«PSY» لجعفر القاسمي.. حين يصبح الضحك جلسة لمكاشفة الذات وتشريح المجتمع
لم يكن العرض المسرحي «PSY» للفنان جعفر القاسمي، مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، بالمركب الشبابي والثقافي بالمنزه السادس، مجرد موعد مع الكوميديا والضحك، بل كان أقرب إلى جلسة مكاشفة جماعية، استدرج فيها الممثل جمهوره إلى مواجهة أسئلة الذات ومخاوفها وأوجاعها، قبل أن يوسّع دائرة البوح لتشمل تناقضات المجتمع التونسي وأزماته. فبعد جولة صيفية شملت عددا من المهرجانات والتظاهرات الثقافية في مختلف الجهات، وصل العمل إلى تونس الكبرى في عرض خصصه القاسمي للإعلاميين والفنانين وأصدقائه من المسرحيين، في لقاء لم يكن مبرمجا مسبقا، وفق ما أوضحه الفنان في تصريحه لـ«الشروق». وقد جاءت هذه المحطة لتتيح لجمهور العاصمة ومحيطها فرصة اكتشاف تجربة مسرحية عاد بها القاسمي إلى الركح بعد غياب دام أربع سنوات. من الألم الشخصي إلى الوجع الجماعي تتمثل نقطة الانطلاق الدرامية للعمل في تجربة ذاتية عاشها جعفر القاسمي، تتصل أساسا بفقدان والدته وما خلفه ذلك من آثار نفسية وإنسانية. غير أن القاسمي لا يقدم هذه التجربة في شكل اعتراف مباشر أو سرد مأساوي، بل يختار إعادة صياغتها في قالب كاريكاتوري ساخر، يمنح الحكاية مسافة فنية تسمح له بالحديث عن أكثر لحظاته إيلاما دون السقوط في المباشرة أو الاستدرار العاطفي. وقد استحضر القاسمي في تصريحه لـ«الشروق»، إثر نهاية العرض، سؤالا ظل عالقا بذاكرته للفنان الراحل الفاضل الجزيري، مفاده: «ما الذي يوجعك؟ ما هو الألم الذي يدفعك إلى إنجاز عمل مسرحي؟». وهو تساؤل أعاد القاسمي من خلاله اكتشاف الدافع الحقيقي وراء عودته إلى الركح، وحوّل بمقتضاه وجعا شخصيا إلى تجربة مسرحية اختار أن يتقاسم تفاصيلها مع الجمهور، في قالب كاريكاتوري يجمع بين السخرية والبوح الإنساني. وأضاف القاسمي أنه اختار تقاسم تجربته مع الناس في قالب كاريكاتوري، مع شيء من التجميل والتنميق والحبكة المسرحية، حتى لا تبقى الحكاية مجرد استعادة لوجع شخصي، وإنما تتحول إلى عمل فني قادر على الوصول إلى المتفرج واستثارة تفاعله. ويضيف هذا الاختيار إلى العمل بعدا إنسانيا، إذ لا تبقى الحكاية حبيسة سيرة صاحبها، بل تتحول تدريجيا إلى مساحة يجد فيها المتفرج شيئا من حياته الخاصة، حتى وإن اختلفت تفاصيل التجارب. وفي هذا السياق، أكد القاسمي لـ«الشروق» أن بعض الحاضرين بكى خلال العرض، فيما ضحك آخرون أو تفاعلوا مع الأسئلة المطروحة، لأن كلا منهم وجد نفسه بطريقة ما داخل الحكاية. فهناك من رأى نفسه في لحظات التأثر، وهناك من وجد صورته في المواقف الساخرة، في حين دفع آخرون إلى مساءلة ذواتهم. ولا ينفصل هذا البعد عن رغبة الفنان في كسر الأحكام المسبقة والصور النمطية التي ما تزال تحيط بالعلاج النفسي في المجتمع التونسي، إذ تتحول تجربته مع المختص النفسي إلى مدخل لطرح أسئلة تتجاوز الفرد نحو نظرة المجتمع إلى الصحة النفسية والحاجة إلى فهم الذات ومواجهة الأزمات. مصعد عاطفي بين الضحك والصمت على المستوى الفني، يقوم العرض على تنويع الإيقاعات والانفعالات، فلا يستقر طويلا في منطقة واحدة، بل ينتقل بين المواقف الكوميدية واللحظات الدرامية، وبين الحكاية الشخصية والأسئلة الاجتماعية. وقد وصف جعفر القاسمي، في تصريحه لـ«الشروق»، هذا البناء بأنه أشبه بـ«مصعد عاطفي»، يصعد بالجمهور نحو لحظات التأثر ثم يهبط به فجأة إلى الضحك، قبل أن ينتقل إلى الإيقاع والصمت. ولعل حديثه عن الصمت يمثل أحد أهم مفاتيح قراءة العمل. فالقاسمي يؤكد أن الصمت في «PSY» ليس فراغا أو توقفا عابرا عن الكلام، بل عنصر مدروس ومقصود ضمن البناء المسرحي. وهو اختيار يكتسب أهميته في عرض يقوم أساسا على حضور ممثل واحد وقدرته على إدارة العلاقة مع الجمهور، إذ تصبح لحظة الصمت امتدادا للخطاب، وتتحول إلى مساحة للتفكير واستيعاب ما سبقها من مواقف وأسئلة. كما يكشف حديث الفنان عن «الترّاك» أو التوتر والاستعداد النفسي الذي يسبق العرض عن جانب آخر من علاقته بالركح، إذ لا يخفي القاسمي خوفه من مواجهة الجمهور، بل يعتبره جزءا من المسؤولية الفنية. وهو ما يعكس إدراكا لصعوبة العمل