شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من شغف المطالعة إلى “البريستيج”… هكذا تغيرت علاقة الجزائريين بمعرض الكتاب!

من شغف المطالعة إلى “البريستيج”… هكذا تغيرت علاقة الجزائريين بمعرض الكتاب!

تحول الصالون الدولي للكتاب، إلى وجهة عائلية تستقطب الجزائريين من مختلف الأعمار والفئات، وموعد ينتظره البعض للنزهة أكثر من كونه فرصة للبحث عن المؤلفات الجديدة أو اقتناء الكتب، خاصة في ظل محدودية فضاءات الترفيه العمومي والثقافي، حيث يجد الزائر في قصر المعارض فضاء واسعا يسمح له بالتجول والالتقاء بالأصدقاء ومرافقة أفراد العائلة، واكتشاف أجواء استثنائية لا تتوفر له بالضرورة طوال أيام السنة، وهناك من يدخل المعرض بقائمة طويلة من الكتب التي يبحث عنها، أو من يأتي دون هدف محدد، مكتفيا بالتجول بين الأجنحة ومشاهدة العناوين. أكياس الكتب… ثقافة اقتناء أم “بريستيج اجتماعي” ومن المشاهد التي تستوقف المتابع داخل المعرض، حرص عدد من الزوار على الخروج بأكياس مليئة بالكتب، وكأن اقتناء المؤلفات أصبح في حد ذاته إنجازا يستحق الاحتفاء والتوثيق، خاصة وأن الكتاب منح صاحبه صورة الشخص المثقف والمهتم بالمعرفة، ويصبح امتلاكه وسيلة للتعبير عن الذوق والانتماء الثقافي والمكانة الاجتماعية، حيث تحولت بعض المشتريات التي يتم اقتناؤها من معرض الكتاب إلى محتوى رقمي، وتصبح صورة كيس الكتب أو مجموعة الروايات الجديدة جزءا من الحضور الافتراضي للزائر، كما ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تحويل المعرض إلى حدث جماهيري تتجدد صورته يوميا، فبمجرد انطلاق فعالياته، تمتلئ الصفحات بصور الأجنحة ومقاطع الفيديو التي توثق الازدحام، واستعراض الكتب الأكثر رواجا، ولقاءات الكتاب والمؤثرين مع جمهورهم. وفي السياق، يرى المحامي عبد الحفيظ ميلاط أن الإقبال الكبير الذي يشهده المعرض الدولي للكتاب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تظاهرة موسمية أو مناسبة لاقتناء المؤلفات، وإنما هو مؤشر على حاجة اجتماعية وثقافية حقيقية إلى فضاءات عمومية مفتوحة تستوعب مختلف فئات المجتمع، وتتيح لها فرص الالتقاء والتفاعل وممارسة الأنشطة الثقافية والترفيهية. وأوضح ميلاط أن تحول المعرض إلى وجهة للعائلات والشباب وحتى الأشخاص الذين لا تربطهم علاقة منتظمة بالمطالعة، لا يمكن اعتباره ظاهرة سلبية في حد ذاته، بل قد يشكل مدخلا مهما لإعادة ربط المواطن بالكتاب والثقافة، خاصة في ظل محدودية الفضاءات الثقافية والترفيهية المتاحة في عدد من المناطق، مضيفا أن المواطن يبحث عن فضاءات يقضي فيها أوقات فراغه رفقة عائلته، ويجد في المعرض فرصة تجمع بين الترفيه والاكتشاف والتواصل الاجتماعي. وبخصوص ظاهرة اقتناء الكتب بكميات كبيرة والحرص على توثيق ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، اعتبر المحامي أن المسألة تطرح تساؤلات حول العلاقة بين الثقافة والمظاهر الاجتماعية، خاصة عندما يتحول الكتاب من وسيلة للمعرفة إلى رمز للمكانة الاجتماعية أو وسيلة لإظهار