الكيمياء: علمٌ يصنع الدواء والغذاء، ويُهمَّش في ثانوياتنا!
قبل أكثر من نصف قرن، كانت الكيمياء قريبة جدًا من الفيزياء، وتعتمد على أدواتها في تفسير المادة. ثم أخذت تقترب أكثر من العلوم الطبيعية مع تطور البيولوجيا الجزيئية والكيمياء الحيوية. واليوم أصبحت الكيمياء أقرب إلى البيولوجيا منها إلى الفيزياء في كثير من مجالاتها، مثل صناعة الأدوية وتطويرها، والتغذية، ودراسة الكائنات الدقيقة، والهندسة الوراثية، والتكنولوجيا الحيوية، وعلم السموم، وحماية البيئة، وتطوير المبيدات والأسمدة. ومع أن الكيمياء ما زالت تستمدّ بعض طرقها وأدواتها من الفيزياء فإن أسئلتها وتطبيقاتها أصبحت ترتبط أكثر فأكثر بالعلوم الطبيعية. وخلاصة ذلك أن المسافة بين الكيمياء والبيولوجيا صارت أقصر بكثير من المسافة التي تفصلها عن الفيزياء. أليس هذا التحول كافيًا لكي نعيد النظر في مكانة الكيمياء وطرق تدريسها في ثانوياتنا؟ ليست هذه المرة الأولى التي نلفت فيها الانتباه إلى هذا الأمر المستعجل في مجال الترببة والتعليم، لكن لا حياة لمن تنادي. اختلال التوازن بين الفيزياء والكيمياء في التعليم الثانوي من أبرز مظاهر هذا التهميش الحيّز الذي تخصصه امتحانات البكالوريا للكيمياء مقارنة بالفيزياء. ففي شعبة العلوم التجريبية، لا تتجاوز حصة الكيمياء 35% من مجموع علامة المادة، مقابل 65% للفيزياء. ذلك ما تظهره بوضوح مثلا موضوعات البكالوريا لسنتي 2025 و 2026 حيث خُصصت 13 نقطة للفيزياء مقابل 7 نقاط فقط للكيمياء من مجموع 20 نقطة. ومن الطبيعي، في ظل هذا التفاوت، أن يميل الجميع، من أساتذة وتلاميذ وأوليائهم، إلى إعطاء الأولوية للفيزياء، على حساب الكيمياء. ووراء هذا الوضع تنظيم تعليمي قلّما يُناقش، يتمثل في إسناد تدريس المادتين إلى أستاذ واحد. وربما كان هذا الاختيار منطقيًا في مرحلة كانت فيها المادتان متجاورتين في البرامج والمخبر، لكن التطور العلمي غيّر طبيعة العلاقة بينهما. فقد أصبحت الكيمياء ترتبط بصورة متزايدة بالعلوم الطبيعية، كما أسلفنا، ولم تعد مجرد امتداد لمفاهيم الفيزياء وأدواتها. ومن ثم، لم يعد من الواقعي افتراض أن أستاذا واحدا يستطيع الإحاطة بالعمق العلمي والتطور المتسارع في مجالين تتباعد تخصصاتهما. لذلك ينبغي التفكير جديًا في فصل تدريس المادتين، بحيث يتولى الفيزياء أستاذ متخصص فيها، والكيمياء أستاذ متخصص فيها، على الأقل في المستويات والشعب العلمية. وتبدو المفارقة واضحة عند الانتقال إلى التعليم العالي؛ إذ نجد أن كثيرًا من الطلبة الذين تتاح لهم فرصة الاختيار بين تخصصات يغلب عليها الطابع الفيزيائي وأخرى ترتكز على الكيمياء يميلون إلى التخصصات الكيميائية. وهذا الميل أمر طبيعي لأن الطلبة لا يختارون تخصصاتهم بناءً على ميولهم العلمي وحده، بل يأخذون أيضًا بعين الاعتبار فرص العمل المتاحة بعد التخرّج، ولا سيما في قطاعات الصناعة والصيدلة والبتروكيمياء والفلاحة. يقول العالم الفرنسي جون ماري لين Lehn الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1987: “تؤدّي الكيمياء دورا محوريا في حياتنا اليومية، سواء من حيث مكانتها بين العلوم الطبيعية وفي منظومة المعرفة، أو من حيث أهميتها الاقتصادية وحضورها في مختلف مناحي الحياة. ولفرط هذا الحضور، كثيرًا ما نغفل عن وجودها، بل يُخشى ألّا يُشار إليها في أي موضع. فهي لا تسعى إلى لفت الأنظار، غير أنه لولاها لما رأت النور الإنجازات التي نُجمع على اعتبارها مذهلة: الإنجازات العلاجية الباهرة، والإنجازات