ومتطلباته، خاصة أن العرض يقوم على محطات متعددة تتطلب قدرة على الانتقال السلس بين الحالات النفسية والانفعالية المختلفة. وهنا تتجلى إحدى خصوصيات «PSY»: فالممثل لا يكتفي بإضحاك الحاضرين، وإنما يوظف الضحك لتهيئة انتقالهم إلى لحظات أكثر جدية، حيث تتغير طبيعة العلاقة بين الخشبة والقاعة، ويصبح الصمت أحيانا أكثر تعبيرا من الكلام. من عيادة الفرد إلى تشريح المجتمع لا يتوقف العرض عند حدود التجربة الشخصية، بل يتخذ منها مدخلا لطرح قضايا اجتماعية وإنسانية أوسع. فالموضوع النفسي يتجاوز مفهوم العلاج الفردي ليصبح وسيلة لقراءة واقع اجتماعي مثقل بالتناقضات، من الخوف والسلبية إلى البيروقراطية وعلاقات السلطة والحرية، فضلا عن قضايا الهجرة والمخدرات وغيرها من مظاهر الأزمة التي يعيشها المجتمع. وفي هذا السياق، تتخذ الكوميديا وظيفة تتجاوز الترفيه، إذ تتحول إلى أداة نقدية تكشف المفارقة بين ما يقوله الأفراد وما يمارسونه، وبين رفضهم لبعض السلوكيات عندما تصدر عن الآخرين وقبولهم بها عندما يجدون أنفسهم في الموقع نفسه. وهذا ما يجعل المتفرج لا يظل في موقع المشاهد الذي يضحك على الآخرين، بل يجد نفسه أحيانا موضوعا للسخرية والنقد. فالقاسمي لا يقدم نفسه باعتباره صاحب الإجابات أو من يقف خارج دائرة النقد، بل يضع ذاته والجمهور أمام الأسئلة نفسها، في محاولة لتحويل المسرح إلى فضاء للمكاشفة الجماعية. كما يكتسب هذا الاختيار دلالة خاصة في ظل نظرة اجتماعية ما تزال تربط زيارة الطبيب النفسي بالضعف أو المرض، في حين يحاول العرض تقديمها باعتبارها تجربة إنسانية مرتبطة بالحاجة إلى فهم الذات ومواجهة الأزمات. ومن هذه الزاوية، يصبح الركح فضاء لكسر الحرج الاجتماعي وفتح نقاش حول الصحة النفسية، دون تحويل العمل إلى خطاب توعوي مباشر. من بين الأسئلة التي يطرحها «PSY» طبيعة العلاقة بين التونسي والضحك، خاصة في ظل الأزمات اليومية وتراكم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. فالضحك في العرض ليس نقيضا للألم، بل وسيلة للتعامل معه، وأحيانا طريقة لإخفائه أو تأجيل مواجهته. وفي هذا الصدد، يرى جعفر القاسمي، في حديثه لـ«الشروق»، أن إضحاك التونسي اليوم لم يعد أمرا سهلا، معتبرا أن انتزاع الضحكة من الجمهور أصبح تحديا حقيقيا. ويكشف هذا التصريح عن وعي الفنان بصعوبة المراهنة على الكوميديا في سياق اجتماعي تتداخل فيه الأزمات وتتراجع فيه قدرة الإنسان على التفاعل مع مصادر الفرح. لكن العمل يترك سؤالا مفتوحا: هل يساعدنا الضحك على مقاومة أزماتنا ومواجهتها، أم أنه يمنحنا فقط فرصة مؤقتة لنسيانها؟ وهو سؤال لا يقدم العرض إجابة نهائية عنه، بقدر ما يدعو المتفرج إلى التفكير في دوره ضمن الواقع الذي ينتقده. تجربة تتجاوز العودة إلى الركح يمثل «PSY» محطة جديدة في مسيرة جعفر القاسمي، ليس فقط باعتباره عملا أعاده إلى المسرح بعد أربع سنوات من الغياب، بل لأنه يكشف عن رغبة في توسيع المساحة التي يتحرك فيها فنيا، من الكوميديا القائمة على الشخصيات والمواقف اليومية إلى تجربة أكثر التصاقا بالسيرة الذاتية والأسئلة النفسية والاجتماعية. كما أن تخصيص عرض المنزه السادس للإعلاميين والفنانين وأصدقاء القاسمي، بعد أن جاء موعده بصورة تلقائية إثر الجولة الصيفية، يعكس رغبة صاحب العمل في إتاحة الفرصة أمام الوسط الثقافي والإعلامي لمشاهدة التجربة والتفاعل معها، خاصة أنه أشار إلى أن العمل لم يحظ في البداية بدعوات للمشاركة في مهرجانات تونس الكبرى، رغم تقديمه في عدد من الجهات. وفي المحصلة، لا تكمن قيمة «PSY» في قدرته على انتزاع الضحكات فحسب، بل في محاولته الجمع بين الفرجة والمكاشفة، وبين الترفيه وطرح الأسئلة المقلقة. فجعفر القاسمي يستثمر تجربته الشخصية ليقدم عملا يلامس تجارب جماعية، ويجعل من الضحك مدخلا إلى التأمل في الذات والمجتمع. إنها عودة لا تخلو من الجرأة، لأنها تضع الفنان أمام جمهوره دون الاكتفاء بالصورة الكوميدية التي ألفه بها، وتضع الجمهور بدوره أمام مرآة قد لا تكون مريحة دائما. ولعل الرهان الأهم الذي يتركه العرض هو أن يغادر المتفرج القاعة حاملا معه، إلى جانب الضحكة، بعض الأسئلة التي تستحق التفكير.
المصدر: الشروق