صورة معينة أمام الآخرين. وأضاف أن امتلاك الكتب لا يعني بالضرورة قراءتها، مثلما أن نشر صور المشتريات أو أكياس الكتب لا يمثل دليلا قاطعا على وجود علاقة فعلية بالمطالعة، غير أنه لا ينبغي في المقابل إصدار أحكام مسبقة على نوايا الزوار أو التقليل من قيمة هذه السلوكيات، لأن الاهتمام بالكتاب قد يبدأ أحيانا من مجرد الفضول أو الرغبة في مواكبة حدث اجتماعي، قبل أن يتحول تدريجيا إلى اهتمام معرفي حقيقي. وأكد ميلاط أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في تغيير طبيعة التظاهرات الثقافية، حيث لم يعد حضور المعرض مرتبطا فقط بالبحث عن الكتب ولقاء الناشرين، بل أصبح أيضا مناسبة لصناعة المحتوى الرقمي والتفاعل مع الشخصيات الأدبية والثقافية والمؤثرين، وهو ما جعل المعرض يعيش على إيقاع عالمين متداخلين، أولهما عالم الكتاب الورقي الذي يبحث عن قارئه، وثانيهما عالم المنصات الرقمية الذي يبحث عن الصورة والمحتوى القابل للتداول والمشاركة. وأشار المتحدث إلى أن جلسات التوقيع واللقاءات المباشرة مع الكتاب وصناع المحتوى أصبحت بدورها من عوامل استقطاب الجمهور، خاصة فئة الشباب، الذين قد يقصدون المعرض للقاء شخصيات يتابعونها عبر هواتفهم، أو التقاط صورة معها والحصول على توقيع، معتبرا أن هذا النوع من الحضور يمكن أن يكون إيجابيا متى استُثمر في تقريب الكتاب من الجمهور وتحفيز الاهتمام بالإنتاج الأدبي والفكري. وفي السياق ذاته، شدد المحامي على ضرورة عدم اختزال الإقبال الجماهيري في مظاهر الاستعراض أو النزهة العائلية، بالنظر إلى وجود فئات واسعة تقصد المعرض لأهداف علمية ومعرفية واضحة، على غرار الطلبة والباحثين والأساتذة والمهتمين باللغات والآداب والعلوم المختلفة، الذين يجدون في هذه التظاهرة فرصة للبحث عن المراجع الأكاديمية والقواميس والإصدارات الأجنبية والكتب المتخصصة التي يصعب العثور عليها في المكتبات المحلية. وأضاف أن المعرض يمثل بالنسبة إلى هؤلاء موعدا سنويا مهما، بالنظر إلى تنوع دور النشر والعناوين المعروضة، وما يوفره من إمكانية اكتشاف مؤلفات جديدة والحصول على مراجع قد لا تكون متاحة في ولاياتهم، وهو ما يعكس أهمية توزيع الكتاب وتوفير المكتبات المتخصصة خارج العاصمة والمدن الكبرى. واعتبر ميلاط أن الحق في الثقافة والوصول إلى المعرفة لا ينبغي أن يظل مرتبطا بالتظاهرات الكبرى والمواعيد السنوية، بل يتعين أن يكون حقا ممارسا بصورة يومية، من خلال توفير مكتبات عمومية مجهزة، وفضاءات ثقافية قريبة من المواطنين، وبرامج وأنشطة مستمرة تشجع على المطالعة وتضمن وصول الكتاب إلى مختلف شرائح المجتمع. وأكد أن المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية مطالبون باستثمار الإقبال الذي تعرفه هذه التظاهرة، وتحويله إلى مشروع ثقافي مستدام، لأن نجاح معرض الكتاب لا يقاس فقط بعدد الزوار أو حجم المبيعات أو الصور التي تنتشر عبر المنصات الرقمية، وإنما بمدى قدرته على ترك أثر حقيقي في السلوك الثقافي للمواطن بعد انتهاء فعالياته.

المصدر: الشروق