل جوائز وطنية مرموقة مثل "شهادة العمال الوطنية في الأول من ماي". ومع ذلك، فإن الوجه الأكثر إثارة للدهشة كان في مجموعة جينما (Jinma Group)، التي تأسست عام 1953 وتعد "بطلاً وطنياً" في صناعة قطع غيار السيارات الدقيقة. هنا، تدرك حجم التكامل الصناعي الصيني، حيث تنتج هذه الشركة مكابس التوجيه والمحاور والمكابس الدقيقة التي تزود بها كبرى العلامات التجارية العالمية مثل مرسيدس، بي إم دبليو، وتسلا. تحتكر جينما 32% من حصة السوق العالمية في مكابس التوجيه للشاحنات الثقيلة، وتمتلك 11 شركة تابعة، وتستثمر حالياً 6 مليارات يوان في مشاريع الألومنيوم الدقيق للسيارات الكهربائية، ومشاريع الطاقة المتجددة، لتبلغ قيمة إنتاجها السنوي المتوقع 1.2 مليار يوان، بينما يبلغ حجم صادراتها أكثر من 70% من إجمالي إنتاجها. ولأن الصناعة تحتاج إلى فولاذ لا يلين، كان لابد لنا من زيارة مجموعة ريتشاو للحديد والصلب (Rizhao Steel). في عام 2025، بلغ إنتاج الشركة 27.785 مليون طن، وإيراداتها 113.43 مليار يوان، مما وضعها ضمن أفضل 10 شركات صلب في الصين. ما يميز هذا العملاق هو استخدامه لتكنولوجيا "ESP" (الإنتاج المستمر للشرائط الفولاذية)، ليكون أول مصنع في العالم ينتج أنحف شرائط فولاذية بسُمك 0.6 ملم، تُستخدم في السيارات والأجهزة المنزلية وتُصدر لأكثر من 56 دولة. وبفضل التزامه بأعلى معايير البيئة والسلامة، حصل المصنع على تصنيف (A+) في الأداء البيئي، وحصل على جوائز وطنية كبرى. المحطة الثالثة: ريادة الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية ولم تتوقف ريتشاو عند الصناعات الثقيلة، بل ركبت موجة المستقبل بسرعة فائقة، وهو ما لمسته "الصباح نيوز" في مصانع الطاقة النظيفة. في شركة يونغلي (Yongli New Energy) التي تأسست عام 2017، شاهدنا خطوط إنتاج سيارات الطاقة الجديدة، من الدراجات الكهربائية إلى مركبات الدفع الرباعي، والتي تُصدر إلى 56 دولة، ويعمل بها 400 موظف. وبجوارها، تبرز مجموعة جيندي (Jindi Group) التي حققت مبيعات بلغت 101 مليون دولار، وتنتج 350,000 وحدة سنوياً بمعايير جودة صارمة (ISO9001 و CCC) لتصديرها إلى أكثر من 30 دولة، حيث تعتمد على 300 موظف وتستثمر بكثافة في البحث والتطوير. أما في مجال الطاقة المتجددة، فقد كانت لنا وقفة مطولة في شركة بلو كاربون (Blue Carbon) التي تأسست عام 2009. هذه الشركة لا تصنع فقط الخلايا الشمسية، بل تقدم حلولاً متكاملة تغطي 5 قطاعات رئيسية: المياه، التبريد، المطابخ، الإضاءة، والتنقل. تمتلك الشركة مصانع تعمل بمعايير "الثورة الصناعية الخامسة 5.0" بقدرة إنتاجية تبلغ 2 جيجاوات سنوياً، وأكثر من 100 مركز تخزين إقليمي، مما يجعلها رائدة في حلول الطاقة المصغرة (Micro-energy) للمنازل والمصانع على حد سواء. المحطة الرابعة: جامعة ريتشاو للفنون التطبيقية.. العقول التي تدير الآلة بعد أن شاهدنا المصانع وهي تنتج، كان لابد لنا من اكتشاف من يديرها. في جامعة ريتشاو للفنون التطبيقية (Rizhao Polytechnic)، وهي إحدى أفضل 50 كلية مهنية في الصين، لمست "الصباح نيوز" نموذج "المدينة + الجامعة". الجامعة مدمجة مع النسيج الصناعي للمدينة، وتضم 15 كلية تقدم 47 تخصصاً حيوياً مثل الذكاء الاصطناعي، التجارة الإلكترونية، والخدمات البحرية. تستقبل الجامعة 23,300 طالب وطالبة، وتوفر لهم 19 دورة تدريبية متقدمة و10 قواعد تدريب وطنية، ولديها 120 معمل تدريب. الجامعة لا تكتفي بالتدريس النظري، بل تبتكر مناهج دراسية معتمدة دولياً، وقد حصلت على 11 جائزة تعليمية كبرى و3 جوائز وطنية للابتكار، مما يجعل نسبة توظيف خريجيها تتجاوز 98%، حيث يجدون مكانهم مباشرة في المصانع الذكية التي زرناها. المحطة الخامسة: التنمية الريفية وثقافة الشاي.. بلدة "فينغهوانغ" ولأن النهضة لا تكتمل دون ريفها، أنهينا جولتنا في بلدة "فينغهوانغ" (Phoenix Tea Township)، التي جسدت استراتيجية وطنية لنقل زراعة الشاي من الجنوب الدافئ إلى الشمال. تضم البلدة 12 قرية على مساحة 18.27 كيلومتر مربع، ويعمل بها أكثر من 8,000 شخص. استثمرت الحكومة 3.19 مليار يوان لتطوير البنية التحتية ودمج زراعة الشاي مع السياحة البيئية. هنا، لا يقتصر الأمر على جني الأوراق، بل يتم تصنيع منتجات ثانوية مثل الشاي الفوري ومستحضرات التجميل، مما ضاعف من دخل المزارعين وحول المنطقة إلى وجهة سياحية رئيسية. ولأن البيئة هي الأولوية، تم بناء محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وتحويل 70% من المنازل الريفية إلى "ساحات خضراء" (Beautiful Courtyards)، مما جعل هذه البلدة نموذجاً عالمياً في التنمية المستدامة، تُبث قصتها في 150 دولة. ريتشاو.. بوابة العرب للاستثمار في المستقبل ما شاهدناه في ريتشاو ليس مجرد مصانع متفرقة أو موانئ صاخبة، بل هو نظام بيئي متكامل يربط بين الميناء، المصنع، الجامعة، والمزرعة. مدينة تثبت أن التنمية الحقيقية هي التي تصنع المعجزات الصناعية دون أن تخنق رئة الطبيعة. هذه المدينة، التي تستضيف علامات تجارية عالمية وتصنع قطع غيار لأكبر شركات السيارات في العالم، وتنتج أنحف فولاذ في العالم، تفتح أبوابها للاستثمارات العربية في مجالات اللوجستيات، تصنيع قطع غيار السيارات الكهربائية، تكنولوجيا الطاقة الشمسية، واستيراد الشاي عالي الجودة.

المصدر: الصباح