قراءة في العلاقات العمانية الصينية: من البحر إلى الاستثمارات
تحليل ورأيقراءة في العلاقات العمانية الصينية: من البحر إلى الاستثمارات١ نوفمبر ٢٠٢٦ | 1:59 مساءً ناصر الحارثي مهتم بقطاع الأعمال والاقتصاد والمعرفةقراءة في العلاقات العمانية الصينية: من البحر إلى الاستثمارات أثير - ناصر الحارثي تزامنا مع زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى جمهورية الصين الشعبية، تتجدد أهمية النظر إلى العلاقات العمانية الصينية من منظور يتجاوز الأرقام التجارية والاتفاقيات الاقتصادية، ليصل إلى الجذور التاريخية والجغرافية التي أسهمت في تشكيل هذه العلاقة على مدى قرون طويلة. فعلى الرغم من المسافة الجغرافية التي تفصل بين البلدين، استطاعت الحضارتان العمانية والصينية بناء علاقات تجارية وحضارية ممتدة، صمدت أمام التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي شهدها العالم. تقوم العلاقات التجارية التاريخية بين الدول على مجموعة من العوامل الثابتة، أبرزها الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية، إلى جانب عوامل نشأة وتطور الحضارتين العمانية والصينية، وإذا كانت هذه العوامل المتغيرة تؤثر في حجم التجارة واتجاهاتها، فإن الموقع الجغرافي يظل أحد العناصر الأساسية التي ترسم مسارات التبادل التجاري وتحدد طبيعة المصالح بين الدول. لقد منح الموقع الجغرافي سلطنة عمان ميزة إستراتيجية استثنائية، بفضل إطلالتها المباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي، وقربها من الممرات البحرية التي تربط الشرق بالغرب. وفي المقابل، أسهم امتداد السواحل الصينية على المحيط الهادئ وبحار شرق آسيا في جعل الصين إحدى القوى البحرية والتجارية الكبرى عبر التاريخ. وهكذا، لم يكن البحر فاصلا بين الحضارتين، بل تحول إلى طريق يصل بينهما، تنقلت عبره البضائع والمعارف والثقافات. وتعود جذور التواصل التجاري بين عمان والصين إلى قرون بعيدة، إذ تشير المصادر التاريخية الصينية إلى حضور التجار والبحارة العرب في الموانئ الصينية منذ العصور القديمة. وقد ارتبطت الموانئ العمانية، ولا سيما صحار وموانئ ظفار، بشبكة واسعة من الطرق البحرية التي تمر بسواحل الهند وبلدان جنوب شرق آسيا وصولا إلى الموانئ الصينية. وكانت السلع العمانية، وفي مقدمتها اللبان والعطور، جزءا من حركة تجارية واسعة تبادلت خلالها شعوب المنطقة المنتجات والمعرفة والخبرات الملاحية. ومن الشواهد البارزة على هذا التواصل رحلة الملاح العماني أبي عبيدة عبدالله بن القاسم في القرن الثامن الميلادي إلى مدينة قوانغتشو الصينية، وهي رحلة تجسد الحضور العماني المبكر في التجارة البحرية الدولية. ولم تكن هذه الرحلات مجرد مغامرات فردية، بل تعكس خبرة ملاحية متراكمة لدى البحارة العمانيين في معرفة اتجاهات الرياح الموسمية والتيارات البحرية وطرق الملاحة باستخدام النجوم، وهي معارف انتقلت بين الأجيال وأسهمت في استمرار النشاط التجاري. وفي الاتجاه المقابل، شهد القرن الخامس عشر الميلادي رحلات الأسطول الصيني بقيادة الملاح الشهير تشنغ خه، الذي وصلت سفنه إلى سواحل عُمان، ومنها ظفار، في إطار الرحلات البحرية الصينية إلى جنوب آسيا وغربها وشرق إفريقيا. وتكشف هذه الزيارات عن أن التواصل بين الحضارتين لم يكن محصورا في اتجاه واحد، وإنما نشأ ضمن شبكة واسعة من المصالح التجارية والتواصل الحضاري المتبادل. ومن اللافت أن هذه العلاقات امتدت عبر مراحل تاريخية مختلفة، رغم ما شهدته المنطقة والعالم من تحولات في موازين القوى والأنظمة السياسية وطرق التجارة الدولية. وهو ما يدفعنا إلى النظر في طبيعة المصالح التي ربطت البلدين، وكيف حافظت الجغرافيا البحرية على أهميتها حتى مع تغير الظروف المحيطة بها. فالمسافة الجغرافية