شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

بيان أول نوفمبر 1954 ميثاقٌ وليس مجرد وثيقة

بيان أول نوفمبر 1954 ميثاقٌ وليس مجرد وثيقة

بيان أول نوفمبر ليس مجرد وثيقة تأسيسية لإعلان الثورة بل هو ميثاق يتضمن دعائم بناء الدولة ووضع أسس الديمقراطية التشاركية التي تعرَّف في أبسط تعريفاتها بأنها الديمقراطية التي تشارك في تأسيسها وتكريسها كل مكونات المجتمع، ولا تحسب على مكوّن معين على خلاف ما هو الحال في بعض الديمقراطيات المعاصرة التي تؤسَّس على الديمقراطية الشكلية التي هي أقرب إلى التمظهر الديمقراطي منها إلى الممارسة الديمقراطية الحقيقية. يرسم بيان أول نوفمبر 1954 الصورة الحقيقية للدولة الديمقراطية التي تؤسَّس على ما يختاره الشعب لا على ما تختاره فئة مهما علت، إن هذا البناء الديمقراطي الذي يُبنى على الاختيار الشعبي هو العاصم من كل الهزات الاجتماعية والسياسية التي تُفسد العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتسمح لبعض الطفيليين بالاستيلاء على السلطة وما يصاحب ذلك من فساد في الرأي ورأب للصدع. أريد في هذا المقال ونحن نعيش نفحات ثورة أول نوفمبر 1954 المجيدة في ذكراها الثانية والسبعين أن أبيّن دعائم الدولة وأسس الديمقراطية التشاركية التي تضمَّنها هذا البيان والتي لا تعين عليها القراءة العابرة التي لا تتجاوز الشكليات بل تحتاج إلى قراءة متأنية لكل فقرة من فقراته التي تحمل رسائل سياسية عميقة علمها من علمها وجهلها من جهلها. لقد سبق بيانُ أول نوفمبر الديمقراطياتِ المعاصرة في تحديد دعائم الدولة التي تأتي في مقدمتها الشرعية الشعبية، فالشعب في بيان أول نوفمبر ليس مجرد رقم بل العامل الأول والأهم في بناء الدولة، فهذا البيان ليس موجها لفئة اجتماعية بعينها ولا إلى فصيل سياسي وإنما هو موجه إلى الشعب الجزائري برمته وبكل مكوناته، فعبارة “أيها الشعب الجزائري” تتكرر في هذا البيان من بدايته إلى نهايته، وهو أمر يحمل كثيرا من الدلالات عن النضال الشعبي عبر المراحل التاريخية المختلفة التي كُللت بثورة التحرير التي قادت إلى استقلال الجزائر في الخامس من جويلية 1962. وقد تحولت عبارة “أيها الشعب الجزائري” في الجزائر إلى شعار تحمله البلديات وكل مؤسسات الدولة وتتضمّنته الأحكام التي تُصدرها المحاكم والمؤسسات القضائية. لقد خاطب بيان أول نوفمبر 54 كل الشركاء الوطنيين والمناضلين من أجل القضية الوطنية الذين يخوّلهم البيان الحكم على مسعى المشاركين في البيان والمنتسبين لمختلف التيارات السياسية والذين يجمعهم رابط مشترك وهو الوطن. إن بيان أول نوفمبر لا يكتفي بإطْلاع الشعب الجزائري على خطة التحرير بل يفوضه كل الحق في الحكم عليها بصفته مصدر السيادة ومصدر كل السلطات، فواضعو البيان يقدِّمون أنفسهم على أنهم جماعة جرى تفويضها بعد مشاورات عميقة، ولكنهم يعترفون بأنهم سيلتزمون بكل ما تقرره المجموعة الوطنية بشأن المطالب التي وردت في بيان أول نوفمبر 1954، ويسدون النصيحة لكل من يتلقى هذا البيان ويؤمن بالمبادئ التي أسِّس عليها أن يتجنب الوقوع في شراك الامبريالية وعملائها من الانتهازيين الذين لا يرعون عن تفكيك عرى المجتمع وزرع الفرقة في وسط الأمة بشعارات ضالة مضلة. لقد لخص البيان كل هذا على النحو الآتي: “أيها الشعب الجزائري، أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية، أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا نعني الشعب بصفة عامة، والمناضلين بصفة خاصة نُعلمُكم أن غرضنا من نشر هذا الإعلان هو أن