شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل يمتلك الدماغ ذاكرة وصول عشوائي مثل الحاسوب؟

هل يمتلك الدماغ ذاكرة وصول عشوائي مثل الحاسوب؟

متابعة/المدى

رغم القدرات الهائلة للدماغ البشري، فإن الجزء المسؤول عن الاحتفاظ المؤقت بالمعلومات لا يستطيع التعامل في الوقت نفسه إلا مع عدد محدود منها، يتراوح غالباً بين ثلاثة وخمسة عناصر ذات معنى.

وذكر تقرير لموقع «بيولوجي إنسايتس»، تابعته (المدى)، أن أقرب وظيفة في الدماغ إلى ذاكرة الوصول العشوائي «RAM» في الحاسوب هي «الذاكرة العاملة»، التي تُستخدم للاحتفاظ بالمعلومات مؤقتاً أثناء القراءة والحساب واتخاذ القرارات وتنفيذ المهمات اليومية.

لكن تشبيه الذاكرة العاملة بذاكرة الحاسوب يظل وسيلة لتبسيط الفكرة، إذ لا يخزن الدماغ المعلومات على هيئة وحدات رقمية ثابتة، كما أن العنصر الواحد الذي يحتفظ به قد يكون وجهاً أو كلمة أو صوتاً أو فكرة معقدة.

ولهذا، لا يمكن قياس سعة الذاكرة العاملة بالغيغابايت أو مقارنتها مباشرة بذاكرة الهواتف والحواسيب.

وكان عالم النفس جورج ميلر قد طرح عام 1956 فكرة أن الإنسان يستطيع الاحتفاظ بنحو سبعة عناصر في ذهنه، لكن الدراسات اللاحقة خفّضت هذا الرقم بعد استبعاد تأثير تكرار المعلومات وتجميعها.

وتشير أبحاث معرفية إلى وجود مخزن مركزي في الذاكرة العاملة يتسع لنحو ثلاثة إلى خمسة عناصر ذات معنى لدى الشباب، وقد ينخفض إلى قرابة ثلاثة عناصر عندما يُمنع الشخص من استخدام التكرار أو وسائل المساعدة على التذكر.

ولا يزال العلماء يناقشون طبيعة هذه الحدود؛ فبعض النظريات تفترض وجود عدد ثابت من «الخانات» الذهنية، بينما ترى نظريات أخرى أن الدماغ يمتلك مورداً محدوداً يتوزع على المعلومات، فتقل دقة تمثيل كل عنصر كلما زاد عدد العناصر.

ويختلف الأداء بين الأشخاص بحسب الانتباه والخبرة وطريقة تنظيم المعلومات، لذلك قد يبدو شخص قادراً على تذكر معلومات أكثر، رغم أن السعة الأساسية للذاكرة العاملة لديه لا تختلف كثيراً عن الآخرين.

ويعوض الدماغ هذه المحدودية باستخدام ما يُعرف بـ«التجميع»، أي دمج عناصر متفرقة في وحدات أكبر ومترابطة.

فعوضاً عن حفظ عشرة أرقام منفصلة، يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات، لتشغل كل مجموعة خانة واحدة في الذاكرة العاملة. ويعتمد نجاح هذه الطريقة على ربط المعلومات الجديدة بما هو مخزن مسبقاً في الذاكرة طويلة الأمد.

ويظهر أثر الخبرة بوضوح لدى لاعبي الشطرنج المحترفين، إذ لا يتعامل اللاعب الخبير مع القطع والمربعات بوصفها عشرات العناصر المنفصلة، وإنما يتعرف على عدد محدود من الأنماط والمواقف المألوفة.

وبذلك يستطيع الخبير الاحتفاظ بمعلومات أكثر تعقيداً من المبتدئ، ليس لأنه يمتلك عدداً أكبر من الخانات الذهنية، وإنما لأن كل خانة لديه تحمل مجموعة أغنى من المعلومات.

وتختلف الذاكرة العاملة عن الذاكرة طويلة الأمد في مدة الاحتفاظ بالمعلومات وطريقة استخدامها؛ فالأولى تبقي المعلومات حاضرة لثوانٍ أو دقائق أثناء تنفيذ مهمة، بينما تخزن الثانية الخبرات والمعارف لفترات قد تمتد سنوات.

ويساعد التركيز وتكرار استحضار المعلومات في نقلها من الذاكرة العاملة إلى الذاكرة طويلة الأمد، ولذلك يكون الشخص أكثر قدرة على تذكر المعلومات التي منحها اهتماماً كافياً، مقارنة بالتفاصيل التي تعرض لها بصورة عابرة.

ولا تظل كفاءة الذاكرة العاملة ثابتة طوال العمر، إذ تتطور بصورة كبيرة خلال الطفولة والمراهقة، ثم تصل إلى ذروتها في نهاية العشرينيات أو قرب سن الثلاثين، قبل أن تبدأ بالتراجع تدريجياً.

وأظهرت دراسة شملت أشخاصاً تراوحت أعمارهم بين 5 و80 عاماً نمواً كبيراً في أداء الذاكرة العاملة خلال الطفولة، مع بلوغ الأداء ذروته في حدود سن الثلاثين.

لكن القدرات الذهنية لا تبلغ ذروتها جميعاً في العمر نفسه؛ فسرعة معالجة المعلومات قد تبدأ بالتراجع في عمر مبكر نسبياً، بينما يمكن أن تستمر بعض القدرات اللغوية والمعرفية في التحسن إلى الأربعينيات أو بعدها.

ولا تقدم تطبيقات «تدريب الدماغ» حلاً مؤكداً لزيادة سعة الذاكرة العاملة. فقد خلص تحليل شمل 87 دراسة إلى أن المتدربين يتحسنون غالباً في المهمات التي يمارسونها، لكن هذا التحسن لا ينتقل بصورة مقنعة إلى مهارات أخرى مثل القراءة والحساب والاستدلال والذكاء العام.

كما وجدت مراجعة أخرى أن برامج التدريب التجارية قد تحقق تحسناً محدوداً في بعض المهمات المشابهة للتدريب، لكنها لم تقدم أدلة كافية على تحسين الذاكرة العامة أو الأداء اليومي بصورة مستدامة.

وبذلك، لا يمكن إضافة «خانات» جديدة إلى الدماغ بالطريقة نفسها التي تُرفع بها سعة ذاكرة الحاسوب، لكن يمكن استخدام السعة المتاحة بكفاءة أكبر عبر تنظيم المعلومات وربطها بالمعرفة السابقة وتقسيمها إلى مجموعات مفهومة، إلى جانب تقليل المشتتات ومنح المعلومات المهمة قدراً أكبر من الانتباه.

The post هل يمتلك الدماغ ذاكرة وصول عشوائي مثل الحاسوب؟ appeared first on جريدة المدى.

المصدر: المدى