بين البلدين لم تكن قصيرة، لكن وجود طرق بحرية معروفة، وتكامل المنتجات والاحتياجات التجارية، وتراكم المعرفة الملاحية، جعل التواصل التجاري ممكنا ومجديا عبر العصور. كما أن العلاقات السياسية والتفاهمات الحضارية أسهمت في توفير بيئة داعمة لهذا التبادل. ومن هنا، فإن دراسة العلاقات الاقتصادية لا ينبغي أن تقتصر على حجم الأسواق والمسافات الجغرافية، بل تتطلب النظر إلى التاريخ والثقافة وطبيعة المصالح المشتركة. وإذا انتقلنا من التاريخ إلى العصر الحديث، نجد أن هذه الروابط لم تختف مع تطور وسائل النقل والتجارة، بل اكتسبت أبعادا جديدة. ففي 23 نوفمبر 1980 انطلقت السفينة العمانية «صحار» من مسقط في رحلة تاريخية لإحياء مسارات الملاحة القديمة، حتى وصلت إلى ميناء كانتون في الصين في 11 يوليو 1981. ولم تكن الرحلة مجرد حدث بحري أو استعادة رمزية للماضي، وإنما رسالة تؤكد عمق المعرفة البحرية العمانية، وتعيد التذكير بأن التواصل بين البلدين سبق العلاقات الدبلوماسية الحديثة بقرون طويلة. وقد جاءت إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية في 25 مايو 1978 لتفتح مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي، تلتها تطورات متواصلة توجت بإعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في عام 2018. واليوم، يمكن ملاحظة أن الجغرافيا لا تزال حاضرة بقوة في توجهات البلدين الاقتصادية. فقد جعلت سلطنة عُمان تطوير القطاع اللوجستي والموانئ والمناطق الاقتصادية أحد المسارات الرئيسية لتنويع اقتصادها، بينما أطلقت الصين مبادرة «الحزام والطريق» لتعزيز الترابط التجاري والاستثماري عبر شبكات النقل والموانئ والبنية الأساسية. وتبرز منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة بوصفها أحد الأمثلة على التقاء المصالح الاقتصادية بين البلدين، من خلال المشروعات والاستثمارات الصينية، إلى جانب الفرص التي توفرها موانئ صحار وصلالة والدقم في دعم حركة التجارة الدولية. وهذه الموانئ لا تمثل مجرد منافذ لدخول السلع وخروجها، وإنما يمكن أن تتحول إلى مراكز للصناعة وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية وربط الأسواق الإقليمية والعالمية. تحمل العلاقات العمانية الصينية بعدا سياسيا مهما، إذ ترتكز على مبادئ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعاون لتحقيق المصالح المشتركة. وقد ساعد هذا النهج على بناء علاقات مستقرة، مع غياب تام لإرث الصراعات الاستعمارية المباشرة بين البلدين، وهو ما يمنح التعاون الاقتصادي أساسا إضافيا للنمو والاستمرار. إن الزيارة السامية لجلالة السلطان هيثم بن طارق إلى جمهورية الصين الشعبية تمثل فرصة للنظر إلى مستقبل هذه العلاقات من زاوية أوسع، تستحضر التاريخ بوصفه مصدرا للفهم، والجغرافيا بوصفها موردا إستراتيجيا، والاقتصاد بوصفه المجال الذي يمكن من خلاله ترجمة هذه الروابط إلى مشروعات ومصالح مشتركة. فالجغرافيا التي قادت السفن العمانية قديما إلى موانئ الصين، وقادت الأساطيل الصينية إلى سواحل عُمان، لا تزال قادرة على تقديم فرص اقتصادية جديدة، وإن اختلفت السفن والسلع والتقنيات. وبين الماضي والحاضر يبقى الدرس الأهم أن قوة العلاقات التجارية لا تقاس بالمسافة التي تفصل بين الدول فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل تلك المسافة إلى جسور من المصالح والتعاون. ولعل ما يميز العلاقات العمانية الصينية أن الجغرافيا لم تكن مجرد عامل مؤثر في نشأتها، بل ظلت أحد عناصر استمرارها وتطورها. وإذا كانت الموانئ والطرق البحرية قد رسمت ملامح هذه العلاقة عبر التاريخ، فإن الاستثمارات والتقنيات الحديثة وسلاسل الإمداد العالمية يمكن أن ترسم ملامح مرحلتها المقبلة.الأولىشارك هذا الخبر
المصدر: أثر