نوضح لكم الأسباب العَميقة التي دفعتنا إلى العمل، بأن نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا، ومقومات وجهة نظرنا الأساسية التي دفعتنا إلى الاستقلال الوطني في إطار الشمال الإفريقي، ورغبتنا أيضا هي أن نجنِّبكم الالتباس الذي يمكن أن توقعكم فيه الإمبريالية وعملاؤها الإداريون وبعض محترفي السياسة الانتهازية”. لقد تعرَّض الشعب الجزائري في تاريخه الطويل إلى سلسلة من المكائد التي حاكها وتولى كِبرها الاستعمار ومن سار في ركابه من أذنابه والخونة والمرتزقة الذين باعوا ضمائرهم وقدّموا مصالحهم على المصلحة الوطنية ورضوا أن يكونوا عونا للاستعمار ومِعولا على وطنهم. يشير بيان أول نوفمبر إلى قضية أساسية هي سر نجاح كل قضية ودعامة لا غنى عنها لكل دولة وهي وحدة الشعب والتفافه حول القضية الوطنية، الوحدة التي تولدت عبر مراحل طويلة من تاريخ الجزائر وكانت عاملا حاسما في تعزيز اللحمة وإذكاء الروح الوطنية. يعتبر بيان أول نوفمبر أن وحدة الشعب هي العنصر الحاسم الذي يعوَّل عليه لتحقيق الغاية من الكفاح والنضال وهو الاستقلال وتحقيق السيادة الوطنية، وهذا ما جاء في هذا البيان بخصوص هذه القضية: “نحن نعتبر قبل كل شيء أن الحركة الوطنية بعد مراحل من الكفاح قد أدركت مرحلة التحقيق النهائية. فإذا كان هدف أي حركة ثورية في الواقعـ هو تهيئة جميع الظروف الثورية للقيام بعملية تحريرية، فإننا نعتبر الشعب الجزائري في أوضاعه الداخلية متحدا حول قضية الاستقلال والعمل”. النضال في إطار الدبلوماسية والوحدة العربية والانفراج الدولي: لا ينظر بيان أول نوفمبر إلى حركة التحرير الوطنية على أنها حركة منفصلة عن سياقها الإفريقي والعربي بل يعدها حلقة في سلسلة الحركات الثورية في إفريقيا وفي الوطن العربي، فهي ترتبط بها بمنطق الأخذ والعطاء الذي يساعد على إقامة جدار عربي متحد ومتماسك وعصيّ على الاختراق، ويعوِّل البيان في هذا الصدد على دور الدبلوماسية العربية في نصرة القضية الجزائرية وفي توفير الدعم الدبلوماسي اللازم للثورة التحريرية، كما يدعو إلى رصِّ الصفوف والحرص على الوحدة العربية ومواجهة كل الدعوات الانفصالية، كما يشير البيان إلى أهمية الفضاء العربي الذي تنتمي إليه حركة التحرير الوطني التي يخوضها الشعب الجزائري وتقودها وترعاها جبهة التحرير الوطني، ويرى البيان أن كل هذه الآمال المشروعة في الدفاع عن القضية الوطنية وتحقيق الاستقلال والسيادة لن تتحقق إلا في ظل انفراج دولي وتغليب منطق السلم على منطق الحرب. يجلي بيان أول نوفمبر 54 كل هذا على هذا النحو: “أما في الأوضاع الخارجية فإن الانفراج الدولي مناسب لتسوية بعض المشاكل الثانوية التي من بينها قضيتنا التي تجد سندها الديبلوماسي وخاصة من طرف إخواننا العرب والمسلمين إن أحداث المغرب وتونس لها دلالتها في هذا الصدد، فهي تمثل بعمق مراحل الكفاح التحرري في شمال إفريقيا. ومما يلاحَظ في هذا الميدان أننا منذ مدة طويلة أول الداعين إلى الوحدة في العمل. هذه الوحدة التي لم يُتح لها مع الأسف التحقيق أبدا بين الأقطار الثلاثة”. الجمود وغياب سند الرأي العام آفة الحركات التحررية: يهدف بيان أول نوفمبر إلى توحيد الطاقات وتوفير كل الشروط التي من شأنها حماية الحركة الوطنية من أي تصدع أو تموضع يعمل أصحابه في إطار محدود ولا ينسقون جهودهم مع المجموعة الوطنية ويعيشون في معزل عن المجتمع مما يترتب عنه الحرمان من سند مهم لا غنى عنه وهو الرأي العام. يجلي بيان أول نوفمبر كل هذا على هذا النحو: “إن كل واحد منها اندفع اليوم في هذا