الفضائية، والروائع التقنية، وغيرها”. وهذا ما يؤكد أهمية هذا العلم ووجوب تطوير تدريسه في ثانوياتنا. وتظهر المشكلة أيضًا في المدارس العليا للأساتذة، وهي المؤسسات المسؤولة عن تكوين أساتذة التعليم الثانوي. فإلى عهد قريب، كان التكوين يجري في قسمين مستقلين: قسم للكيمياء يتخرج منه أساتذة حاصلون على ليسانس ذات الملمح الكيميائي، وقسم للفيزياء يتخرج منه أساتذة حاصلون على ليسانس ذات الملمح الفيزيائي. وكان خريجو القسمين يتولون معًا تدريس مادة العلوم الفيزيائية في الثانويات؛ كان تكوين بعضهم أقوى في الكيمياء، وتكوين الآخرين أقوى في الفيزياء. غير أنه تقرر منذ سنوات دمج القسمين في قسم واحد باسم “العلوم الفيزيائية”، على غرار تسمية المادة المدرَّسة في الثانويات. وقد أفضى هذا القرار عمليًا إلى الانتقاص من الكيمياء، مما يدعو إلى التساؤل عن مبرراته العلمية والبيداغوجية، وعن مدى مراعاته لخصوصية كل تخصص وحاجات التكوين فيه. وثمة مشكلة أخرى سبقت الدمج: فقد كان الطلبة يفضّلون قسم الفيزياء عند الاختيار بين القسمين لِمَا تحظى به هذه المادة من مكانة في التعليم الثانوي. فكان قسم الكيمياء يستقبل في الغالب من لم يجد مكانًا في قسم الفيزياء، ولذلك كان خريجوه، على مدى سنوات، أضعف في الفيزياء من خريجي القسم الآخر. وقد انعكس هذا الوضع، خلال فترة معينة، على أداء بعض خريجي الكيمياء، إلى درجة أن مديري الثانويات كانوا يشتكون من أداء هؤلاء. وربما اعتقد البعض أن دمج القسمين من شأنه وضع حدّ لهذه الظاهرة. إن معالجة الخلل لا تكون بدمج التخصصين، وإنما بمعالجة أسبابه من جذورها. ويبدأ ذلك بإعادة التوازن إلى برامج التعليم الثانوي في مادة العلوم الفيزيائية، ومنح الكيمياء الحيز الذي تستحقه، ثم تطوير تكوين الأساتذة بما يسمح لكل منهم بالتعمق في مجال اختصاصه. فالمطلوب ليس مجرد تغيير في تسمية الأقسام، بل مراجعة حقيقية تضمن تكوين أساتذة مؤهلين علميا وتربويا لتدريس كل مادة. إن فصل تدريس مادة الفيزياء عن مادة الكيمياء ليس تصورا نظريا أو اقتراحا بيداغوجيا مجردا بل نجد له أمثلة في أنظمة تعليمية مختلفة. ففي عدد من الدول، تُدرّس المادتان في المرحلة الثانوية بصورة مستقلة، لكل منهما برنامجها ومحتواها، ومن ثم يمكن إسناد تدريس كل منهما إلى أستاذ متخصص فيها. ومن أمثلة ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا وإنكلترا، وسنغافورة، والصين وألمانيا. وتختلف طرق تنظيم التدريس والتخصصات من بلد إلى آخر، لكن القاسم المشترك بينها هو الاعتراف بالاستقلال العلمي والبيداغوجي لكل من الفيزياء والكيمياء، وعدم اعتبارهما بالضرورة مادة واحدة. ولا نعني بالاستفادة من هذه التجارب نقل نماذجها نقلًا آليًا، وإنما النظر فيما يناسب منها واقع المدرسة الجزائرية وإمكاناتها، مع مراعاة اختلاف برنامجَي المادتين وطبيعة تكوين أساتذتهما، ريثما تتم إعادة النظر في هذا تكوينهم الأساسي. فلماذا لا تتجه الجزائر إلى اعتماد هذا الخيار، بعد مراجعة البرامج وإعادة التوازن بين المادتين، والشروع في تطبيقه تدريجيًا، وفقًا للإمكانات المتاحة وتوافر الأساتذة المتخصصين؟ فمن شأن هذا الخيار أن يتيح تدريس كل مادة على أيدي أساتذة متخصصين، ويعمّق فهم التلاميذ للكيمياء وإدراكهم لأهميتها العلمية والتطبيقية، فضلًا عن إعدادهم بصورة أفضل لمواصلة دراستهم والاندماج في سوق العمل، بدل أن تظل الكيمياء مادة محدودة الحضور داخل مادة تحمل اسم “العلوم الفيزيائية”.
المصدر: الشروق