السبيل، أما نحن الذين بقينا في مؤخرة الركب فإننا نتعرَّض إلى مصير من تجاوزته الأحداث، وهكذا فإن حركتنا الوطنية قد وجدت نفسها محطمة، نتيجة سنوات طويلة من الجمود والروتين، توجيهها سيئ، محرومة من سند الرأي العام الضروري، قد تجاوزتها الأحداث، الأمر الذي جعل الاستعمار يطير فرحا ظنا منه أنه قد أحرز أضخم انتصاراته في كفاحه ضد الطليعة الجزائرية”. التركيز على المصلحة الوطنية واستقلال القضية الجزائرية : صراع الأشخاص عامل مدمر لأي حركة اجتماعية أو ثورية، وتجنبا لهذا جرى التشديد في بيان أول نوفمبر 1954 على أمر في غاية الخطورة وهو التخلي عن المصلحة الوطنية والانسياق وراء صراع الأشخاص أو صرف الأنظار عن القضية الوطنية الجوهرية أو الانشغال عنها بالاهتمام أو الانضمام إلى المتنازعين على السلطة في بعض الأقطار العربية، الذي من شأنه أن يضرّ بالحركة الوطنية ويشلّها أو يثنيها عن أهدافها، وهو ما ينتظره الاستعمار القائم على مبدأ: “فرق تسد”. يجلي بيان أول نوفمبر هذه المسألة على النحو الآتي: “إن المرحلة خطيرة. أمام هذه الوضعية التي يخشى أن يصبح علاجها مستحيلا، رأت مجموعة من الشباب المسؤولين المناضلين الواعين التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصمِّمة، أن الوقت قد حان لإخراج الحركة الوطنية من المأزق الذي أوقعها فيه صراع الأشخاص والتأثيرات لدفعها إلى المعركة الحقيقية الثورية إلى جانب إخواننا المغاربة والتونسيين. وبهذا الصدد، فإننا نوضح بأننا مستقلون عن الطرفين اللذين يتنازعان السلطة، إن حركتنا قد وضعت المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات التافهة والمغلوطة لقضية الأشخاص والسمعة، ولذلك فهي موجَّهة فقط ضد الاستعمار الذي هو العدو الوحيد الأعمى، الذي رفض أمام وسائل الكفاح السلمية أن يمنح أدنى حرية”. الحريات وتحقيق وحدة شمال إفريقيا وتفعيل ميثاق الأمم المتحدة: يتضمن البرنامج السياسي للعمل الثوري التحرري الذي تضمنه بيان أول نوفمبر 1954 جملة من الأهداف الداخلية والخارجية، فمن الأهداف الداخلية التطهير السياسي والقضاء على مخلفات الفساد التي كانت سببا في تخلف الحركة الوطنية عن ركبها الإقليمي والعالمي، ومنها أيضا تجميع كل الطاقات الوطنية وتنظيمها من أجل تحقيق الاستقلال وتصفية الاستعمار، ومن الأهداف الخارجية: تدويل القضية الجزائرية وإسماع صوتها في الهيئات والمحافل الدولية ردا على محاولات التضييق والتكتم التي يمارسها الاستعمار الفرنسي، ومنها أيضا تحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطارها الطبيعي الجغرافي والعربي الإسلامي، ومنها أيضا تفعيل ميثاق الأمم المتحدة ومساندة الحركات التحررية، ولا تزال الدبلوماسية والسياسة الخارجية الجزائرية إلى اليوم متمسكة بهذا النهج السياسي الذي يتميز بالعمل على تعزيز الوحدة العربية، وتحقيق وحدة الشمال الإفريقي ومناصرة القضايا العادلة. لقد سبق بيانُ أول نوفمبر الديمقراطياتِ المعاصرة في تحديد دعائم الدولة التي تأتي في مقدمتها الشرعية الشعبية، فالشعب في بيان أول نوفمبر ليس مجرد رقم بل العامل الأول والأهم في بناء الدولة، فهذا البيان ليس موجها لفئة اجتماعية بعينها ولا إلى فصيل سياسي وإنما هو موجه إلى الشعب الجزائري برمته وبكل مكوناته، فعبارة “أيها الشعب الجزائري” تتكرر في هذا البيان من بدايته إلى نهايته، وهو أمر يحمل كثيرا من الدلالات عن النضال الشعبي عبر المراحل التاريخية المختلفة التي كُللت بثورة التحرير التي قادت إلى الاستقلال.

المصدر: الشروق